الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

ثنية الوداع وإزالة الإشكالات التاريخية المتعلقة بتعيين موضعها - بحث تاريخي موثق بقلم د. محمد أبوبكر باذيب


ثنية الوَداع
الوَداع، (بفتح الواو)، اسمٌ من التوديع عند الرَّحيل(1). ثنية الوداع اسمها القديم هو ثنية الركاب، إذ أخرجَ الطبراني في (المعجم الأوسط) عن جابر بن عبدالله الأنصاريّ قال: خرجْنا ومعنا النساءُ التي استمتعنا بهنَّ حتى أتينا ثنية الركاب. فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء النسوة اللاتي استمتعنا بهنَّ. فقالَ رسول الله r: "هن حرام إلى يوم القيامة"، فودَّعْننا عند ذلكَ، فسُمِّيتْ بذلك ثنية الوداع، وما كانت قبلَ ذلك إلا ثنية الركاب(2). وبعض المؤرِّخين يذكرها بلفظ الجَمع، ثَنيات، أخْذاً من شهرتها في أبيات الترحيب الشهيرة المروية في قصة الهجرة، عند دخول النبي r المدينة المنورة. وتلك الأبيات أخرجها البيهقي في (دلائل النبوة) بسنده، عن ابن عائشة، قال: "لما قدم النبيُّ r المدينةَ، جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا ** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داع(3)
ولأهل العلم قولان في تحديد موضع ثنية الوداع، التي كان دخول النبي r المدينة عبرها.
أولهما، أنها الثنية الجنوبية. وذلك أن رسول الله r لما قدم من مكة، قدم من جهة جنوب المدينة، فلابد أن يكون قد دخلها من تلك الجهة؛ وعليه تكون ثنية الوداع في جنوب المدينة، لوقوعها في طريق مكة، الذي يمر ببدر. وحددها بعض بأنها المدرّج الذي ينزل منه إلى بئر عروة، في الجنوب الغربي للمدينة.
محمد حسن شُرَّاب أورد في (المعالم الأثيرة فى السنة و السيرة) تحقيقاتٍ تاريخية وحديثية، في سياق إثبات أن ثنية الوداع الشهيرة إنما هي الشمالية لا الجنوبية، وكان جوابه عما سبق بقوله: "أما أدلة القائلين بأن الثنية في طريق مكة، فليس عندهم إلا خبرُ نشيدِ (طلع البدرُ)، وأنه قيل في مقدم الرسول r إلى المدينة يوم الهجرة، استناداً إلى أنّ فرحة أهل المدينة بمقدم رسول اللّه r، إنما كانت يوم الهجرة. وليس عندهم إلا خبرٌ ضعيف، نقلَه ابن حجر في (الفتح) قال: "وأخرج أبو سعيد في (شرف المصطفى r) من طريق عبيد اللّه بن عائشة منقطعاً، قال: لما دخل النبي r المدينة، جعلَ الوَلائدُ يقُلنَ: طلع البدرُ ...؛ قال ابن حجر: "وهو سند معضل ...". وبالإضافة إلى ضعف هذا الخبر، فإنه لم ينصّ على أن دخول الرسول r المدينة كان مقدَمَه من مكةَ، وإنما قال: لما دخل النبيّ المدينةَ. وقد دخل رسول اللّه r المدينةَ، عشراتِ المرَّات(4).
الثنية الجنوبية ورد تعريفها عند ياقوت في (معجمه) بأنها "ثنية مشرفة على المدينة يطؤها من يريد مكة"(5). وقال البكري: "ثنية الوداع، عن يمين المدينة أو دونَها"(6). وذكر السمهودي بأنها سميت في عصره، بالمدرَّج، وهو اسم حادث لها، وهي في العقيق، ومنها ينزل إلى بئر عروة(7). فهي على هذا الوصف تكون في الجنوب الغربي للمدينة(8)، وتشرف على وادي العقيق، وتحيط بها الحرة من كل جانب(9)، على طريق قباء، للمتجه إلى مكة، في شمال شرق القلعة، على بعد كيلومتر واحد من مسجد قباء من تلك الجهة(10).
قال الأنصاري: "وكما أن أهل المدينة كانوا يودعون المسافر منها إلى ناحية الشام من الثنية التي هي بطريق الشام، فكذلك لهم أن يودعوا المسافر إلى جهة مكة من الثنية الواقعة بطريق مكة، ويحق لكل من الثنيتين بهذا النظر أن تسمى ثنية الوداع، لقيام معنى الثنية الذي هو الطريق في الجبل، والوداع، بكل منهما، ولاشتراكهما فيه، فكلتاهما مركز لتوديع المسافرين"(11).
باحث معاصر، عبدالله مصطفى الشنقيطي، أيد القول الأول، بأنها الثنية الجنوبية، وكان من بين استدلالاته ما رواه ابن سعد في (الطبقات الكبرى) من حديث الهجرة، وفيه: ".. ثم هبط r بطن العقيق حتى انتهى إلى الجثجاثة، فقال: من يدلنا على الطريق إلى بني عمرو بن عوفٍ، فلا يقرب المدينة ؟ فسلكَ على طريق الظبيَ، حتى خرج على العُصْبة، وكان المهاجرون قد استبطأوا رسول الله r في القدوم عليهم، فكانوا يغْدُون مع الأنصار إلى ظهر حرَّة العُصْبة فيتحينون قدومَه في أول النهار، فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم، فلما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله r وهو يوم الاثنين، لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ويقال: لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، جلسوا كما كانوا يجلسون. فلما أحرقتهم الشمس رجعوا إلى بيوتهم، فإذا رجل من اليهود يصيحُ على أطمٍ بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا صاحبكم قد جاء. فخرجوا، فإذا رسول الله r وأصحابه الثلاثة؛ فسُمِعَت الرّجَّةُ في بني عمرو بن عوفٍ والتكبير، وتلبَّس المسلمون السلاح"(12).
وهذا النص هو أهم ما استدل به الشنقيطي، فهو صريح في أن الرسول r سلك طريق الظبي، وطريق الظبي لا تزال معروفة باسمها إلى اليوم، وهي جزء من طريق على ظَهر حرَّة بني سُليم، تبدأ من قباء إلى النَّقيع، وهو طريق مختصر وضيق ووعر. قال الشنقيطي: "فلو تتبعنا سير الركب النبوي من الجثجاثة (وهي قرب أبيار الماشي)، فنراه قد سلك على ظهر الحرة حتى هبط في القاع، من طرف القرين الأحمر (جبل صريحة الموجود الآن في حديقة الملك فهد)، ثم صعد في حرة العصبة، وهذا هو اسمها إلى الآن، وفي هذه الحرة مرتفعات ومنخفضات (ثنايا)، حتى انتهى إلى رأس الثنية الأخيرة، واستقبله عندها المهاجرون والأنصار، وتلك هي ثنيات الوداع لمن كان مسافراً على طريق الظبي"(13).
ويعلل الشنقيطي إغفال كثير من المؤرخين لهذه الطريق، بسبب ندرة المسافرين عليها، وعدم ورودها في الأخبار والرحلات من بعد الهجرة النبوية، الأمر الذي أدى إلى أن جهلت لدى كبار المؤرخين والجغرافيين، وحتى لدى المختصين من المعاصرين، أمثال الجاسر، والأنصاري، والبلادي. وقد أيد الشنقيطيَّ على هذه النتائج بعضُ المعاصرين من أهل المدينة(14) . هذا ما يخص القولَ الأول، من كونها الثنية الجنوبية.



وأما القولُ الآخر، والذي عليه أكثر المؤرِّخين، فهو: إنها في الجهة الشمالية، جهة الشام. وهناك أدلة كثيرة تؤيد هذا القول، منها ما رواه البخاري في (صحيحه) عن السائب بن يزيد، t، قال: "أذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى النبيَّ r إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك"(15). وأخرج البيهقي في (الدلائل)، (باب تلقِّي الناسَ رسولَ الله r حين قدِم من غزوة تبوك، وما قال في المخلفين من الأعراب بعذر والمخلفين بغير عذر)، بسنده إلى الزهري عن السائب بن يزيدَ ، قالَ: "أذكرُ أنَّا حين غزَا النبيُّ r تبوكَ، خرجنا مع الصبيانِ نتلقاه إلى ثنية الوداع". وفي رواية: "تلقَّاهُ الناسُ، فلقيته مع الصبيان على ثنية الوداع"(16). ومنها ما جاء في مرويات يوم ذي قرَدٍ، يوم أخِذتْ لقاحُ النبيِّ r، وفيه: أن أبا طلحةَ، t، عَلا ثنية الوداع، ونظر إلى بعْض خيُولهم، فأشرفَ من ناحية سلعٍ، ثم صرَخ: واصباحاه(17). ومنها ما رواهُ أبويعلى عن أبي هريرة، t، قال: خرجنا مع رسول الله r في غزْوِ تبوك، فنزلنا ثنية الوداع، الحديث(18). وفي (السيرة النبوية) لابن هشام، في أخبار غزوة تبوك: فلما خرج رسول الله r ضرب عسكره على ثنية الوداع(19).
ومما يدل على أنّ ثنية الوداع المذكورة في أخبار غزوة تبوك، هي الثنية الشامية، ما رواه ابن هشام عن ابن إسحاق قال: ضرب عبداللّه بن أبيّ معه على حِدَةٍ عسكرَهُ أسفلَ منه، نحو ذباب(20). وذُبابُ جبلٌ يذكرونه في تحديد ثنية الوداع الشامية، فيقولون: "بين مسجد الراية الذي هو على جبل ذباب، ومشهد النفس الزكية". وجبل ذباب، في أول شارع العيون بعد نزولك من الثنية، وأنت متجهٌ نحو الشمال(21).
قال ابن القيم في (زاد المعاد) عند حديث تلقي الصبيان والولائد، وذكر النشيد الشهير، قال: "وبعضُ الرواة يهِمُ في هذا، ويقول: إنما كان ذلك عند مقْدَمه إلى المدينة من مكَّة، وهو وهمٌ ظَاهر، لأن ثنيات الودَاعِ إنما هي من ناحية الشام، ولا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمرّ بها إلا إذا توجّه إلى الشام، وذلك يؤيده الحديث: فلما أشرف r على المدينة قال r: «هذه طابةُ، وهذا أحُدٌ، جبل يحبنا ونحبه»(22). قال شُرَّاب: "ورؤية جبلِ أحُدٍ للقادم من الشَّام أوضَحُ من رؤيته للقادم من طريق مكة"(23).
روى البخاري في (صحيحه) عن ابن عمر، رضي اللّه عنهما، قال: أجرى النبيُّ r ما ضَمَّر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع(24). قال شراب: "الحفياء في الغابة شامي المدينة فيما يسمّى «الخليل» وثنية الوداع هنا، هي الثنية الشامية، لأن ثنية المدرّج المذكورة في طريق مكة، لا تصلح أن تكون أمدا للسباق من بداية الحفياء أو الغابة. بل إن المسافة من الحفياء إلى ثنية الوداع الشمالية قرب سلع، هي التي تساوي خمسة أو ستة أميال، كما ورد في بعض الروايات. وأما من الحفياء إلى الثنية الجنوبية (المدرج) فتبلغ ضعف تلك المسافة، فهذا دليل آخر على كونها الشمالية"(25).
ثم أردف شُرَّاب: "بقي دليلٌ قويّ على أن ثنيةَ الوداع في المدينةِ هي الثنية الشامية، وهَذا الدليل هو: وراثةُ الأجيالِ من أهل المدينةَ، أنّ ثنية الوداع هي التي في طريق تبوك، ورواية أهل المدينة في هذا المقام حُجَّةٌ، لأن أهل المدينة أدرى بشعابها"(26). ومما يشهد لقول شرابٍ هذا، قول السمهودي: "كل هذه الروايات متظاهرة على أن هذه الثنية هي المعروفة بذلك إلى اليوم، في شامي المدينة"(27).
وعن استبعاد بعض الناس كونها الشمالية، وأنه يتنافى موقعها مع كَون القادم من مكة إنما يأتي من جنوب المدينة، فكيف يجمع بينهما؟.
أجابَ السمهوديُّ بقوله: "إن ذلكَ لا يمنع من كونه في الهجرة عند القدوم من قباء، لأنه r ركب ناقته، وأرخى لها زمامها، وقال: دعوها فإنها مأمورة، ومر بدور الأنصار، حتى مر ببني ساعدة، ودارهم في شامي المدينة، قرب ثنية الوداع، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية حتى أتى منزله بها"(28).
حدد المؤرخون موقع الثنية الشمالية تحديداً دقيقاً، فقال السمهودي: "بين مسجد الراية الذي على ذباب، ومشهد النفس الزكية، يمر فيها المارُّ بين صدَّين مرتفعين قرب سلع"(29). وعن تحديد ذينك الصدين، يقول عبدالقدوس: "كان الصدُّ الشرقي، المقابل لثنية الوداع الشمالية، فيه ثكنة عسكرية، وأما صدها الغربي فكان خالياً من أي بناء، وكان مرتاداً للمتنزهين في ساعات الأصايل الجميلة، لاحتجاب الشمس في هذه الأوقات وراء جبل سلعٍ من جهة، ولإشراف هذا الموقع على المدينة وعلى أكثر ضواحيها وبساتينها وجبالها النائية والقريبة، من جهة أخرى"(30).
قال العباسي: "وهي المعروفة اليوم [القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي]، شاميَّ المدينة، خلف سوقها القديم، بين مسجد الراية الذي على باب ذباب، ومشهد النفس الزكية قرب سلع"(31).



عبدالجليل برَّادة (ت 1336هـ/ 1917م)، كتب تعليقاً على كلام العباسي، يذكر تحديدها في زمنه، فقال: "هي الموضع الذي عليه القرين التحتاني، ويقال له أيضاً: كشك يوسف باشا، ويوسف باشا هو الذي نقر الثنية، ومهد طريقها في حدود سنة 1214هـ/1799م"(32). كلام برَّادة هذا غيرُ دقيقٍ، ولا يتفق مع كلام بقية المؤرخين، لأنه جعلَ القِرَين التحتانيَّ هو ثنيةَ الوداع، وهذا غير صحيح. وقد ورد ذكر القرين التحتاني، وكشك يوسف باشا، في (كتاب) علي بن موسى(33). وكلامه عنهما، ووصفه لهما، قاضٍ بأن جبل ذباب، هو جبلُ الرَّاية، الذي يقعُ عليه مسجِدُ الراية، وهو المعروفُ بالقِرَين التحتاني، لا ثنيةُ الوداع.
وصف علي بن موسى موقعَ الثنية في طريق القادم إلى الحرم النبوي الشريف من الجهة الشامية، بقوله: "وأما من كان مجيئه من الجهة الشامية، فمجمع طرق: العيونِ، والجرُفِ، وسيدِنا حمزةَ، t، الثنيةُ، وتعرف الآن [1303هـ/ 1885م] بالقِرَين، بجوار الداووديّة، فيكون جبلُ سلعٍ عن يمين الداخل"(34). وقال الخياري: "هي الموضعُ المرتفع الذي يقع خلفَ محَطة أبوالعلا، خارجَ باب الشامي، ويسمى القِرَين"(35).
يلاحظ هنا، أن كلام علي بن موسى، وكلام الخياري، يتفقانِ مع كلام برَّادة فيما سبق، من أن الثنيةَ سُمِّيت في مطلع القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، بالقرين التحْتاني، وهذا مخالفٌ لكلام السابقين، فالقِرَينُ، كما سبق في كلامهم، إنما هو جبلُ ذباب، والثنية بقربه؛ فليحرَّر.
عاتق البلادي، في أواخر القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، عرف ثنية الوداعِ بقوله: "ثنية الوداع من سَلعٍ على متنه [طرفه الشمالي] الشرقي، يعرِفُها الخاصّة من أهل المدينة، وفيها عُبِّد الطريقُ الذاهبُ إلى العيون والشهداء والشام، وهي اليوم في قلبِ عُمران المدينة"(36). تلاه محمّد شُرَّاب، بقوله: "هي الواقعة في بداية طريق أبي بكر الصديق (سلطانة) و أنت خارج من المدينة، ويكون على يسارك اليوم، جبل سلع، وإلى يمينك بدايةُ طريق العيون المؤدي إلى جبل الراية. فإذا كنتَ داخلاً إلى المدينة فإن جبلَ سلع على يمينك، وعلى يسارك بداية طريق العيون، ثم بداية طريق سيد الشهداء المؤدي إلى جبل أحد"(37).
عبيدالله كردي، الذي اعتنى بكتاب الخياري، علَّقَ بقوله: "قد أزيلتْ هذه الثنية حديثاً في عام 1406هـ[= 1986م]، لصالح التوسعة"(38). كما أن محطة (أبوالعلا) التي ذكرها الخياري لم يعُدْ لها وجودٌ اليوم(39).
بما تقدم، يثبتُ أن هناك ثنيتين في المدينة المنورة، إحداهما جنوبيةٌ، والأخرَى شمالية، تسمَّى كلُّ واحدةٍ منهما ثنية الوداع.
وأما عن التسمية بالوداع، فقال ياقوت: "اختلف في تسميتها بذلك"، ثم أورد قولين:
القول الأول: إنها تسميةٌ قديمَة من زمن الجاهلية، من قبل الإسلام، أطلقت على الثنيتين معاً، لأنهما موضِعُ وَداع المسافرين(40)، على الجنوبية لأنها موضع وداع المسافرين من المدينة إلى مكة(41)، وعلى الشمالية: لأنها موضع الذاهب إلى طريق الشام(42). وهذا هو ما صحَّحه ومالَ إليه ياقوت، قال: "والصحيح أنه اسم قديم جاهلي سُمِّي لتوديع المسافرين"(43)، وتبعه الفيروزآبادي.
هذا القولُ يؤيِّده ما أخرجَه ابنُ شبَّة في (تاريخ المدينة) تحت عنوان (ما جاء في ثنية الوداع وسبب ما سُمِّيت به)، بسنده عن جابر t: قال: كان لا يدخل المدينة أحَدٌ إلا عن طريق واحدٍ من ثنية الوَداع، فإن لم يعشَّر بها، ماتَ قبل أن يخرج منها. فإذا وقفَ على الثنيةِ، قيل: قد ودَّع، فسميتْ ثنيةَ الوداع، حتى قدم عروةُ بن الورْد العبسيُّ، فقيل له: عشِّر بها، فلم يعشِّر، ثم أنشأ يقول:
لعمري لئن عشَّرتُ من خشيةِ الرَّدَى ** نهاقَ الحَميرِ إنني لجَزُوعُ
ثم دخل، فقال: يا معشر اليهود، ما لكم وللتعشير؟ قالوا: إنه لا يدخلها أحد من غير أهلها فلم يعشر بها إلا مات، ولا يدخلها أحد من غير ثنية الوداع إلا قتله الهزال. فلما ترك عروة التعشير تركه الناس، ودخلوا من كل ناحية(44).
محمد شُرَّاب في (معالمه) يذهب إلى تضعيف رواية التعْشيرِ هذه، ويقول: "إنّ رواية وضع هذا الاسم (ثنية الوداع) في الجاهلية، ساقطة، لأنها مريضَةُ المتن والسند، وليس لها ما يقوّيها، ولم يرد هذا اللفظُ في نصٍّ شعريٍّ جاهلي، أو روايةٍ موثوقة. فإذا قيل: إنّ أنشودة (طلع البدر علينا) ورد فيها اسمُ ثنيات الوداع، وهي في بداية الهجرة، ولو لم يكن المكان معروفا لما ذكره صبيان المدينة. أقول: إن سندَ ومتن النشيدِ، لا يصمُدُ أمامَ الروايات الأقوى منه"(45).



القول الآخر: إنه اسمٌ إسلامي، وأنها سميَتْ عقِبَ توديع النساء، في غزوة تبوك، لما روي عن جابر بن عبدالله، t، قال: إنما سميت (ثنية الوداع)، لأن رسول الله r أقبلَ من خيبر ومعه المسلمون، قد نكَحُوا النساء نكاح المتعة، فلما كان بالمدينة قال لهم: دَعُوا ما في أيديكم من نسَاء المتعة. فأرسلوهن، فسميت (ثنية الوداع)(46). وعن القاضي عياض: سميت بذلك لتوديع النساء اللاتي استمتعُوا بهنَّ عند رجُوعِهم من خيبر(47). قال شرَّاب: "الرواياتُ التي تذكر أن الاسْمَ إسلاميٌ، كثيرةٌ وموثوقة ... وإذا ثبتَ أن الاسمَ إسلاميٌ، يسقطُ الاستشهاد بنشيد (طلع البدر) على أنه قيلَ في بداية الهجرة النبوية"(48).
قُرْبَ هذه الثنية كانت منازلُ أشجع بني قيس عيلان، القبيلة المعروفة؛ فقد أخرج ابن شبة في (أخبار المدينة) أن أشجعَ نزلت الشعب الذي يقال له شعب أشجع، وهو ما بين سائلة أشجع، إلى ثنية الوداع، إلى جوف شعب سلع. وخرج إليهم النبي r بأحمال التمر فنثره لهم(49). وأخرج البخاري في (صحيحه)، ضمن أخبار الفتن وعلامات آخر الزمان، أنه عند ثنية الوداع يموت آخر من يموت وآخر من يحشر من البشر، عن أبي هريرة t، قال: سمعتُ رسول الله r يقول: "يتركون المدينةَ على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العواف، (يريد عوافي السباع والطير)، وآخر من يُحشَر راعيانِ من مزينة يريدان المدينة ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشاً، حتى إذا بلغا ثنيةَ الوداع، خرَّا على وجُوههما"(50).
وحول ما جرى من إزالة لهذه الثنية، وعن ضرورة الحفاظ على موقعها بتسميته التاريخية، يتحدث عبدالعزيز كعكي، قائلا: "يعتبر جبل ثنية الوداع من المعالم المهمة في المدينة المنورة، حيث تمثل الحدود الشمالية لمنطقة المناخة، كما لعب هذا الجبل الدور المهم والبارز في المحافظة على موقع ثنية الوداع وحمايتها من الاندثار نتيجة للتغيرات والمستجدات المتتابعة التي تخضع لها المدينة بشكل عام، فكان وجود هذا الجبل بمثابة [هكذا] البرهان الصادق، والدليل الواضح لموقع هذه الثنية التاريخية، التي ارتبطت أحداثها بتاريخ المدينة المنورة.
وبما أنه أزيل هذا الجبل في عام 1406هـ/ 1986م، لضروريات التخطيط والتطوير التي تشهدها المنطقة، فقد أصبح موقعُ هذه الثنية يخْشَى عليه من الضياع، فحبَّذا لو يحافَظُ على ما تبقَّى من أرضِ هذه الثنية لبقاءِ موقع هذا المعلم المهم. وقد سعدت كثيراً عندما أفادني أحدُ الزملاء بأن أمين المدينة المنورة قد أصدر توجيهاته بالبحث عن موقع قريب من ثنية الوداع، لبناء مسجد آخر يسمى بنفس الاسم السابق [هكذا]، هدفه المحافظة على موقع هذا المعلم المهم!. وحيث إن هناك زوائد وبعض المساحات الباقية من موقع الجبل السابق، فحبذا لو كانت هذه المساحة موقعاً للمسجد الجديد، ليؤكد الموقع الحقيقي لثنية الوداع"(51).




الهوامش:
1-    ياقوت الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان، جـ2 (بيروت: دار الفكر، د.ت)، 86.
2-    الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، تحقيق: طارق عوض الله، جـ1 (القاهرة: دار الحرمين، 1415هـ/ 1995م)، 287.
3-    البيهقي، أحمد بن الحسين، دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، تحقيق: عبدالمعطي قلعجي، ط2، جـ5 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1423هـ/2002م)، 266، وجـ2، 506.
4-    شراب، محمد محمد حسن، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة (دمشق: دار القلم، د.ت)، 67.
5-     ياقوت، جـ2، 86. الفيروزآبادي في (المغانم) تعقب ياقوت في قوله عن الثنية الجنوبية: "يطؤها من يريد مكة"، بقوله: "قال أهل السير والتاريخ وأصحابُ المسَالك: إنها من جهة مكة، وأهل المدينة اليوم يظنونها من جهة الشام، وكأنهم اعتمدوا قول ابن قيم الجوزية في (هَدْيه)، فإنه قال: من جهة الشام ثنياتُ الوداع، ولا يطؤها القادمُ من مكة البتَّة. ووجْهُ الجمع: أن كلتا الثنيتين تسمى ثنيات الوداع". ينظر: الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، المغانم المطابة في معالم طابة، جـ2 (المدينة المنورة: مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، 1423هـ/ 2002م)، 707-708.
6-    البكري، عبدالله بن عبدالعزيز، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، تحقيق: مصطفى السقا، ط3، جـ4 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1366هـ/1945م)، 1372.
7-    السمهودي، علي بن عبدالله، وفاء الوفا بأخبَار دار المصطفى، تحقيق: قاسم السامرائي، جـ4 (لندن: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 1422هـ/ 2001م)، 199، 461.
8- الأنصاري، عبدالقدوس، آثار المدينة المنورة، ط3، (المدينة المنورة: المكتبة السلفية، 1393هـ/ 1973م)،159.
9-    الأنصاري، 160.
10-                   الجهني، فهد، ثنية الوداع لتوديع واستقبال المسافرين، صحيفة المدينة، العدد 16511، 4 رجب 1429هـ/ 2 يوليو 2008م.
11-                   الأنصاري، 160. وقال: "يوافقنا العباسي في (تاريخه) للمدينة على هذا الرأي".
12-                   ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، تحقيق إحسان عباس، جـ1  (بيروت، دار صادر، 1968م)، 233.
13-                   الأمين، أحمد، باحث يحدد موضع ثنيات الوداع بجنوب غرب قباء ويستدل برواية طلع البدر علينا، صحيفة المدينة، العدد الصادر بتاريخ: 29/10/2010م.
14-                   منهم سليمان الرحيلي، عميد كلية الآداب بجامعة طيبة. ينظر: الأمين، أحمد، المصدر السابق.
15-                   البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، ط3، تحقيق: مصطفى ديب البغا، جـ6 (بيروت: دار ابن كثير، اليمامة، 1407هـ/ 1987م)، كتاب المغازي، باب غزوة تبوك، 10.
16-                   البيهقي، جـ5، 265.
17-                   الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، ط2، جـ7 (الموصل: مكتبة العلوم والحكم، 1404هـ/1995م)، 28، حديث 6278؛ البيهقي، جـ4، 187.
18-                   أبويعلى، أحمد بن علي الموصلي التميمي، مسند أبي يعلى، تحقيق حسين سليم أسد، جـ11 (دمشق، دار المأمون للتراث، 1404هـ/ 1984م)، 503، حديث 6625.
19-                   ابن هشام، عبدالملك بن هشام، السيرة النبوية، تحقيق طه عبدالرءوف سعد، جـ5 (بيروت، دار الجيل، 1411هـ/ 1991م)، 199.
20-                   ابن هشام، جـ5، 199.
21-                   شرّاب، 68.
22-                   ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر، زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق: شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، ط27، جـ3 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1415هـ/1994م)، 551.
23-                   شرّاب، 69.
24-                   البخاري، جـ1، 162؛ المؤلف السابق، جـ3، 1052.
25-                   شراب، 69.
26-                   شراب، 69.
27-                   السمهودي، جـ4، 196.
28-                   السمهودي، جـ4، 198؛ الخياري، أحمد ياسين، تاريخ معالم المدينة المنورة قديما وحديثاً، (الطبعة السادسة، د.ن، 1424هـ/ 2003م)، 217.
29-                   السمهودي، جـ4، 196.
30-                   الأنصاري، 160.
31-                   العباسي، 283.
32-                   العباسي، 283-284، الهامش. وهذه العبارة نفسها، نقلها عبدالقدوس عن تعليقات المرحوم ابراهيم فقيه، ينظر: الأنصاري، 159، هامش 2.
33-                   ابن موسى، علي بن موسى، وصف المدينة المنورة (رسائل في تاريخ المدينة)، جمع وتقديم: حمد الجاسر (الرياض: دار اليمامة للبحث والترجمة، د.ت)، 16، 18، 20.
34-                   ابن موسى، 47.
35-                   الخياري، 217.
36-                   البلادي، عاتق بن غيث، معجم المعالم الجغرافية في السنة النبوية (مكة المكرمة: دار مكة، 1402هـ/ 1982م)، 246؛  البلادي، عاتق بن غيث، معجم معالم الحجاز، جـ2 (مكة المكرمة: دار مكة، 1399هـ/ 1979م)، 94.
37-                   شراب، 67.
38-                   الخياري، 217، هامش 2.
39-                   كعكي، عبدالعزيز بن عبدالرحمن، معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ، جـ1 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1419هـ/ 1998م)، 283.
40-                   ياقوت، جـ2، 86؛ الفيروزآبادي، جـ2، 707.
41-                   الفيروزآبادي، جـ2، 707.
42-                   الفيروزآبادي، جـ2، 707.
43-                   ياقوت، جـ2، 86.
44-                   ابن شبة، عمر بن شبة، تاريـخ المدينة المنورة، تحقيق: فهيم شلتوت، جـ1 (المدينة المنورة: حبيب محمود أحمد، د.ت)، 269.
45-                   شراب، 68.
46-                   ابن شبة، جـ1، 269.
47-                   السمهودي، جـ2، 275.
48-                   شراب، 69.
49-                   ابن شبة، جـ1، 162.
50-                   البخاري، جـ3، 27.
51-                   كعكي، 284-285.
محمد باذيب

الأربعاء، 7 يونيو 2017

نبذة عن حياة الشيخ محمد بن أبي بكر باعشن (1337-1438هـ) رحمه الله


نبذة عن حياة الشيخ محمد بن أبي بكر باعشن
(1337-1438هـ)
بقلم تلميذه
محمد أبوبكر عبدالله باذيب[1]




الحمدلله حقَّ حمدِه، والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد رسُول الله وعبدِه، وعلى آله وصَحبِه ومن اقتفى أثره واستنَّ بسُنَّته من بعدِه. أما بعدُ؛ فهذه سطورٌ في التعريف برجُلٍ من أهل الله الصالحين، ممن اشتهرر صلاحه بين العام والخاص، لا يتنازع في ذلك اثنان. رجُل كان مبتعداً كل الابتعاد عن الشهرة والظهور،، دافناً نفسه في أرض الخمول، ولكن أبى الله إلا أن يظهر شأن محبوبيه، فكان يوم موته يوماً مشهوداً، خرج الناس لتشييعه زرافات ووحداناً، حتى ازدحمت بهم الطرقات، وضاقت بهم جنبات الشوارع الفسيحات.



ذلك الرجل الصالح، هو الشيخ الفقيه محمد بن أبي بكر باعشن، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وقد كنت أتهيب الكتابة عنه، وأتحاشى ذلك، حتى ألحَّ علي بعض الفضلاء، وذكَّروني بواجبِ تعريف الأمة بسيرة رجل صالح، لعل الله أن ينفع بها من يقرأها، وأنه لو ترك الناس تدوين أخبار الرجال الأعلام، لفُقد علمٌ كثير. فعدتُ إلى مقيداتي، وتسجيلاتي، فجمعتها، ولخصتها، وهذبتها، فجاءت هذه الخلاصة كما يرى القارئ الكريم.
وقد استأذنت ابنه الأستاذ حسين في الكتابة عنه، قياماً بحقه، وتلبية لرغبة ملحة من أستاذنا القدير علي بن سعيد باعشن، مدير فلاح جدة الابتدائية الأسبق، وغيره من محبي الفقيد، وقد راجع هذه الترجمة الأستاذ حسين، المذكور، وأمدني ببعض المعلومات التي تكملها، فجزاه الله عن أبيه خير الجزاء. وفي الحقيقة إن واجب الشيخ على محبيه كبير، ولست الوحيد ممن جالسه وقرأ عليه، بل هناك كثيرون، ولعلهم سمعوا منه ما لم أسمع، فمن اطلع على هذه السطور، ووجد فيها قصوراً أو نقصاً فليبادر إلى التنبيه والاستدراك، وحسبي أني كتبت ما سمعته من الشيخ، فقد كنت أسأله في كل مرة ألقاه، وأكرر عليه بعض الأسئلة حتى أتيقن من صحة المعلومات التي كتبتها عنه فيما سبق.
(1)
اسمُه ونسبه: محمد بن أبي بكر بن بن عبدالله بن أبي بكر بن عبدالله ابن الشيخ العلامة الفقيه الإمام سعيد (ت 1270هـ) بن محمد بن علي باعشن. الفقيه الشافعي المذهب، العالم الصالح، المربي المحتسب الناصح. أخبرني رحمه الله أن جده الثالث، الشيخ عبدالله بن بن الشيخ سعيد، خلف أربعة أولاد: أبوبكر (الجد الثانيي لشيخنا)، وعلي (والد محمد صالح التاجر، وعبدالرحمن)، وصالح (والد محمد بن صالح، المخرِّج)، وأحمدد (لم يعقب).
قال رحمه الله: «محمد صالح باعشن اثنان: 1- محمد بن صالح بن عبدالله باعشن، المخرِّج، كان ضريراً. 2- محمد صالح بن علي باعشن، تاجر الشاهي، هذا له «مذكّرات». وهو والد التاجر أحمد بن محمد صالح».
مولده: ولد في بضة سنة 1337هـ، كما أخبرني ابنه حسين، حفظه الله. وهو بكر أبيه، وبقية إخوته هم المشايخ الفضلاء أحمد (رحمه الله)، وعبود، وعمر، وأخت واحدة. وأخوالهم من بيت المعجاء العمودي، من أهل بضة. وقد تزوج منهم. وله من الأبناء عبدالله (مات صغيراً، جعله الله نافعاً)، وحسين، حفظه الله، وأربع بنات.
موجز حياته: قدم إلى جدة وهو في نحو العاشرة من عمره، أي سنة 1350هـ تقريباً، والتحق بمدارس الفلاح، وأدخل بعد اختباره إلى صف متقدم، وواصل الدراسة بها حتى تخرج من الصف العالي، الذي كان يسمى الكفاءة.
كان مدير الفلاح وقتها الشيخ حسين عبدالقادر مطر (ت 1360هـ)، وهو معدود في أساتذته. كما درس على يدَي كل من: الشيخ عمر بكر حِفْني. والشيخ عبدالوهاب نشَّار، الثلاثة تولوا إدارة المدرسة على التوالي. ومن مقروءاته في الفلاح: متن «أبي شجاع» مع شرحه «ابن قاسم». ومتن «الجوهرة»، ثم متن كتاب «التوحيد». وكتاب «نور اليقين» للخضري، في السيرة النبوية. بالإضافة إلى مختارات من الحديث النبوي.
كما انتفع بالسيد العلامة القاضي محمد المرزوقي أبوحسين المكي (ت 1365هـ)، حضر دروسه بمسجد عكّاش، وكان السيد المرزوقي تولى القضاء في جدة مدة من الزمن، وطُلِب للتدريس في الفلاح. ومنهم الشيخ فيصل بن عبدالعزيز المبارك (ت 1376هـ) درس عليه كتاب «التوحيد».



كانت مدة دراسته في الفلاح حوالي خمس سنوات، فتخرج سنة 1357هـ، وكان الأول على دفعة الخريجين في تلك السنة. مكث في جدة بعد تخرجه بضع سنوات، غادر بعدها إلى حضرموت، حوالي سنة 1360هـ أو التي تليها لزيارة الأهل والأقارب ومعاهد الصبا ومسقط الرأس. ثم قصد مدينة العلم تريم الغناء، وأدرك بها عدداً من أهل العلم والفضل، أشهرهم شيخ رباط العلم، الحبيب العلامة عبدالله بن عمر الشاطري (ت 1361هـ)، أدركه أواخر عمره، ولم يطل مكثه في تريم، بل عاد إلى دوعن بعد قضاء أربه.
وفي تلك الأثناء، اتفق حدوث المجاعة الشهيرة، وانقطعت المواصلات من وإلى حضرموت مدة طويلة، ولم يتمكن من السفر والعودة إلى جدة إلا أواخر الستينات. وفي مدة جلوسه في حضرموت، قام بالتدريس في مدرسة القويرة إلى جانب الشيخ العالم الصالح سالم بن حسن بلخير (ت بجدة 1407هـ). وسار إلى عدن، وعمل بها لبرهة من الزمن، وكان من أصدقائه بها، السيد العلامة أحمد بن علوي الحداد، كما أخبرني بعض أحفاده.
في عام 1367هـ أو العام الذي بعده، رجع المترجم إلى جدة، واستقر بها من ذلك الحين وحتى وفاته، ولم يعد بعدها إلى حضرموت. وعمل في عدة أعمال تجارية، وأطول مدة قضاها كانت في شركة قريبه الشيخ أحمدد بن محمد صالح باعشن، في تجارة الشاي.
ونظراً لسكناه في منطقة جدة القديمة، فقد تسنى للمترجم الحضور على الشيخ العلامة علي سالم العميري في مسجد زاوية الحضارم، الكائنة في سوق الندى، فحضر دروسه في كتابه «دليل الطريق»، وانتفع به. كما تردد على دروس الشيخ محمد حسين الفقيه في مسجد عكَّاش، بشارع قابل، وكذلك الشيخ القاضي المرزوقي أبوحسين، كما سبق.
ومما سمعته منه: بعد صلاة الجمعة 3 ذي القعدة 1432هـ، وهو يذكر بعض معارفه وأصدقائه، من آل باديب: الشيخ سعيد باديب، أولاده ثلاثة: أكبرهم محمد، العطَّار في سوق الجامع. وعبدالقادر، وسالم. عبدالقادر كان صديقي في مدرسة الفلاح، وكان صوته جميلاً، وكان أستاذنا الأزهري محمد سرحان، وهوو مقرئ المدرسة، يطلب منه أن يقرأ في حصص القرآن، ويعجب بصوته. وأما أخوه سالم باديب، فكان يسكنن البغدادية، وسبب موته أن ثوبه علق في سيارة، وسحبته، فمات».

تدريسُه و إمامته في مسجد بن ملُّوح
كان الشيخ رحمه الله يلقي دروساً للمصلين في مسجد زاوية الهنود، المعروف بمسجد الحنفي. وكانت دروسه بعد الظهر غالباً. ثم في مسجد بن ملُّوح (الكيلو 1)  كان يلقي دروساً بعد الصلوات، عبارة عن مواعظ مختصرة، لا يطيل فيها. ويحضر عنده بعض طلبة العلم، إلا أنه لم يكن يعقد حلقة للتدريس، بل يكتفي بالقراءة اليسيرة عقب صلاة العصر غالباً، ولاسيما في شهر رمضان المبارك.
وأما إمامته: فأخبرني رحمه الله، أن مسجده هذا، بناه رجلٌ من أهل الرياض، يقال له ابن مَلُّوح، سنة 1369هـ، كان من خواص رجال الملك عبدالعزيز. وهو صاحب السوق المجاور للمسجد. قال الشيخ: «لو كان بن ملُّوح يعلم أن المسجد سوف يزدحم بالمصلين لجعله مكانَ السوق». وأخبرني أنه عيِّن إماماً من جهة الأوقاف في سنة 1400هـ، أي بحسب التعيين الرسمي، وإلا فقد كان يؤم المصلين قبل ذلك التاريخ بسنوات. ثم جدد سنة 1431هـ، على يد فاعلي خير، وعمر عمارة متقنة، تقبل الله من الجميع.
شيوخه
(1) شيوخه في جدة ومكة:
قال رحمه الله: «أنا إنما طلبت العلم في الحجاز، وأخذت عن شيوخ حضرموت بعد عودتي إليها، ولكن تفقهي وتعليمي كان في فلاح جدة»، أو قريباً من ذلك.
1- فمن أوائل شيوخه وأساتذته بجدة، مدير مدارس الفلاح، الشيخ حسين عبدالقادر مطر (ت 1360هـ).
2- الشيخ عمر بكر حِفْني، وقد تولى إدارة فلاح جدة.
3- الشيخ عبدالوهاب نشَّار، درس عليه السيرة النبوية في كتاب «نور اليقين» للخضري، ومتن «أبي شجاع» مع شرحه «ابن قاسم».
4- السيد محمد المرزوقي أبوحسين، كان قاضياً بجدة، وله دروس في مسجد عكَّاش.
5- الشيخ المقرئ أحمد بن محمد الزهرة الدمياطي، المتوفى بالمدينة المنورة سنة 1364هـ، أخذ عنه في مسجد الشافعي بجدة.
6- الشيخ محمد حسين الفقيه، إمام مسجد عكَّاش، المتوفى بجدة سنة 1355هـ. صاحب المؤلفات المعروفة.
7- الشيخ سالم محمد أشرم (1327-1407هـ)، كان أستاذ مادة القرآن الكريم من الابتدائي إلى الكفاءة. قبل أن يتولى إدارة المدرسة الابتدائية، بعد تقسيمها. توفي بتاريخ 22 صفر 1407هـ، عن 80 عاماً.
8- الشيخ علي بن سالم العميري، المتوفى حوالي سنة 1375هـ، أخذ عنه، وقرأ عليه في كتابه «دليل الطريق» في زاوية الحضارم بين العشاءين، قال فيه: «نعم الرجل».
9- الشيخ المقرئ محمد سرحان (والد حسين سرحان، الأديب).
10- الشيخ فيصل المبارك، كان محتسباً في هيئة الأمر بالمعروف بجدة، درس في الفلاح، تلقى عليه شيخنا «كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد»، ثم خلفه ابنه عبدالعزيز المبارك. قال شيخنا: «وكنا قد درسنا قبل كتاب التوحيد متن «الجوهرة» للعلامة اللقَّاني».
11- السيد العلامة علوي بن عباس المالكي، المتوفى بمكة سنة 1392هـ، حج معه في بعض السنوات، وحضر بعض مجالسه، وله منه إجازة.
12- وأخبرني أنه التقى بالسيد المسند الرحَّالة سالم ابن جندان، وهو من علماء إندونيسيا لما قدم للحج، ولعل ذلك سنة 1378هـ، ونال منه الإجازة العامة في مروياته.
13- الشيخ العلامة محمد المختار الشنقيطي (ت 1405هـ) شارح سنن النسائي، لقيه في جدة، وكان مدرساً في مدارس الفلاح لعدة سنوات، لقيه شيخنا انتفع بدروسه ومجالسه، وله منه إجازة عامة.
(2) شيوخه في حضرموت ودوعن:
14-  السيد الحبيب عمر بن جعفر بن محمد بن حسين العطاس، أخذ عنه في بضة، كان إمام مسجد النور بها. توفي أول عهد الشيوعية بعدما سمع بأخبار السحل، حوالي سنة 1394هـ. حضر مجالسه وله منه إجازة.
15- السيد الحبيب حسين بن حامد العطاس، الملقب جبريل (ت 1367هـ)، من أهل بضة. حضر مجالسه وله منه إجازة.
16- السيد الحبيب أحمد بن عبدالله خرد (ت 1407هـ)، من أهل بلده بضة، كان إمام جامع الشيخ محمد بن عثمان. حضر مجالسه وله منه إجازة.
17- وممن استفاد منهم السيد القاضي محمد بن سالم بن هود العطاس، كان قاضيا في محكمة شرق بالخريبة. حضرنا مجالس معه، قال الشيخ: وهو صاحب المقولة الشهيرة: (من بغَى الحرْفُوف يركُض له)، وذلك أنه كان يخرج صبيحةَ كل يوم من بيته في بضة، إلى مقر عمله في الخريبة، فإذا قيل له: إلى أين ياحبيب محمد؟. فيجيبهم بتلك المقولة.
18- أدرك الحبيب عمر بن طاهر الحداد، منصب قيدون، المتوفى بها سنة 1359هـ، وله منه إجازة.
19- الحبيب المعمَّر مصطفى المحضار، المتوفى بالقويرة سنة 1374هـ، حضر مجالسه وله منه إجازة.
20- الحبيب الأديب علوي بن محمد المحضار، المتوفى بالقويرة سنة 1378هـ، حضر مجالسه وله منه إجازة.
21- الحبيب العلامة عبدالله بن عمر الشاطري، المتوفى سنة 1361هـ، أخذ عنه بتريم.
أخذي عنه: أجازني مرات متعددة، وقرأت عليه، قراءة درس وتحقيق، باب الصيام من كتاب «مواهب الديان» لجده الأعلى الشيخ سعيد باعشن، في مسجده ، ابتدأت فيه عشية الثلاثاء 5 رمضان 1425هـ، وختمت الباب عشية الأربعاء 20 رمضان من العام نفسه. كما سمعت عليه بعض «رياض الصالحين»، وقرأت عليه «ثلاثيات البخاري» أكثر من مرّة، وقرأت وسمعت عليه أجزاء من بعض المتون كمتن «السفينة»، ومنظومة «الزُّبَد»، وغيرها. وزاره معي عدد من طلبة العلم والمشايخ، وأجازهم.
صفات الشيخ ومزاياه
أجيال تلو أجيال، عرفت الشيخ محمد باعشن، إماماً وخطيباً في مسجد طريق مكة، كان رحمه الله جهوري الصوت، ذا نغمة محببة في القراءة، يتلو كتاب الله على طريقة وأداء قراء حضرموت، وكان كثيرون يقصدون مسجده للتلذذ بسماع تلك النغمة الجميلة، التي تسلب العقول. وكان صاحب خشوع وحضور قوي في الصلاة.

وكان رحمه الله يطرز خطبه ومجالسه بمواعظ مفيدة، خصوصاً توجيهاته الفقهية للمصلين، فكانت خطبه الجمعية عبارة عن دروس فقهية مكثفة، ولا يترك مناسبة دينية سنوية إلا ويذكر الناس بأحكامها وفضائلها. ولا ينسى المصلون خلفه تنبيهه على أمور مهمة يخل بها بعض المصلين قد تؤدي إلى بطلان صلاتهم. فما كان أحرصه على صحة عبادة وصلاة من يأتم به، لله دره من رجل كان يحب الخير للناس كلهم.
وكان رحمه الله صريحاً، لا يحابي ولا يداهن، ولا يخشى في الله لومة لائم. وكان مشهوراً بتمسكه بمعتمد مذهب إمامه الشافعي رحمه الله، فكان لا يترك الجهر بالبسملة، ولا القنوت في صلاة الفجر، ومن المواقف الطريفة التي يذكرها ملازمو مسجده، أن شخصاً محتسباً أتاه يوماً إلى المسجد، وكلمه أمام الناس عن إصراره على الجهر بالبسملة على خلاف السائد في مساجد جدة، فما كان منه إلا أن أجابه بجواب مسكت، ولم يعد الرجل بعدها إلى الإنكار.
وكان كثيراً ما يرشد الناس إلى العمل بالسنة، ويعنف من يراه متهاوناً بها، فكان إذا ختم خطبته، وهمَّ بالنزول من على المنبر، يهبُّ بعض الناس وقوفاً استعداداًَ للصلاة، فكان يعنفهم، ويقول لهم: قد خالفتم السنة. لا تقوموا إلا بعد إقامة الصلاة، اتركوا العجلة.
من أهم مزاياه رحمه الله، عصاميته، وشدة شكيمته، وقيامه في كل شئونه الخاصة بنفسه، فكان الناس إذا رأوه في الطريق حاملاً شيئاً من أغراضه الخاصه يتسابقون الى حملها عنه، فيرفض البتة، ولا يمكن أحداً من حمل شيء مهما كان وزنه. كما كان يربي غنيمات في حوش منزله، يشرب من لبنها، ويأكل لحمها، ولا يشتري ذلك من السوق على الإطلاق.



وكان يواسي أقاربه وذويه، ويراسل من بعد منهم ويتفقد أحوالهم.
وكان يحج كل سنة الى أواخر عمره، سيراً على قدميه، يطلع الى عرفات في اليوم التاسع صائماً، ويفطر في عرفات، ثم يكمل حجه منفرداً، ولا يتقيد بحملات الحج، وربما يرافقه بعض جيران مسجده في بعض السنوات، ولم يتوقف عن الحج إلا في سنوات قليلة قبيل وفاته، بسبب إصابة في رجله، منعته من كثرة المشي.
وكان رحمه الله شديد التواضع، كثير الشفقة على المساكين والفقراء. زاهداً في الدنيا ومتاعها، متقللا منها الى الغاية، مع أنه من بيت يسار ولو شاء لسكن أفخم القصور، وركب أفره المراكيب، ولكنه كان من العباد الفطنا، الذين طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا. كان قدوة في كل شئونه، وقد أتعب من بعده، رحمه الله.
وفاته
لم ينفك شيخنا، رحمه الله تعالى، عن ملازمة مسجده، وما كانت تفوته فيه فريضة واحدة طيلة عقود من الزمن، فضرب بذلك أروع الأمثلة، وأرفعها. فكأنه حمامة لا تبرح المسجد، لا يراه الناس إلا ماشياً من أو إلى المسجد. وإذا دخل بيت الله اشتغل بالذكر والتلاوة والإقبال على الله، وقلَّما يتكلم مع الناس في الشئون العامة. متباعداً عن كل ما يشغله عن عبادته وتوجهه. وفي يوم وفاته، فجر يوم الأحد، الثامن من شهر رمضان المبارك سنة 1438هـ، خرج من بيته بعد أن تسحَّر وأمسكَ، يسير إلى المسجد كعادته، قبيل الأذان، وعندما حاذى المسجد، وأراد أن يقطع الشارع (طريق مكة النازل)، إذا بسائق متهور كان يقود سيارته بسرعة كبيرة، ولم يتنبه لمرور الشيخ وقطعه الشارع، فكان ذلك الحادث الأليم، الذي أردى ذلك الشيخ الصالح، ولم يتحمل جسده النحيل تلك الصدمة القوية، ففاضت روحه في حينها إلى بارئها، ولقي ربه متطهراً صائماً مقبلاً على العبادة، ماشياً إلى بيت من بيوت الله، فيالها من خاتمة حسنة. وكان قد صلى بالناس العشاء والتراويح كاملة في تلك الليلة. وكان المصلون قد سمعوه فيما مضى من الليالي يكرر عليهم حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه». فنرجو أنه قد نالته تلك الفرحتان، ففرح بصومه، وفرح بلقاء ربه. رحمه الله تعالى رحمة واسعة.



أقيمت صلاة الجنازة في مسجده، بعد صلاة العصر، وازدحم الناس للصلاة عليه، واكتظت بهم الشوارع والأماكن المحيطة بالمسجد، وتعطلت حركة المرور. وشيعت الجنازة وسار الناس بها على أكتافهم إلى مقبرة حواء الشهيرة، وكانت جنازة خفيفة، ولم يشعر الناس وهم صائمون بأدنى تعب أو عطش، مع بُعدِ المقبرة عن المسْجد، وأقيمَت صلاةٌ ثانية على الجنازة خارج المقبرة، ثم صلاةٌ ثالثة داخل المقبرة. لقد كان مشهد التشييع مهيباً، لم تشهد مدينة جدة له مثيلاً، وسُمِع بكاءُ الناس عليه أثناء الصلاة والتشييع، فسبحان من وضع المحبة والقبول لأحبابه في قلوب عباده.
أصداء نبأ الوفاة
لم يكد خبر وفاة الشيخ يسري، إلا وانتشرت كتابات كثيرة بأقلام متنوعة، ممن عرفه ومن لم يعرفه، وخصوصاً بعد انتشار بعض الصور التي التقطت له في أواخر أيامه، وقد انحنى ظهره، ونحل عظمه، ودق جسمه، ويرى على تلك الهيئة ماشياً الى المسجد، من غير قائد يقوده، أو مرافق يرافقه. فتأثر الناس كثيراً، وكانت عبرة لمن يعتبر بأحوال الصالحين.



وتوافد الناس للعزاء من شتى الجهات، وتلقت أسرة الفقيد التعازي ممن حضر العزاء، كما اتصل بهم وعزاهم في فقيدهم صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة، ومما قاله لابنه حسين في تعزيته: إن والدكم ممن نعتز بهم، ونفتخر بأمثالهم. بل وأصر نائب أمير مكة، سمو الأمير عبدالله بن بندر بن عبدالعزيز، بنفسه على الحضور شخصياً، لأداء واجب العزاء، فلهم جميعاً ولكل من واسى، من ذوي الفقيد ومحبيه، خالص الشكر على هذه المواساة، وتقبل الفقيد في الصالحين، وغفر لنا أجمعين.

ومما قيدته عنه من الفوائد
* قال رحمه الله: «أوقات استجابة دعاء الصائم كما ورد في الأحاديث: وقتان. الأول: (حين يفطر)، أي: وقتَ الإفطار، وهو المشهور في الروايات. والثاني: (حتَّى يفطر)، كما في بعض الروايات، أي أن وقت الإمساك كله وقت إجابة الدعاء».
* قال رحمه الله: «قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، لم يقل (من)، لأنها تبعيضية، وهي مقامٌ كبير، يعجز عن الوصول إليه أكثر الناس، ولكنه تعالى إنما قال (مع)، لأن المعية متيسرة، وقد ينالها من وفقه الله لها».

ختاماً، هذا جهدُ المقل
والله المسئول أن يتغمد شيخنا الجليل بواسع رحمته، وأن يتجاوز عنه بمنه وفضله
أحسن الله العزاء فيه، وخلفه بخلف صالح في أهله ومحبيه
والله المستعان، وعليه التكلان، ولا بلاغ إلا بالله
والحمدلله أولاً وآخراً

* * *



[1] دكتوراة في أصول الدين (Theology) من جامعة عليكرة الإسلامية بالهند، وأستاذ العقيدة الإسلامية بجامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية بإسطنبول سابقاً، وباحث في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة، مؤسسة الفرقان.

الاثنين، 29 مايو 2017

تنبيه على نص ساقط في (وفاء الوفا) للسمهودي طبعة مؤسسة الفرقان، تحقيق: د. قاسم السامرائي

تنبيه على نص ساقط في (وفاء الوفا) للسمهودي
طبعة مؤسسة الفرقان، تحقيق: د. قاسم السامرائي

قبر ومشهد سعد بن معاذ الأشهلي، رضي الله عنه
أثناء تحريري مقالاً حول موضع قبر السيدة فاطمة بنت أسد، رضي الله عنها، والخلاف الحاصل بين المؤرخين والرحالة، في كون القبر الذي كان ينسب إليها في أقصى البقيع، إنما هو قبر سعد بن معاذ الأشهلي، رضي الله عنه. فنقل السمهودي عن ابن شبة: أنه أصيب يوم الخندق، فدعا فحبس الله عنه الدم، حتى حكم في بني قريظة، ثم انفجر كله؛ فمات في منزله في بني عبد الأشهل، فصلى عليه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، ودفنه في طرف الزقاق، الذي بلزق دار المقداد بن الأسود، وهي الدار التي يقال لها (دار ابن أفلح) في أقصى البقيع عليها جنبذة، انتهى كلام ابن شبة (جـ1، ص 125).
عقب عليه السمهودي قائلاً: "هذا الوصف صادقٌ بالمشهد المنسوب لفاطمة بنت أسد؛ لكونه بطرف زقاق في أقصى البقيع: وفي شرقيه ناحية بني ظفر وبني عبد الأشهل، فلعله قبره، ولكن وقع الاشتباه في نسبته لفاطمة، رضي الله تعالى عنها، لما قدمناه في قبرها".

الملاحظة:
كلام السمهودي هذا، موجود في طبعة (وفاء الوفا) بتحقيق الشيخ محيي الدين عبدالحميد، الصادرة 1374ه/ 1955م (جـ3، ص 915)، والطبعات الأخرى المصورة عنها. لكنه سقط من طبعة الفرقان التي بتحقيق قاسم السامرائي، فليعلم، ومحله منها في (جـ3، 299).

كتبه محمد باذيب
الاثنين 3 رمضان 1438هـ

الثلاثاء، 24 يناير 2017

التنبيه على إشكال تاريخي في مطبوعة كتاب (أخبار مكة) للفاكهي وأنه لم يكن لخالد بن الوليد، رضي الله عنه، دار بمكة

التنبيه على إشكال تاريخي في مطبوعة كتاب (أخبار مكة) للفاكهي
وأنه لم يكن لخالد بن الوليد، رضي الله عنه، دار بمكة
والثابت عند المؤرخين أن داره كانت بالمدينة

بقلم/ د. محمد أبوبكر باذيب

دار تاريخية لخالد بن الوليد، رضي الله عنه، ذكرت في (أخبار مكة) للفاكهي (ت نحو 280هـ/ 893م) مما يشعر أنها كانت بمكة المكرمة، وأنها كانت تقع ضمن رباع بني سهم بن عمرو بن هصيص(1). وهذا نص كلامه: "ولهم [أي: بني سهم بن عمرو] دارُ قيسِ بن عدي، جدِّ ابن الزِّبَعْرَى. وهي الدارُ التي كانت اتُّخِذت متوضَّياتٍ، ثم صارت ليعقوب بن داود المطبّقي، ثم صارت لزبيدة. وكان يقال لها: دار أيوب، وكان أيوبُ قيماً عليها. وهو رجل من بني سهم. ويقالُ: إن هذه الدارَ كانت لخالد بن الوليد، رضي الله عنه"(2). ما تقدم عن الفاكهي، يخالف المشهور من أن دار خالد، t، كانت بالمدينة المنورة، وهي التي عرفت بعد موته بدار أيوب بن سلمة(3)، وتناقلها الورثة من بعده.
ما ورد في كتاب (أخبار مكة) للفاكهي، يخالف تماماً ما جاء في (تاريخ) الأزرقي (ت نحو 250هـ/ 864م) الذي تحدث عن رباع بني سهم، وعدد بعض معالمها، فذكر منها "دار قيسِ بن عدي، جدِّ ابن الزِّبَعْرَى. وهي الدارُ التي كانت اتُّخِذت متوضَّياتٍ، ثم صارت ليعقُوب بن داود المطبَّقي"(4). نعم؛ وثمة دار لعمرو بن العاص، ذكرها الأزرقي في تلك الرباع، رباع بني سهم، كانت تقع دون دار عفيف التي كانت في السويقة(5)، سيعرَّجُ عليها فيما يأتي.
فنجد أن الأزرقي لم يذكر لخالد بن الوليد داراً بمكة على الإطلاق، كما أنه توقف عن ذكر مآل دار قيس بن عدي، فيما بعد يعقوب المطبقي، بينما الفاكهي زاد عليه ذكر انتقالها إلى ملك أيوب السهمي المخزومي. وهذا مما انفرد به الفاكهي. لأن الباحث، بحسب المصادر المتاحة، لم يجد لأيوبَ بن سلمة السهمي المخزومي ذكراً في كتاب الأزرقي البتة، بل ولا في تراجم المكيين.
بالنظر في كتب الرجال، يتضح أن أيوب السهمي المخزومي، أيوب بن سلمة المخزومي، أبا سلمة المديني. كذا في (التاريخ الكبير) للبخاري(6)، وكذلك سماه ابن حبان في (الثقات)، وقال: "من أهل المدينة"(7)، ونسبه في (الجرح والتعديل) مدنياً أيضاً(8). ورفع أبو نعيم نسبه في (معرفة الصحابة) فسماه: أيوب بن سلمة بن عبدالله بن الوليد المخزومي، وروى من طريقه حديثاً عن أبيه، عن جده(9)، وهو كذلك في (تاريخ الطبري)(10)، و(تاريخ دمشق)(11)، وفيه: "ولد بدمشق، وسماه معاويةُ أيوبَ، ثم سكَن المدينة"(12). ووقع في مطبوعة (المقاتل) تسميته: أيوب بن سلمة بن عبدالله بن عباس بن الوليد بن المغيرة المخزومي(13)، واسم (عباس) يبدو أنه مقحَمٌ هنا إقحاماً.
الشاهد مما سبق أن أيوب بن سلمة، هو أيوب السهمي المخزومي، الذي ذكره الفاكهي في (أخبار مكة)، وهو مدني قطعاً، وليس من أهل مكة، ولم يسكنها قط. فذكرُه في سياقِ بني سهم المكيين، وأنه ممن تملك عقاراً بمكة، غريبٌ.
وبالمضي إلى مصادر التاريخ المدني، نجد أنّ لأيوب بن سلمة السهمي المخزومي ذكراً فيها، فنجد ابن زبالة (ت 199هـ/ 814م)، وابن شبة (ت 262هـ/ 875م)، وكلاهما يذكرُ دار خالد بن الوليد، الدار المدنية. قالا: وهي بيد بني أيّوب بن سلمة. زاد ابن زبالة: أن أيوب بن سلمة اختصم فيها هو وإسماعيل بن الوليد بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة، يقول أيوب: هي ميراثٌ، وأنا أرثُها دونكم بالقعدد. أي: لأنه أقرب عصوبةً. ويقول إسماعيل: هي صدقةٌ، أي: فيدخل فيها القريبُ، وإن بعُدَ. فأعطيها أيوبُ ميراثاً بالقعدد(14).
قال السمهودي: "لأن أيوبَ المذكور، كما ذكر ابنُ حزم، وارثُ آخرِ من بقيَ من ولد خالد بن الوليد. قال: لانقراض ولد عمه خالد بن الوليد كلهم. قال: وكان قد كثر ولد خالد بن الوليد حتى بلغوا نحو أربعين رجلاً، وكانوا كلُّهم بالشَّام، ثم انقرضُوا كلهم في طاعون وقعَ، فلم يبقَ لأحدٍ منهم عقبٌ"(15).
الفاكهي روى خبر اختصام أيوب بن سلمة وإسماعيل بن الوليد(16)، باللفظ الذي عند ابن زبالة نفسه. ثم قال في تحديد موضع الدار: "وهي مواجهةُ المسجدِ، ليس بينها وبين المسجد إلا الزقاقُ الذي يخرج إلى موضع البطحاءِ، التي قال عمر t: من كان يريد أن يرفثَ، أو ينشد شعراً، فليخرج إلى البطحاءِ. وقد دخلت البطحاء في المسجد"(17). وهذا الوصف إنما يصدق على دار في المدينة المنورة. فقد ورد ذكر دار خالد بالبطحاء عند ابن شبة، في سياق ذكر دور بني مخزوم بالمدينة. قال: "اتخذ خالد بن الوليد بن المغيرة t داره التي كانت بالبطحاء، وهي اليوم الدار التي بين دار أسماء بنت حسين، وبين الخط الذي في دار عمرو بن العاص، وهي بأيدي بني أيوب بن سلمة، من ولد الوليد بن المغيرة"(18). فهذه النصوص كلها، والسياقات التاريخية إنما هي فيما يخص خطط المدينة المنورة، وليس خطط مكة المكرمة.
من الشواهد على اضطراب الكتاب المطبوع من (أخبار مكة) للفاكهي، ما أخرجه ابن زبالة، من طريق اليسع بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، قال: شكى خالد بن الوليد t إلى النبي r ضيق منزله، فقال له: (ارفع البناء في السماء، وسَل الله عزَّ وجلَّ السعة)، أخرجه الفاكهي في (تاريخه)(19)، وابن شبة(20)، وأبوداود في (المراسيل)(21)، والطبراني في (الكبير)(22)، والخطيب في (المتفق)(23)، وابن عساكر(24). قال السمهودي معلقاً على هذه الرواية: "وفي موضعها اليوم مقدم رباط السبيل، وذلك يدل على صغرها، بخلاف غيرها من الدور. ولذلك شكا ضيقها"(25). وكلام السمهودي ينصب على المدينة المنورة لا غير.
ما تقدم، جميعه، إنما هو شواهد تدل على ما ورد في كتاب (أخبار مكة) للفاكهي، من ذكر دار لخالد بن الوليد في مكة المكرمة، مخالف لما في بقية المصادر. بل حتى روايات الفاكهي التي طالعتنا، لا تدل إلا على وصف تلك الدار المدنية، وإن جاء ذلك في سياق الكلام عن مكة ودورها. فلعل نقصاً في النسخ الواصلة إلينا، أو إدراجاً من النساخ وقع بدون تمييز، والله أعلم.

العياشي، المؤرخ المدني المعروف، أكمل التعريف بدار خالد بن الوليد، وعقب على كلام السمهودي بقوله: "أي: في الزقاق الذي نقول له اليوم: زقاق البدور، نسبة للأشراف البدُور، بني حسين. والذي حضرته وأنا طفل، أن الدولة التركية كانت قد بدأت في هدم الدور التي كانت حول المسجد النبوي، لتوسيع الرحبات حوله. وكانت قد شرعت في هدم دار ريطة، وأزالت الطابق الأعلى، كما هدمت ما بعده إلى  الشمال. وفى الهدميات السعودية ظهرت دار خالد بن الوليد في الركن الشمالي الشرقي من زاوية السمان (دار ريطة)، وهى صغيرة جداً. وكان فيها قبة أثرية، مزركشة بالألوان. وأعتقد أن في مكانها اليوم بعض بيت الباكستان. وقد جعل إشارة إليها ما يشبه البرج"(26). وينظر بقية وصف دار خالد بن الوليد فيما تقدم من هذه الموسوعة، تحت عنوان (أيوب بن سلمة، دار)(27)


* تنظر الهوامش والمصادر في المقال الأصلي، موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة، المجلد التاسع. 

الثلاثاء، 20 ديسمبر 2016

نصوص تراجم نادرة لمتأخري الشافعية من كتاب مرْشِد الأنام إلى برِّ أُمّ الإمام = شرح كتاب الأم للشافعي

نصوص تراجم نادرة لمتأخري الشافعية
من كتاب «مرْشِد الأنام إلى برِّ أُمّ الإمام» = «شرح كتاب الأم للشافعي»
تأليف العلامة السيد أحمد بك الحسيني المصري (ت 1332هـ)
بقلم/ د. محمد أبوبكر باذيب
لم نزل نسمع عن كتاب (مرشد الأنام لبر أم الإمام)، للعلامة السيد أحمد بك الحسيني (ت 1332هـ). وأن هناك من يعمل عليه، ولكن للأسف لم تنهد لخدمة هذا الكتاب القيم المفيد، ولو حتى خدمة مقدمته المهمة المشتملة على تراجم الشافعية المتأخرين، من معاصري المؤلف المذكور. وهذا تقصير كبير، نرجو أن يتم تلافيه في قادم الأيام إن شاء الله.
مما لفتَ نظري أن باحثين معاصرين للمؤلف، حتى من غير المسلمين، رجعوا الى كتابه المذكور، فهذا يوسف سركيس (ت 1351هـ) في كتابه الشهير «معجم المطبوعات العربية والمعربة»، يقول عن الكتاب ومؤلفه: «له سوَى الكتُب المطبوعة، مصنّفٌ جليلٌ في أربعة وعشرين مجلداً، أودعَ في دار الكتُبِ المصرية، موسُوماً بـ«مرشد الأنام لبر أم الإمام»، وهو شرحٌ على قسم العبادات من كتاب «الأم» للإمام الشافعي»(1).
وفي ثنايا «معجم» سركيس ما يفيد أنه رجع إلى «مرشد الأنام» رجوعاً مباشراً، ونقل عنه بدون واسطة، فقد نقل عنه ترجمتين لعالمين شافعيين معاصرين، كما رجع إليه في ترجمة أحد فقهاء الشافعية الكبار، ممن تولى مشيخة الأزهر.
النص الأول
في ترجمة مفتي الشافعية بمكة المكرمة، السيد العلامة أحمد زيني دحلان، المتوفى سنة 1304هـ. فقال: «أحمد بن زيني بن أحمد دحلان، المكي. مفتي السادة الشافعية بمكة المشرفة، وشيخ الإسلام. ولد في حاضرة الحجاز، وتولي الإفتاء للشافعيين، واشتغل بالعلوم مدةً. وفي زمانه أنشئت في مكة أول مطابعها، فكان المترجم متولياً نظارتها، ونشر فيها تآليف من قلمِه، غير التي طبعت في القاهرة.
قال فيه أحمدُ الحسيني: «بعد أن ظهر (المترجَم) على طلبته بالمسجد الحرام آيةُ النجَابة، وحثهم على تعليم الطلبة، انتقلَ إلى تعليم أهل البراري والقفار، من أرض الحجاز والشام واليمن، وصار يذهب بنفسه إليهم، ويتردد عليهم، ويرسل إليهم من يعلمهم»(2).
النص الثاني
نقل ترجمة شيخ الأزهر، العلامة الشيخ عبدالرحمن الشربيني (ت 1326هـ)، برمتها من «مرشد الأنام». قال فيها: «قَال العلامة المرحوم أحمد الحسيني في كتابه «مرشد الأنام» (مخطوط): «الشيخ عبد الرحمن الشربيني علامة عصره وفريد دهره الذي لم يكن له شريك في وقته. شيخ الشيوخ، وقدوة الأكابر، وصاحب التصانيف، ورب التحقيق والتدقيق، وكان فريداً في التقوى والصلاح». وبعد أن عدد الحسيني مؤلفات المترجَم، قال: «والحقُّ يقالُ، وإن كان بيني وبينه خلافٌ في بعض المسائل، لم نتفق عليها، لكنه كان وحيد دهره، بعد شيخنا العلامة الإنبابي. تولي مشيخة الأزهر سنة 1322، بعد أن عُرِضت عليه مراتٍ عديدةً، واستقال منها سنة 1324»(3).
النص الثالث
رجع إليه في ترجمة العلامة حسن العَطار (ت 1250هـ). ولعله استفاد الترجمة منه، فأنقلها للفائدة، قال سركيس: «حسن بن محمد العطار، الشافعي المصري، شيخ جامع الأزهر. ولد في القاهرة في حدود سنة 1190(4). ونشأ بها في حياطة أبيه الشيخ محمد كتن، وسمع من أهله أنه مغربيُّ الأصل، ورد بعض أسلافه مصر واستوطنها، وكان أبوه عطاراً، استخدم ابنه أولاً في شؤونه، ثم رأى منه رغبةً في العلوم فساعده على تحصيلها.
فاجتهد في إحراز المعارف وأخذ من كبار مشايخ الأزهر، كالشيخ الأمير، والشيخ الصبان، وغيرهما. حتى نال منها قسطا كبيراً. فلما كان هيجان الفتن بدخول الفرنساوية مصر، داخله الخوفُ ففر إلى الصعيد كجماعة من العلماء. عاد بعد أن حصل الامن واتصل بناس من الفرنساوية فاستفاد منهم الفنون الشائعة في بلادهم وأفادهم اللغة العربية.
ثم ارتحل إلى الشام، ودخل دمشقَ، وتجول في بلاد كثيرة، ثم رجع إلى مصر، فأقر له علماؤها بالسبق، وتولي التدريس في الأزهر سنة 1246 إلى آخر سنة من حياته.
نقل عن الشيخ محمد شهاب الثناء: أنه كان يقولُ: إن الشيخ العطار كان آيةً في حدَّة النظر، وشدة الذكاء، ولقد كان يزورنا قبلاً في بعض الأحيان، فيتناول الكتاب الدقيق الخط، الذي تعسر قراءته في وضح النهار، فيقرأ فيه على نور السراج وهو في موضعه، وربما استعار مني الكتاب في مجلَّدين، فلا يلبث عنده إلا الأسبوع أو الأسبوعين، ويعيده إليَّ، وقد استوفى قراءته، وكتب في طُررِه على كثير من مواضعه».
الهوامش:
1- سركيس، يوسف إليان، معجم المطبوعات العربية والمعرَّبة، جـ1 (القاهرة: مطبعة سركيس، 1346هـ/ 1928م)، 383.
2- سركيس، جـ2، 990.
3- سركيس، جـ2، 1110.
4- سركيس، جـ2، 1335.
5- علق سركيس في الهامش بقوله: «كذا ورد في كتاب «مرشد الأنام»، الذي ألفه المرحوم أحمد بك الحسيني، ولم يزل مخطوطاً». جـ2، 1335.


* * *