الأحد، 13 أبريل 2014

(8) خواطر التناصح والإصلاح: بالهمم العالية، والقلوب الصافية، سادَ الأشرافُ آل باعلوي!


عرف الناسُ والتاريخ السادة بني علوي، رجال علم وتعليم، وإصلاح وتربية، وجد واجتهاد، يعملون ولا يكلون، يؤثرون الغير ولا يستأثرون. كل المجتمعات البشرية التي عاشوا فيها، تشهد لهم ببلوغ القمم في شتى المجالات، علم، وأدب، ودعوة، وخدمة، وبذل جاه، وسياسة.
عماذا تريدونني أن أحدثكم؟
عن أي جانبٍ من الجوانب التي يفخر بها بنو البشر برز فيه بنو علوي؟
عن أي مكانة سامية، ومرتبة عالية تسنموا ظهرها؟



سلوا التاريخ المكي، والمدني، فضلا عن التاريخ اليمني بعمومه، والحضرمي بخصوصه. طالعوا تواريخ مصر، والشام، والهند، والسند، وشرق إفريقيا، وشرق آسيا .. إن لم تجدوا فيها أثراً مباشراً، فستسمعون أخباراً تروى عمن عرفهم وخالطهم.

يقول فيهم حسان مدحهم، الشيخ أحمد بن عمر باذيب، في عينيته الشهيرة، التي امتدح بها صديقه وأخاه في الله، السيد الشريف العارف بالله والدال عليه، الحبيب شيخ بن أحمد بن عبدالله بافقيه، دفين سورابايا، سنة 1289هـ، نفع الله بهم:
يا لا ئمي في حب آل محمد ** إني بهم ما عشْتُ صَبٌ والعُ
نفسِي لهم رقٌ بلا ثمَنٍ فإن ** يرضُوا بها مني فإني بائعُ
أرجو يداً بيضاء بها عند الذي ** يوم القيام هو الوجيه الشافعُ
وأنالَ لذّة أنت منا لا تخَفْ ** فمحبّنا في روضِ أمْنِ راتعُ
وأرَى النجاةَ بها إذا زفرَتْ لظَى ** وبدَتْ لأهوالِ النشور فجائعُ
حَسْبي محبته ووُدّي آله ** فهم الأمان إذا قرعن قوارعُ

هذه الأبيات الجميلة الرائعة، استشهد بها كبار العلويين في كتبهم، وأوردها حجة السادة بني علوي، السيد الإمام علوي بن طاهر الحداد في كتابه العظيم (القول الفصل فيما لبني هاشم وقريش والعرب من الفضل)، وغيره.



إن هذا العنصر الكريم، والأصل الفاخر العظيم، يعز على من انتسب إليه، أو تشرف بالتقرب منه والدخول إلى حماه، أن ينال عالي بناه، أو يتطاول عليه من لا يطول مطاله.
* * *
وفي الانتصار لشرف هذا البيت الشامخ، ومنهجه العظيم السامق الراسخ، بذلت المهج، وأراق المحبون مياه وجوههم، بل ودماءهم، وبذلوها في سبيل الحفاظ على سلامة المنهج، والإبقاء على روح الطريق. سواء من أبناء البيت الصلبيين أو الروحيين. وهل منهج بني علوي ودعوتهم إلا روح الإسلام، وهل هم إلا ممثلون لطريق خير الأنام، عليه الصلاة والسلام.
بيت شريف سني، سليم الاعتقاد، وطريق سار فيها من الأئمة أطواد، وشادها الأبدال والأوتاد، وتنقل الشرف والفخر والعلم والفضل والدين، فيهم وفي أهل طريقهم، كابراً عن كابر، وأباً عن جد ..
أب يتلقى عن أبيه وهكذا ** فيالك من آباء كرامٍ وأجدادِ

وفي التشرف بخدمة منهجهم، والذب عن حماهم، يقول الشاعر الأديب، المقدم في طريقهم، والشارب من رحيقهم، شهاب الدين أحمد بن عمر باذيب، دفين سنغافورا، رحمه الله:

بني هاشمٍ أنتم مُرادي وبغيتي ** وحبكمُ في مهجتي صار ثَاويا
وجَدِّكم المبعوثِ من خير عنصُرٍ ** لحبكمُ أضحى بقلبي راسيا
وإني عليكُمْ مشفقٌ متودّدٌ ** إليكم بصدْقِ النصح لستُ محابيا
وأنتم رؤوسُ الناسِ والناسُ لم تزلْ ** لكم إن صلحْتُم أو فسدْتُم تواليا
أترضَون أن تبلى طريقة جَدّكمْ ** وتدرسَ ، أو أن يصبح الظلمُ فاشيا
وأنتمْ على وجْه البسيطة رتّعٌ ** تباهون بالدّنيا وتعلوا المبانيا!
إذا ما نأيتم عن طريقَة جَدكُم ** فلا عجَبٌ أن يصبح الغيرُ نائيا
لأنكمُ أولى به من سِواكمُ ** وأنتم له نعْمَ الولي المواليا
بكمْ يُقتدَى إذ أنتمُ مظهر الهدى ** ومطلعُ نورٍ صَار في الأرض باديا
 ألا عزْمةٌ سبطيةٌ هاشميةٌ ** ليصبحَ منها عاطل الدين حاليا
ويبيضَّ وجْهُ الدين بعْد اسْودادِه ** فأيامه بالجهْلِ صرْنَ لياليا
وإني لأخشى إنْ تمادى سكوتكُمْ ** عن الدّينِ أن يضحي له الجهل نافيا
ويضْحي البرايا حائرينَ يسُوسهمْ ** هواهُم، وإبليسٌ يقود النواصيا
إلى النارِ! لا يدرونَ بالدين جملةً ** وما أحدٌ بالدين منهم مباليا
ألا فانتضُوا سيفَ العزيمة وافلقوا
** به رأسَ إبليس الذي كان غاويا
دراكِ بني الزّهراء من قبل أن يُرى ** بنا ذلك المخشيُّ أو أن يوافيا
دراكِ بني الزهراء إن ثمّ مدْركٌ ** وإن ذائدٌ عن بيضَة الدين حاميا
فأنتمْ مفاتيحُ الفلاح وإنّما ** بكُمْ جاوز الدينُ الثريا تعاليا
وإن صلُحَتْ نياتكم وتحسّنتْ ** كفتكم سيوفَ الهندوان العواليا
ألا فاقبلوا نصْحي وإن كنتُ قاصرا ** ضعيفاً حقيراً خاملَ الذكر خاطيا
فإنّي ومن أوصَى كمَن طاح في الردى ** فحذَّر مشّاءً إليه وآتيا
فدونكمُ القولَ المنمّقَ فاعملوا ** عليه وخَلّوني وقبحَ فعاليا
على أنكُم لا تهمِلُوني فإنني ** لعَمْرُ أبيكم للعظيم المساويا
ولا تحرِمُوني دعوةً من دُعائكم ** لعلي بها فضلاً أنال الأمانيا
وأدركَ عفو الله عني وأنثني ** من الأجر بالحظ الموفّر راضيا
فلي حُسْن ظنٍّ في إلهي، ومَن أتى ** إليه بحسن الظن أصبحَ ناجيا

بهذه الأبيات، والإشارات البينات، والكلمات الغاليات، أصِلُ مع أحبتي وإخوتي في المنهج، ومن هم أحبُّ إلى قلبي من نفسي وأهلي، إلى نهاية مطافٍ قدر لي ولهم أن نعيشه، وأن نتواصى فيه بالحق، ومن تأذى مني، أو استثقل كلامي، فإني أعتذر إليه، وأبادر بطلب العفو والصفح منه، فوالله إن الحق مر، وكلي ذنوب وأخطاء، وجزى الله خيراً من استمع إلى هذه الكليمات التي كتبتها، والسطور التي سطرتها، فما قصدت بها إلا وجه الله، وإلا الذب عن شرعه وعن حمى أهل الله، وأوصي نفسي ومن أحب بالتشمم إلى القمم، وليخزأ وليخسأ من ظن أني بما كتبت ونشرت أعرض بأحد، أو أعين الحاسدين على إخوتي.

لا والله! ولساعةٌ من عمل داعية إلى الله، يهدي به الله قلباً إلى طريق الحق، وتدمع فيها عين مسلم موحد، أو يدخل فيها الإسلام على يدي أحد هؤلاء الدعاة الذين بذلوا أعمارهم وأنفسهم ونفيسهم في سبيل الدعوة، خير من ملء الأرض من مثلي وأضعاف ذلك.

أيها الإخوة الدعاة إلى الله، سيروا إلى الله عرجاً ومكاسير، ولا يضركم من خالفكم، ومن خذل عن طريقكم، فأنتم على ثغور عظيمة، وأنتم أكرم وأجل وأرفع من أن تتأثروا أو تنكِصُوا على أعقابكم لمجرد سماع صوتٍ أرادَ صاحبه أن ينبهكم إلى ما ينبغي سلوكه، وما يجب الحذر منه، فأنتم شاماتنا، وبكم نستروح عبق الأشياخ المرشدين. ولا نريدكم إلا أن تكونوا في مقام الكمال، ما دمتم رغبتم في سلوك سبيل الكمّل من الرجال. فاستغفروا لنا الله في قيامكم وتهجدكم، وادعوا لإخوانكم المقصرين عن بلوغ شأوكم، فما أسهل الكلام، وما أصعب العمل. سيروا على بركة الله، ونحن معكم، ولن تروا منّا إلا كل مودة ومناصرة، وسيعلم المتشفّون لمن عقبى الدار.
اللهم اغفر لي ولإخوتي، ولكل من نصحني سراً، ولكل من أسدى إلي معروفاً، ولكل من نبهني على خطأي، وأخذ على يدي، واغفر لمن أسأت إليه، أو تأذى مني ظاهراً أو باطناً، فما قصدت إلا النصح والتواصي بالحق، فإن كنت وفقت في ذلك فلك الحمد، وإن كنت أسأت فأستغفرك يا غفور يا رحيم.

سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

كتبه/ محمد أبوبكر باذيب

سحر الاثنين 13 جمادى الأولى سنة 1435هـ

مقارنة بين كتابي تحفة الدهر، واللآليء الثمينة، للداغستاني المدني


من كتب التراث الإسلامي، المختصة بالمدينة المنورة وأعلامها وتاريخها، كتاب عنوانه (تحفة الدهر ونفحة الزهر في أعيان المدينة من أهل العصر)، لمؤلفه عمر بن عبدالسلام الداغستاني المدني، (ت بعد 1202هـ/ 1788م)(1).
هذا الكتاب ذكرَه البغدادي في (إيضاح المكنون) وسماه (تحفة الدهر في أعيان المدينة المنورة من أهل العصر)، وتابعه الزركلي بالحرف.



قام الداغستاني بتأليف هذا الكتاب في الآستانة، التي قدمها سنة 1201هـ/ 1787م، بطلب من الخليفة العثماني. وكانت نسخة من هذا الكتاب محفوظة في مكتبة عارف حكمت، ولا تزال، ولعل أحداً استعارها من المكتبة، فشغر مكانها فيها، فظُنَّ أنه اختلسها، كما يشير إليه كلام الزركلي(2)، والحق أن هذه النسخة لا تزال حتى اليوم من مقتنيات مكتبة عارف حكمت، ومحفوظة تحت الرقم 1288 عام. عليها تملك باسم السيد زين صافي الجفري، الذي استنسخ تلك النسخة. وهي في 255 صفحة، كتبت بقلم حمزة بن العربي التفرتي المدني، غير مؤرخة.

تجدر الإشارة إلى أن للداغستاني كتاباً آخَرَ في الموضوع نفسه، وهو كتاب (اللآليء الثمينة في أعيان شعراء المدينة)، وهو مشابه إلى حد بعيد أسلوب وتصنيف كتاب (تحفة الدهر)، فكلاهما يشترك في تخصيص الحديث عن أعيان المدينة المنورة، وبخاصة أدباؤها وشعراؤها، غيرَ أن (اللآلئ) أكثر تخصصاً، حيث أفرد لتراجم الشعراء، وأهمِل من عداهم.

عدد تراجم كتاب (اللآلئ) يبلغ 115 ترجمة، بينما عدد تراجم (التحفة) لا يتجاوز 57 ترجمة. وقد تضمن كتاب (اللآلئ) جل تراجم (التحفة)، ولم يشذ سوى شيء يسير جدا، ولعل لاختلاف النسخ دوراً في هذا، لأن الناظر في الكتابين يقطع جزماً بأن تراجمَ شخصيات (التحفة) ليست إلا مأخوذة من (اللآلئ)، مع اختلاف في العبارة، وإعادة للصياغة. وتاريخ تأليف (اللآلئ) فيما يبدو متأخر عن (التحفة)، فقد أرخ الداغستاني تأليفه بعام 1201هـ/ 1787م، وكان شروعه فيه بعد وصوله إلى إستانبول، حيث طلبه السلطان العثماني للوفود عليه. وأما (التحفة) فلا يعلم تاريخ تأليفها.

تردد اسم عمر الداغستاني لدى بعض المؤرخين؛ فقد أكثر المؤرخ عبدالرزاق البيطار من ذكره في كتابه (تحفة البشر في تاريخ القرن الثالث عشر) ونقل عنه عدداً غير قليلٍ من تراجم المدنيين من أهل ذلك العصر، وكثيرا ما يكرر عبارة: "وهو من رجال (اللآلئ الثمينة في أعيان شعراء المدينة)، لعمر بن عبدالسلام المدرِّس الداغستاني".  كما استشهد ببعض الأبيات الأدبية والمساجلات الشعرية له ولغيره من مُتَرجَميه، وذلك كثير منتشر في كتاب البيطار. وهو تارة ينقل عنه بدون عزو إلى كتاب بعينه، وتارة يعزو إلى كتابه الآخر (اللآلئ الثمينة).

وأمام التساؤل: هل (تحفة الدهر) هو (اللآلئ الثمينة)؟ فقد ذهب الزركلي(3) إلى أن الكتابين كتابٌ واحِد، منبِّهاً في هامش ترجمة عمر الداغستاني إلى أن البيطار في (حلية البشر) قد سمَّى (تحفة الدهر) باسمٍ آخر هو (اللآلئ الثمينة)، وهذا وهمٌ من الزركلي. فإن عمر الداغستاني له كتابان كلٌ منهما مختلفٌ عن الآخَر، والذي كان ينقل عنه البيطار ويعتمِدُه هو (تحفة الدهر)، وهو أوسع بكثير من (اللآلئ) ومخالف له في الترتيب والتصنيف، كما تم بيانه آنفاً.

قسم المؤلف كتابه (تحفة الدهر) إلى أربعة فصول:
الفصل الأول ـ في السادة الأشراف.
الفصل الثاني ـ في العلماء الطيبين الأوصاف.
الفصل الثالث ـ في العلماء الكرام.
الفصل الرابع ـ في الأدباء الفخام.




الهوامش:
1-    لعل هناك خلطا بين سنة وفاة عمر الداغستاني وبين سنة وفاة أبيه، فإن الزركلي أرخ وفاة أبيه عبدالسلام في سنة 1202هـ/ م نقلا عن مقال الدفتردار، وأرخ وفاة مؤلف التحفة بعد سنة 1201هـ/ م تخمينا منه وأخذا من سنة تأليف الكتاب. على أن محقق كتابه الآخر (اللآلئ الثمينة) قد ذهب إلى أنه توفي قريبا من سنة 1206هـ/ م، وأما البيطار فقد احترز عن التخمين، وتخلص بقوله: "لم أقف على تاريخ مماته". ينظر: البيطار، عبد القادر، حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، تحقيق: محمد بهجة البيطار، جـ 2 (دمشق: د.ت،1380هـ)، 1115 – 1129؛ البغدادي، إسماعيل باشا، إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، جـ 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1413هـ/1992م)، 247؛ الزركلي، خير الدين، الأعلام، ط 13، جـ 4 (بيروت: دار العلم للملايين، 1409هـ/ 1988م)، 70، وجـ5، 50.
2-             الزركلي، جـ5، 50.

مصدر المقالة:
موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة، جـ6، 200-201.

محمد باذيب


الاثنين، 7 أبريل 2014

شيم العلماء عند موت مخالفيهم



من عظيم أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه كان حريصاً على ألفة المجتمع المسلم، حريصاً على وحدته، فكان مع علمه بنفاق المنافقين، إلا أنه كان يتألفهم، ويبتعد عما يثير الخلاف فيما بينهم، لرأب الصدع، ولتربية المجتمع على نبذ العداوة والحسد والغيرة، فبناء الإسلام لا يعلو بالأحقاد، ولا بأسلوب تصفية الحساب.

وهاكم هذه الحادثة الشهيرة في كتب السنة والسيرة ..
قام رجل من المهاجرين بضرب رجل من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: ما بال دعوى جاهلية؟، قالوا يا رسول الله: كسع (= ضرب) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم - فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم -: دَعْه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه .. رواه البخاري

وهذه واقعة أخرى، عن جابر بن عبد الله، قال: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم هوازن بين الناس بالجعرانة، قام رجل من بني تميم، فقال: اعدل يا محمد، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، لقد خبت وخسرت إن لم أعدل» قال: فقال عمر: يا رسول الله، ألا أقوم فأقتل هذا المنافق، قال: «معاذ الله أن تتسامع الأمم أن محمدا يقتل أصحابه» ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا وأصحابا له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين، كما يمرق المرماة من الرمية»(1)

مثالان رائعان يصلحان لكل زمان ومكان في النظر إليهما بعمق، ليتعلم المرء، لاسيما صاحب القوة والبأس والسلطان، والاقتداء بخير البشر، في كيفية التعامل مع الآخرين، لاسيما المخالفين وحتى الأعداء أو المنافقين.

وهذه قصة من واقع تراجم علماء المسلمين:
فمعلوم ما كان بين العلامة المحقق الشيخ محمد عبدالحي اللكنوي (ت 1304هـ) وبين عصريه الأمير السيد صديق حسن خان القنوجي البهوبالي (ت 1307هـ) رحمهما الله، من خلاف، وردود، بلغت من الشدة الى حد كبير. حتى وصفها العلامة السيد عبدالحي الحسني في (نزهة الخواطر) بأنها تأباها الفطرة السليمة!.
ومع ذلك ..
فعندما بلغ الأمير (الملك مجازا) صديق خان، وفاة عصريه الشيخ عبدالحي، حزن عليه حزنا شديداً، وما أكل الطعام في تلك الليلة، وصلى عليه صلاة الغيبة، وأعلن الحداد في عموم إمارة بهوبال، نظراً إلى سعة إطلاعه في العلوم والمسائل(2).

هذا نموذج مشرق مشرف من تعامل المسلمين مع بعضهم، سيما أهل العلم، وذوي المكانة الدينية، والهيئة الإسلامية العامة.
فلنقارن حالنا اليوم بحالهم ..
أيصح من مسلم أن يجرح قلوب المكلومين على فقد عزيزهم بذكر مخالفته له؟
أين ذهبت هيبة الموت وقشعريرته ورجاء الخير لمن مات على الإسلام؟
فضلا عن أن يكون الميت ممن شاب في الإسلام وبلغ حد تسميته عتيق الله في أرضه؟

إن نقد الأفكار، وتحليل المواقف، والصدع بالبيان فيما يرى فيه خلاف أو شق لعصا المسلمين، أمر مطلوب، بل هو واجب العلماء والمفكرين والدعاة، ولكن عليهم أن يكتبوا كتابات مستفيضة، ويقوموا ببسط أفكارهم وما يريدون إيصاله للآخرين بعرضها عليهم، مختتمة بنتائج بحثهم في أفكار الأشخاص المنتقدين. لا أن يختزلوا أفكاراً، ربما كانت مسبقة، عن أشخاص، دون القيام بتحليل الأفكار والاطلاع على كل التراث المكتوب. 
فكل يؤخذ من كلامه ويترك، وما هناك معصوم إلا أنبياء الله ورسله عليهم صلوات الله وتسليماته، ولكل مسلم غيور الحق في رد ما يراه ويطلع عليه مما يخالف فيه كاتبه أو قائله، لكن مع العدل والإنصاف، وذكر المحاسن، وعدم غمط الفضل لأهله. 
إن الذي أصابنا من توتر في مجتمعنا الإسلامي، وفي حياتنا العامة، كان بسبب ضيق الصدور عن استيعاب المخالفين، والنظر الى النفس نظرة فيها بعض التعالي أو التنزيه للذات عن العيوب، بعيداً عن هضمها واحتمال صواب الغير وخطأ النفس. كما كان عليه السلف الصالح، وكلام الإمام الشافعي شهير في الباب، حيث قال رحمه الله: كلامي صواب يحتمل الخطأ، وكلام غيري خطأ يحتمل الصواب.

وعن نفسي .. كنت أسمع في مجتمعي، من كثير من الناس، ذكر أشخاص من العلماء والأعيان، يرمونهم بالتشيع، وببغض الصحابة، والبعض بالتوهب والتكفير، ثم لما اتسعت في البحث، وطالعت مؤلفات أولئك الأشخاص، وجدت البون شاسعاً، والفروق كبيرة، بين ما يشاع عنهم، وما هم عليه حقيقة. فما عدت أصدق كل ما يقال، ولا أكتفي بقراءة بعض المؤلفات، ومن لم أقف على كل أعماله، فإني أتجاوز الحديث عنه، والحكم عليه، والتحليل لشخصيته وفكره إلا بعد اكتمال حضور أعماله بين يدي. لأني إن تحدثت عنه قبل الاستقصاء أجرمت في حقه، وظلمته.

اللهم ألف بين قلوب المسلمين


الهوامش:
(1) مسند أحمد مخرجا (23/ 123).

(2) المصدر: نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر = الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام (8/ 1269)

(7) خواطر التناصح والإصلاح: هذا ما أنكرته على الدعاة غير المتأهلين للدعوة


أرسل لي أحد الإخوة الكرام، رابطاً لكلمةٍ  كتبها أحدهم، بعنوان (رفقا بالدعاة يا طلاب العلم).
ينتصر فيها للدعاة. ويعرّضُ بمنشورات سابقة لي انتقدت فيها أموراً عبتها على بعض الدعاة والمتصدرين.  ولسانُ حاله، يوافق قول أخ كريم آخر، كان قد صرح لي من مدة مؤنباً إيايَ على نشري مقالات التناصح، قائلاً: نرى أن طلاب العلم أكثر نقداً لغيرهم، ونرى أن الدعاة أكثر تلاقياً منهم، وأكثر قبولاً ومحبة لبعضهم البعض. هذا كلامه، وأنا أخالفه فيه، لأنه يفهم أن على أهل العلم السكوت عن أخطاء الآخرين، ولو كانت شرعية ودينية، والسكوت عنها محرم ..

وأقول له: من ذا الذي ينكر فضل الدعاة!!. وأنهم قاموا بتحمل واجب كبير عن أمتهم.
ولقد قلت، ولازلت أقول وأكرر القول:  إنه من واجبنا مؤازرة الإخوة الدعاة والدعاء لهم بالتوفيق والسداد.
ولكن .. ليت دعاتنا واخواننا في مدرسة حضرموت يقومون بدور اجتماعي ودعوة للشباب الضائعين على الأرصفة بدﻻ من تكرار المواعظ في مناسبة واحدة، وفي مجلس واحدٍ. ألا ترون معي، أن من يحضرون المجالسَ العامة الموسمية والشهرية،  هم بحاجة إلى تعلم الأحكام الشرعية، وإلى مزيد من فهم الكتاب والسنة وبيان عظمة الدين، أكثر من غيرهم. فقد حفظوا المواعظ ووعوها جيداً.
لماذا لا نجدد في لغة الخطاب، ونرتقي بأفهام الناس ووعيهم في كل مرة إلى مرتبة أعلى مما سبق في أعوام ومواسم ماضية.

على أن منشوري هذا إنما هو لبيان أمر مهم ، فيجب علي ذكره وتوضيحه لمن لم يتابع منشوراتي السابقة، واكتفى بسماع ما ينقل إليه،  وظن أني أنكر على الدعاة المؤهلين الصادقين مع أنفسهم ومع الآخرين، لمجرد تصدرهم او قيامهم بالوعظ والدعوة، دون معرفة الأسباب الداعية للكلام وبذل النصح: إن الذي انكرته في منشورات لي سبقت على تصدر الجاهلين والمهممين غير المؤهلين. انما هي امور اولية ﻻ ينبغي للمسلم العادي جهلها، فضلا عن داعية مترسم، يظن فيه أنه قد أتقن شيئاً من أساسيات العلم والدعوة، بينما هو خلو منها، خالي الوفاض تماماً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن الذي أنكرته يتلخص في التالي:

الأول: كلمات في العقيدة ترد على ألسنة بعض الوعاظ، موهمة للتجسيم، بل هي شديدة اﻻيهام. كقول أحدهم: إنه في ليلة اﻻسراء والمعراج التقى الحبيب بحبيبه، والتقى الخالق بالمخلوق. هكذا قالها صراحة، بلفظه بحروفه. والحال: أن هذه العبارة صريحة بوقوع مواجهة بين الحق تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم، وهو تجسيم صريح. وهذا خطأ فاحش، بل منكر من القول يجب التحذير منه.

الثاني: إتيانهم بأحاديث ﻻ أصل لها، إما موضوعة نص عليها الأئمة الحفاظ، أو مما لا أصل له، أو مما ورد في مصادر شيعية بحتة، ليس لها سند حتى عند الشيعة أنفسهم.
فينسب ذلك الداعية للنبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله وما لم يثبت من فعله عليه الصلاة والسلام. كيف نسكت على مثل هذا الهراء والتزوير والتزييف في حق العلم والسنة والدين!؟ وأين ذلك الداعية الزاعم أنه ينشر محبة النبي صلى الله عليه وسلم ودينه وشريعته وهو يسوق الأحاديث المكذوبة؟ ألم يبلغه النهي الشديد في الكذب على رسول الله، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحدكم»، وحديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»!؟.

الثالث: نقل بعضهم حكماً وعباراتٍ بنصها وفصها وحروفها من مواعظ البابوات، ومواقع النصارى العرب. وقد عددت لأحدهم أكثر من 15 عبارة ناقلها بحروفها عن البابا شنودة وغيره من القساوسة.
داعية مسلم، يلبس لباس أهل الدين، وعليه سيما الدعاة إلى الإسلام، وينتسب إلى طريقة شريفة سُنية سَنية علوية، ثم لا يجد من المواعظ في كتب أشياخه وسلسلة سنده، ما ينقله للناس! ..
فليأخذ من كتب العلماء من غير طريقته، فليأخذ من كتب الأئمة الكبار المشهورين .. فلينقل حديثاً نبوياً .. هل انتهى كل ذلك!! أفيعدم شخص مترسم بالدعوة وسيما الدعاة نصاً عن أهل الإسلام!! حتى لا يجد سوى مواعظ النصارى؟! وليته نسبوها للبابا في معرض دعوة النصارى .. ولكنهم اتوا بها في سياق مواعظ لإخوانهم المسلمين!!. وتريدوننا أن نسكت!؟

الرابع: إسفاف البعض في الموعظة، فهذا واحد منهم يشبه الطواف بالكعبة بطواف الحيوان المنوي حول البويضة. ويقول: سر هذا الطواف من ذلك الطواف. لنفرض أن ذلك صحيح عند الأطباء، وعلماء الإعجاز .. فلنا أن نتساءل ونقول: فما بال نطفة الكافر!!؟. أين ذهب عنه سر طواف نطفته!؟
يا جماعة الخير .. للناس عقول، وللناس ذوق، هؤلاء الدعاة قتلوا الذوق الصحيح، واغتالوا النظر الفسيح، كلامهم يدور حول الأسرار والأنوار، وأين هم من مجاهدات أسلافهم؟ وعلومهم وأعمالمهم؟!.

الخامس: نقل بعضهم نصوصاً من كتب بعض الأكابر، مع تحريفه أو النقص منه. كنقل البعض عن كتاب (الدعوة التامة) للإمام الحداد، الذي ما فتئ في كتابه ذلك يبكت المترسمين عن غير جدارة، والدعاة عن غير تأهيل. وما فتئ يذكر الدعوة مقرونة بالعلم في كل الكتاب .. فأخذ منه ذلك البعض ما يخص الحثّ على الدعوة وحذف ما يخص الحثّ على العلم. مع أن الكلام كان في سياق متحد. وهذا تصرف غير محمود.
 

سادسها:؛ ولعلها أفحشها: انتساب بعضهم إلى الأكابر من الشيوخ، وإيهامهم المدعوين أنهم تلامذة للعالم الرباني الفلاني، أو أنه تخرج على يديه. بينما هو لم يقرأ عليه حرفاً، ولم يحقق عليه مسألة، وغاية أمره أنه ربما نال منه إجازة للبركة. فلماذا يتشبعون بما لم يعطوا؟ وهل أصبح سوق الوعظ والإرشاد رائجاً بمجرد لبس الجبة والعمامة؟ وبمجرد الحصول على إجازة في الورد والراتب؟.

سابعها: أن بعضهم لم يكتف بالوعظ. بل افتتح دروساً في كتب لم يهضمها، بل لم يدرسها، ولم يقرأها على شيخ أو أستاذ، أو حتى يكون له إجازة فيها! على أقل تقدير!.
هذا هو التطاول بعينه، بل الجرأة على العلم والدين، كان الواجب عليه أن يسير هو إلى مجالس العلم ويدل المدعوين الذين التفوا حوله على اهل العلم. لا ان يغشهم، ويلقي عليهم كلاماً لا يمت للعلم بصلة، بل ويبقي عليهم حوله، كي لا يذهبوا للغير. وقد شاهدت بنفسي وأخبرني من كان بتلك المثابة، ثم تعرف على طريق أهل العلم، فرأى الفرق والبون الشاسع، فتحول عن شيخه الأول، بل وأصبح يعاديه، ويعتقد أنه غشه وضحك عليه.

هذا ما عبته في منشوراتي. وهذه هي النقاط التي أنكرتها على من رأيت وسمعت وعلمت من أصناف الدعاة. وأستغفر الله لي ولهم. ما قصدت هتك ستر احد منهم. وﻻ التشهير به. ولكنها أمور تراكمت خلال عقدين من الزمان، أنتجت لنا نماذج مشوهة، لا يليق بنا التغاضي عما يفعلونه، ولا السكوت عما يصدر عنهم من مهازل وأمور لا يصح نسبتها لطريق أو منهج بل ولا لدين الإسلام الخاتم. وإني لفي شغل شاغل عن عيوب نفسي، فضلا عن أتتبع عيوب غيري. وانما انكرت ما ذكرته حماية لجانب العلم والدعوة والدين. وتنبيها للناس على خطر القول على الله بغير علم. والله الموفق والمعين.



الجمعة، 4 أبريل 2014

محاضرة بعنوان: مميزات مدرسة الساحل الحضرمي الفقهية. للشيخ الفاضل سالم باقطيان


محاضرة بعنوان:
مميزات مدرسة الساحل الحضرمي الفقهية

الحمد لله , والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله , و على آله وصحبه ومن والاه .
وبعد:
فمما لاشك فيه أن مدرسة الساحل الحضرمي (المكلا – الشحر – غيل باوزير –  الحامي – الديس الشرقية  – وغيرها)، فرع  من  المدرسة  الحضرمية  السنية  الشافعية الاشعرية الصوفية العلوية , لكنها أكثر انفتاحا من المدرسة التريمية الأم , وان كانت متصلة بها ومستمدة منها خصوصا في القرنين الأخيرين (الثالث عشر والرابع عشر الهجريين).
فقد تلقى علماؤها علمهم  وتخرجوا على علماء مدرسة تريم وسيئون وغيرهما من فروع المدرسة الحضرمية , وقد ظهرهذا الانفتاح  في فتاوى  شيوخها ومعاملاتهم  مع  الجمهور , و لكنه  أكثر ظهورا في صياغة القانون الشرعي لمحاكم السلطنة القعيطية , الذي يحتوي على حوالي مئة مسألة اختيرت للحكم بها في المحاكم  الشرعية على خلاف معتمد  مذهب الامام الشافعي المعمول به في المحاكم الشرعية الحضرمية  عموما  منذ مئات السنين.
تمثل هذه المسائل المختارة اختيارات سابقة لفقهاء حضرموت جرى العمل بها في محاكم القطر, وجرت عليها الفتوى كبيع العهدة , واختيارات لفقهاءالساحل المتأخرين اقتضت المصلحة الشرعية العمل بها لتيسير معاملات الناس ورفع الحرج عنهم , وعلاج مشكلات اجتماعية واقتصادية و سياسية طرأت على المجتمع في فترة ما.
أبرز أولئك الفقهاء أصحاب الاختيارات المشار إليها، هم:
1- العلامة الكبير السيد : محسن بن جعفر ابو نمي , شيخ القضاة وتلميذ العلامة الكبيرالشيخ محمد بن عمر بن سلم شيخ رباط الغيل وخريج الجامع الأزهر, و الذي نافت مؤلفاته، أعني: السيد محسن، على مائه و عشرين مؤلفاً، لم يطبع منها الا القليل.
2- والعلامة الكبيرالشيخ : عبدالله بن عوض بكير رئيس المجلس العالي للقضاء لأكثر من ثلاثين سنة , وتلميذ العلامة عمربن مبارك  بادباه  تلميذ الحبيب علي بن محمد الحبشي وبركة الساحل الحضرمي.
3- والعلامة الشيخ : محمد بن عبدالله بن سعيد باجنيد خريج الجامع الأزهر وتلميذ الشيخ محمود شلتوت شيخ  الجامع الأزهر و أحد أعمدة المدرسة الاصلاحية المعاصرة.
4- والعلامة الشيخ : علي بن سعيد بامخرمة قاضي مدينة غيل باوزير وأحد خريجي رباط (بن سلم) بالغيل.
5- والعلامة الشيخ : سالمين بن سعيد بن عبد الله شطر قاضي مدينة الشحر , وتلميذ العلامة الكبيرالشيخ : أحمد بن عوض المصلي كبيرقضاة الشحر وأحد أبرزعلمائها.
6- يضاف اليهم سلطان الدولة القعيطية العلامة السلطان : صالح بن غالب بن عوض القعيطي, تلميذ العلامة الكبيرالسيد : أبي بكر بن عبد الرحمن بن شهاب الدين , وخريج  كلية الهندسة بألمانيا, والذي كان يتقن التحدث بثمان لغات. كما كان يتقن كثيرا من العلوم العصرية منها الهندسة الميكانيكية والجيوليجية وهندسة الاتصالات , والفلسفة , والفلك , وعلوم البحار , الذي أصدر مرسوما بتلك المسائل حتى أصبحت  قانونا  شرعيا يعمل به  في  محاكم السلطنة .
* * *
مصادر المسائل المختارة:
وقد جمعَتْ تلك الاختيارات في أكثرها من داخل مذهب الامام الشافعي من مقابل الأظهر والمشهور, ومقابل الأصح، ومسائل القديم، واختيارات أصحاب الوجوه.
ومنها ماهو مأخوذ من المذاهب الثلاثة مجتمعة أو من بعضها ,
وهناك مسائل قليله أخذت من خارج المذاهب الأربعة.
وقد كان شيخنا  العلامة السيد/ عبدالله بن محفوظ الحداد ( رحمه الله ) يفتي بكثير من هذه الاختيارات:
-       كجعل الطلاق الثلاث في مجلس واحد طلقة واحدة.
-       وجواز الصلح مع الإنكار.ط
-       والقول بجوازالبيع ونحوة بالمعاطاة.
-       وجواز شركة الأبدان.
بل وكانت له اختياراتٌ أخرى مقاربة لها، كان يفتي بها توسعة على الناس, منها على سبيل المثال:
1- الأخذ بمذهب  اللقْط  في  الحيض.
2- وموافقته  للطب الحديث بأن الحاملَ لا تحيض.
3- وتسهيله في بعض المعاملات المالية المعاصرة؛ كجواز بيع العملة  الورقية من جنس واحد ببعضها مع التفاضل. وألف في ذلك رسالة في الردعلى القائلين بأن هذه المعاملة ربا.
4- وفتواه بجواز التعزير بالمال.
5- وفتواه باباحة سماع الآلات الموسيقية أخذا بمذهب ابن جريرالطبري , وألف في ذلك رسالة.
وغير ذلك من المسائل .
* * *
أيّد القانونَ الشرعيَّ القعيطي عددٌ من علماء الوادي (الداخل)، أبرزهم:
1- العلامة الكبير مفتي حضرموت السيد/ عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف.
2- والعلامة الكبيرالسيد/ محمد بن أحمد الشاطري.
ومن خارج القطر الحضرمي , بل من خارج البلاد العربية: البروفيسور / أندرسن المستشرق البريطاني، والاختصاصي في الشريعة الاسلامية ومدرسها بجامعة كمبردج. الذي زار حضرموت وتباحث مع علمائها في الساحل والداخل سنة : 1950م.
* * *



أسباب انفتاح مدرسة الساحل الحضرمي

بعد العرض الموجز للقانون الشرعي القعيطي ..
نعود  الى أسباب انفتاح مدرسة الساحل الحضرمي أكثر من المدرسة الحضرمية الام (مدرسة تريم ومن تأثر بها) , ونوجزها فيما يلي :
السبب الأول: اشتغال أكثر علمائها بالقضاء.
فقد عمل أكثرعلماء الساحل الحضرمي في القضاء منذ وقت مبكر , و كما يقول المثل : (القضاء يفقِّه) , بل ان القاضي بالاضافة الى فقهه الشرعي يحتاج الى معرفة عادات الناس وتقاليدهم , وانزال الاحكام الشرعية وفق الواقع المعاش , فالقضاء يوسع مدارك الفقيه ويبصره بحلول مشاكل عصره أكثر من المفتي. أضف الى ذلك أن بعض السابقين، بل والمعاصرين، عمل في القضاء خارج حضرموت فأتاح ذلك له الاحتكاك المباشر بالمدارس الفقهية الاخرى , ودراسة البيئة التي يعملوا فيها وتقاليدها وثقافتها , حتى ان بعضهم نقل بعض المسائل المخالفة لمعتمد المذهب كالشيخ باشكيل الذي تولى القضاء بزبيد ولما عاد الى حضرموت نقل معه القول بجواز بيع العهدة والقضاء به في المحاكم , وعنه انتشر في سائر حضرموت .
السبب الثاني: احتكاكهم بالمدارس الفقهية الأخرى.
فقد درس كثير منهم دراسات عليا خارج حضرموت , ومزجوا بين ما تربّوا عليه داخل حضرموت، وماتلقوه خارج حضرموت.
ومن أبرز من تتلمذ خارج المدرسة الحضرمية:
1- العلامة الكبير محمد بن عمر بن سلم، شيخ رباط الغيل، فقد تخرج من جامعة الأزهر, وعليه تتلمذ كثير من الطلاب في الساحل الحضرمي، أبرزهم العلامة الكبير السيد/ محسن بن جعفر أبو نمي.
2- ومنهم العلامة الكبير الفقيه الاصولي المحدث السيد/ علي بن محمد بن يحيى خريج الازهر ورئيس المعهد الديني بغيل باوزير أواخر عهد الدولة القعيطية.
3- ومنهم العلامة الكبير الشيخ عبد الله بن عوض بكير رئيس المجلس العالي للقضاء القعيطي لأكثر من ثلاثين سنة , فقد تخرج مبكرا على العلامة الشيخ /عمر بن مبارك بادباه تلميذ العلامة الحبيب علي بن محمد الحبشي , وبركة الساحل الحضرمي , ثم سافر – الشيخ عبد الله – الى الصومال وهناك التقى بكثير من العلماء صوماليين وغير صوماليين أزهريين وغير أزهريين , وتتلمذ على بعضهم، وتباحث مع آخرين.
4- ومنهم شيخنا العلامة السيد/ عبد الله بن محفوظ الحداد الذي تخرج من كلية الشريعة بجامعة الخرطوم بالسودان وهو آخر رئيس للمجلس العالي للقضاء بالدولة القعيطية.
5- ومنهم العلامة السيد/ علي بن محمد مديحج رئيس محكمة الاستئناف بالمكلا سابقا , ومفتي المكلا اليوم , فقد تخرج من جامعة الخرطوم ايضا.
6- ومنهم العلامة الشيخ /عبد الرحمن عبد الله عوض بكير المفتش القضائي سابقا , وعضو هيئة الافتاء اليمنية اليوم الذي تخرج من جامعة الخرطوم ايضا. 
7- ومنهم العلامة السيد/ حامد المحضار وزير السلطنة القعيطية قبل معاهدة الاستشارة البريطانية , فقد تخرج من جامعة الازهر , وكان عالما كبيرا وسياسيا محنكاً, حتى خاف منه هارولد انجرامس أول مستشار بريطاني بحضرموت , فكان أول ضحاياه , وانما خاف منه لسعة علمه وشدة وطنيته.
8- ومنهم العلامة الشيخ/ محمد عبد الله سعيد باجنيد خريج الازهر وتلميذ الشيخ شلتوت شيخ الجامع الازهر , وأول رئيس لمحكمة الاستئناف بالمكلا.
9- ومنهم العلامة السلطان صالح بن غالب بن عوض القعيطي , الذي تخرج في العلوم الشرعية بحيدر أباد الهند , ثم تخرج في علوم الهندسة وغيرها من العلوم العصرية بالهند واوربا , وتأثر بالمدرسة الاصلاحية المصرية مدرسة الأفغاني ومحمد عبدة ورشيد رضا .
السبب الثالث: توسعهم في دراسة العلوم المتنوعة.
كدراستهم لعلم أصول الفقه, وعلوم الحديث، وأصول التفسير, والفقه المقارن. وهذه نتيجة حتمية للدراسة في المدارس الخارجية والجامعات الحديثة. فعلم أصول الفقه علم عظيم يوسع مدارك الدارس له , ويؤثر ويتأثر بعلوم كثيرة منها : الفقه , وعلوم العربية : (النحو,الصرف, علم البلاغة:البيان,المعاني ,البديع, فقه اللغة) , والمنطق , واصول الدين , وعلوم الحديث وغيرها , وهو وسيلة هامة للوصول الى رتبة الاجتهاد ومعرفة قواعد الاستنباط , ومن يدرسه يضطر لمواكبة عصره في فقهه ومعاملته مع علوم الشريعة .
وكذلك دراسة  علوم الحديث واصول التفسير : مصطلح الحديث , ودراسة الاسانيد  , وعلم الرجال , والجرح والتعديل , وفقه الحديث , وتفسير آيات الأحكام , ومعرفة مناهج الفقهاء في التعامل مع النصوص , كل ذلك يوسع مدارك الفقيه .
يضاف الى ذلك دراسة الفقه المقارن الذي هو تطبيق عملي لدراسة أصول الفقه وعلوم الحديث وأصول التفسير , وفيه يعرف الفقيه مذاهب العلماء , واختلافاتهم الفقهية , والاطلاع على مختلف المذاهب , واستدلالاتها , واختلاف مناهج الفقهاء في التعامل مع النصوص , واسباب اختلافاتهم الفقهية , ولماذا رد من رد منهم الاحاديث الصحيحة , وكيف يستنبطون الحكم من النص , وكيف يطبقون مقاصد الشريعة اثناء الاستنباط , وغير ذلك من أنواع المعرفة .
السبب الرابع:  ما ساروا عليه من نقد أحكام القضاة.
فقد كان المراقب على أحكام القضاة ونقدها وتمحيصها هم المفتون من الفقهاء , فاذا أصدر قاض حكما فان من صدر ضده الحكم من الخصوم يذهب به الى أحد المفتين يستشيره فيه هل هو حكم صحيح أو فاسد. وغالبا ما ينتقد المفتي حكم القاضي ويصدر فيه فتوى , فيرد على الفتوى ذلك القاضي أو أحد مناصريه , ويرد على الرد آخر أو الاول. وهكذا يتداول الفقهاء حكم القاضي بالنقد والتصحيح حتى يستقر الحكم للتنفيذ أو النقض , وقد تطول المداولة الى سنة أو أكثر , وقد تتناول المداولة فتوى مفتي كذلك .
مثال الاول: قضية باعييس في دار طالبوا فيها بنصيب مورثهم , وحكما له بالارث العلامة السيد/ محسن بونمي, والعلامة الشيخ/ عبدالله بكير قاضيا المكلا في :25محرم سنة :1354هج , وأيد حكمهما العلامة السيد/ عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف مفتي حضرموت , واعترض على الحكم المذكور لجنة من الفقهاء برئاسة العلامة الشيخ/ محمد بن عوض بن طاهر باوزير , وردّ عليهم العلامة الشيخ/ عبد الله بكير في :15شعبان سنة :1356هجرية.
ومثال الثاني: مسألة تعلق الديون المرسلة في ذمة الميت بزوائد أمواله المعهدة , التي أفتى فيها العلامة الشيخ/ أحمد بن عوض المصلي قاضي الشحر في: 12صفر سنة :1350هجرية, وأيده عليها العلامة السيد/ محسن بونمي, والعلامة الشيخ/ محمد بن عوض بن طاهر باوزير, والعلامة الشيخ/أحمد بن محمد باغوزة, واعترض عليها العلامة الشيخ/ عبد الله بكير , وطال النقاش فيها , وانتهى في : 5ذي الحجة سنة :1350هج . 
هذا ماتيسر جمعه في هذه العجالة وأرجو المعذرة على التقصير , والعفو ان بدت هفوة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

كتبه الفقير الى عفو ربه المنان
سالم بن عبد الله بن سالم باقطيان
بتاريخ : 25جمادي الاولى :1435هجرية
الموافق : 26مارس :2014م

  

الخميس، 27 مارس 2014

كلام رائع للإمام الحداد عن فساد الزمان وتولية المتأهلين

كلام رائع للإمام الحداد عن فساد الزمان وتولية المتأهلين

أهديكم جوهرة نفيسة من كلام إمامنا العظيم، السيد المجدد، الحبيب عبدالله بن علوي الحداد (ت 1132هـ)، رحمه الله ونفعنا به. وردت ضمن رسالة منه الى تلميذه الفقيه العلامة عبدالله بن محمد بن عثمان العمودي، القيدوني.

قال الإمام رحمه الله، بعد أن عزى تلميذه في بعض الفقهاء بقيدون:
(... وهو كما ذكرتم كان قائماً بوظيفة التدريس والحكم ببلدة قيدون المباركة، وأنه وقع لكم كما وقع لغيركم: أنه لا يصلح لذلك من بعض الوجوه، أو أكثرها، إلا الفقيهُ العفيف عبدالله بن عثمان، فذلك كذلك.

ولكن [هو] ممن نشير به، ولا نشير عليه. وهي عادة الأخيار مع الأخيار، في أمثال هذه المراتب المخْطِرة، التي هي كالصفاء الزلال، لا تثبت عليه إلا أقدام الكمّل من الرجال.

وأهل الزمان، كما ترونَ، أهل فتنة وشقاقٍ، وضياع للحقوق، وتعدٍّ للحدود، فإذا وليهم من لا يشبهُهم ويناسبهم، وقع البلاء، وتحرّجتْ الأمورُ عليه وعليهم.

والرجل الصالح كالجوهرة الثمينة، وأهل الزمان كحاملي الأحجار والأقذار، قصداً منهم، لكسرها أو تلويثها، فانظر بعد ذلك الذي يشيرُ بما يكون في الحالِ بهذه المثابة.

فالله يوفق من يحبّ، ويثبتنا وإياكم على الجادّة المشرقة، المضيئة بأنوار شمسِ الكتاب والسنة النبوية، الناطق صاحبها بالهدى والصواب». انتهت.

تأملوا هذا الكلام الحكيم حق التأمل ..
فالإمام الحداد، رحمه الله، يرى: أن ولاية الأعمال الشرعية لا يصلح لها كل أحد، أو أي أحد، فبعض الناس يكونون بلغوا حدا من التقوى والصلاح والفضل والعبادة مبلغاً كبيراً .. ولكن: قد لا يكون صلاح الأمور وتسيير الأحكام على يدهم كما ينبغي.

وليس مقصوده أن يولاها من قل دينه، كلا. ولكن: يبحث عن الرجل الأهل الكفؤ، وليس بالضرورة أن يكون أعبد أهل الزمان وأزهدهم، بل يكون قد توفرت فيه أهم الشروط المطلوبة، ثم يترك يتصرف في حدود صلاحياته .. ولكن .. إذا تعينت على الأعبد والأتقى، فلا شك أن عليه أن يتحملها ..


الشاهد في الكلام: أن استعمال العقل وحسن النظر في الأمور، مطلوب. وقد يكون من المصلحة تولية المفضول، وإمامة الأقل علماً ومكانة .. والله أعلم.