الاثنين، 10 أغسطس 2015

قصيدة (المهاجر) للشاعر اللبناني حليم دموس (1377هـ) .. مؤثرة ومعبرة


قصيدة (المهاجر)
للشاعر اللبناني حَليم دمّوس (ت 1377هـ)

مؤثرة ومعبرة




الى عشاق الأدب .. وذواقة الشعر الجميل .. 
الى قومي الحضارمة الذين منيت أواطانهم بهجراتهم المتكررة .. 
الى كل نازح عن أرضه ووطنه .. 
هذه قصيدة تقطع نياط القلوب .. وتستفرغ ماء الشئون .. كتبها شاعر أديب من نصارى العرب .. من مسيحيي لبنان .. الذين هاجروا إلى أمريكا الجنوبية ثم عاد إلى بلاد العرب، ومات ببيروت، مسقط رأسه، هو الشاعر العربي الفحل الأستاذ حليم دمُّوس(1). 
وجدت هذه القصيدة الجميلة المؤثرة .. في كنانيش أستاذي المرحوم السيد الأستاذ القدير، أحد عمالقة الصحافة العربية في المهجر الشرقي .. وفي الجنوب العربي .. أستاذي أحمد عمر بافقيه (1912-2006م) رحمه الله .. إن اختيار الأستاذ لهذه القصيدة ضمن كناشه، دليل على إعجابه بها، ولعلها تكشف لنا عن دوافع الهجرة والاغتراب الكامنة في نفسيته. وقد نشرتها في كتابي الكبير الذي ضم أحداث حياته ومقالاته ..
وهاأنذا .. أعيد نشرها هنا .. ليطلع عليها من لم يقف على الكتاب.

المهاجر
للأستاذ الشاعر حليم دموس
وقد ربحت هذه القصيدة جائزة مستشفى ربين السنوية عام 1927م:

هجرَ الروضَ وعافَ الثمرةْ ** وليالي أنسه المزدهرةْ
ومضَى يضرِبُ في آفاقها ** ولسانُ الدهر يروِي خَبرهْ
ركب الأهوالَ سيراً وسرَى ** نادباً تلك الربوعَ النضِرةْ
وهو لا يدري أيقضي لهفاً ** أم منَ الدَّهر سيقضي وطرهْ
يلتقيهِ بين أشواقِ الردَى ** والردَى يُنشِبُ فيه ظُفُرَهْ
* * *
بحياتي هاجرٌ مغترِبٌ ** غالبَ الدهر ولاقى عِبَرهْ
كان في موطنه معرفةً ** وهو في المهجرِ أمسَى نكِرةْ
ألفَ الأسفارَ حتى راضَها ** واستذلَّ البحرَ حتى حيَّرهْ
وهو في الفجرِ يناجي شمسَه ** وهو في الليلِ يناجي قمَرهْ
يَـحْطِم اليأسُ جناحَيه كما ** تحطِم الريحُ أصولا نخرةْ
* * *
قفْ على الشاطئ واشهد ساعةً ** موقفَ التوديع وارسُم صُوَرهْ
وانظرِ البحرَ فكم سَارتْ به ** سفنٌ في عَرضِه منتشِرةْ
تحملُ القومَ جموعا وعَلى ** مَوجِها أدمُعُهم منهمِرةْ
هجَروا الأوطانَ في محنَتِها ** لينجُّوا أمةً محتضرةْ
بينما عقدهُمُ منتظمٌ ** إذ تراهُ درراً منتثَرةْ
* * *
ما انتفاعُ الأم من أبنائِها ** إن تناءوا، وهي عندَ المقبرةْ ؟
يرجعُ الليثُ إلى غابتِه ** بعد أن يطوي الفيافي المقفِرةْ
وتغيبُ الطيرُ عن أفراخِها ** لتوافيها بأشْهى ثمَرةْ
ويصانُ الدرُّ في أصدافِه ** ثم يجلَى كالدراري النيرةْ
هكذا النازحُ عن أوطانه ** يذكر الربْعَ ويهوَى أثرهْ
* * *
رُبَّ أرضٍ حُسِبتْ حنظلة ** وهي لو تُسقى لكانتْ سُكَّرةْ
وركازٍ تحت أطباقِ الثرى ** باتَ في صدر الغواني جَوهرةْ
وبلادٍ لو حمَاها أهلُها ** لاستحالتْ أمةً مقتدرةْ
* * *
أدرِ الدفَّة يا ربَّانها ** فالحمَى حنَّ إلى من هجَرهْ
أنتم الروحُ لجسمٍ ناحلٍ ** يتعزَّى ببَنيهِ البَررةْ
قُل لمن أثرَوا: أعينُوا وطنا ** أنتم الماءُ لتلكَ الشَّجَرة(2)
* * *

الهوامش:
(1) قال عنه الأستاذ خير الدين الزركلي (ت 1396هـ): «متأدب، له نظم كثير، في بعضه إجادة»، مولده في زحلة بلبنان سنة 1305هـ، سافر إلى البرازيل ثم عاد إلى بلده، واستوطن دمشق بعد الحرب العالمية الأولى، ومات في بيروت سنة 1377هـ، له ديوان يعرف بـ«ديوان حليم»، مطبوع، وكتب أخرى. «الأعلام» (2: 270(
(2) يبدو أن الأستاذ بافقيه رحمه الله كان مهتما بشعر هذا الأديب، فقد نشر له في «صحيفة العرب» العدد (8) الصادر بتاريخ 10 رجب 1350هـ (= 19 نوفمبر 1931م) (ص 7) قصيدة أخرى عن اللغة العربية، مطلعها:
لا تلمني في هواها ** أنا لا أهوى سواها


تعليقات ابن الطيب الشرقي الفاسي (ت 1170هـ) على كتاب «اقتفاء الأثر» لأبي سالم العياشي (ت 1090هـ) - 2



المقال الثاني

(2)

ثانياً؛ تعليقات ابن الطيب الفاسي، وأبي الخير العطار:
1) الموضع الأول: في ترجمة الشيخ المقرئ علي باحاج الحضرمي، الورقة 13، الوجه أ، عند قول أبي سالم: «.. وانفرد أيضاً بالشيخ محمد بن علي بن علان».
علق الشيخ أبوالخير بقوله: «قوله محمد بن علي؛ الخ. سبق قلم، والصواب: محمد علي مركباً من اسمين، لأن أباه سماه علياً، وسمته أمه محمداً، فركب العلمان تركيباً توصيفياً، كما ذكره هو بنفسه في بعض مؤلفاته. كتبه أحمد أبوالخير المكي عفا الله عنه». اهـ.
2) الموضع الثاني: في الورقة 17، الوجه أ، في سياق أبي سالم لسند الطريق، «.. على السري السقطي، وهو على الشيخ معروف الكرخي، وهو على داود الطائي، وهو على الحسن البصري ..».
علق أبوالخير بقوله: «هنا سقط, قاله أحمد المكي، في جمادى سنة 1315هـ».
3) الموضع الثالث: في الورقة 17، الوجه ب، عند قول أبي سالم: «.. وهو على الشيخ قاضي الشطار المنيري .. ».
علق أبوالخير على نسبة (المنيري)، بقوله: «بفتح الميم والنون، قرية شهيرة من أعمال بهار بالهند».
4) الموضع الرابع: في الورقة 18، الوجه أ، عند ذكر أبي سالم للشيخ تاج الدين العثماني. قال: «الشيخ تاج الدين بن زكريا بن سلطان عثمان نسباً».
علق الشيخ أبوالخير بقوله: «العثماني نسباً، وهو مدفون بسفح جبل قعيقعان بمكة. قاله أحمد المكي».
5) الموضع الخامس: في الورقة 19، الوجه أ، عند قول أبي سالم في ترجمة السيد محمد بن علوي السقاف: «.. وطريقه في غالب ظني تتصل بأبي مدين ..».
علق ابن الطيب الفاسي بقوله: «قد تيقن الظن، وظفر بسنده على يد صاحبه وخاصته من الحرمين، شيخنا الإمام أبوالأسرار حسن العجيمي، رضي الله عنهم».
وعند اسم السيد السقاف، علق بقوله: «سند هذا الشيخ مذكور في رحلة المصنف».
6) الموضع السادس: الورقة 19، الوجه ب، عند قول أبي سالم في ترجمة السيد المحجوب: «.. وأما طريقه وانتسابه فإنني لا أتحقق فيهما شيئا ..».
علق ابن الطيب بقوله: «قد حقق طرقه وانتسابه وأسانيده صاحبه، شيخنا العلامة أبوالأسرار حسن بن علي العجيمي في مصنفاته، ولا سيما «كفاية المتطلع»، وذكر قليلا من ذلك أصحابه: أبوسالم، عبدالله بن سالم، المصنف، وصوفي الوقت، الشيخ أحمد النخلي، في «فهارسهما»، وجمعت في ذلك ما يحتاج إليه في «إقرار العين»، و ...(؟)، الأسانيد، وغيرهما».
وكتب أبوالخير الى جوار هذه العبارة: «هذه الحاشية بخط الشيخ محمد بن الطيب المغربي، محشي «القاموس»، قاله أحمد المكي، كان الله له، 17 رمضان سنة 1318هـ».
7) الموضع السابع: في الورقة 22، الوجه أ، في ترجمة الشيخ عبدالكريم الفكون، عند قول أبي سالم: «... ولتختم بذكر هذا الشيخ لأنه آخر من لقينا من المشارقة ... إلا ما ذكر لي شيخنا أبومهدي سيدي عيسى ..».
علق ابن الطيب بقوله: «قد ذكر الشيخ عيسى ..(؟) في كتابه «مقاليد الأسانيد»، الشيخ عبدالكريم وما قرأ عليه، وهو أسانيد ...(؟)، وفي «كنز الرواة المجموع من درر المجاز ويواقيت المسموع»، لشيخ عيسى رحمه الله».
وعلق أبوالخير بقلمه: «وهذا أيضاً خط الشيخ محمد بن الطيب الفاسي المدني، قاله أحمد المكي، عفا الله عنه».

هذا ما وجدته من التعليقات لابن الطيب الفاسي، ولأبي الخير العطار، على نسخة عتيقة من كتاب «اقتفاء الأثر»، لمولانا العلامة الشيخ أبي سالم العياشي، رحمه الله، ورحم جميع من ذكر، وصلى الله على سيدنا وشفيعنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وحرره، محمد باذيب، في جلستين، آخرهما ليلة الأحد الخامس من ربيع الأول سنة 1433هـ.
تم بحمدالله

تعليقات ابن الطيب الشرقي الفاسي (ت 1170هـ) على كتاب «اقتفاء الأثر» لأبي سالم العياشي (ت 1090هـ) - 1



بسم الله، وبه نستعين
يقول محمد باذيب، سامحه الله:
إني وقفتُ في بعْضِ الأيامِ على نسْخةٍ قَديمة من كتابِ «اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر»، صَنْعة العلامة المسند الرحالة، الشيخ الإمام أبي سالم العياشي المغربي، المتوفى سنة 1090هـ. تقع في 37 ورقة من القطع المتوسط، وهي خالية عن ذكر سنة النسخ، واسم الناسخ، ولم أتيقن هل هي نسخة أبي سالم نفسه بخطه، أم هي بخط غيره.





والذي لفت نظري فيها، وجود بعض حواشي تلك النسخة قد حليت وزينت بتعليقات نفيسة، وإيضاحات مهمة، دونها بقلمه العلامة الإمام الشمس محمد ابن الطيب الشرگي الفاسي، المتوفى بالمدينة المنورة، سنة 1170هـ. كما حلي جيدها، وزينت صفحتها الأولى، بإجازة بقلم العلامة السيد علي بن عبدالبر الونائي المصري ثم المكي، دفين أم القرى، سنة 1212هـ، رحمه الله، لتلميذه العلامة الشيخ محمد بن محمد البناني المغربي المالكي، مفتي المالكية بمكة، والمتوفى بها سنة 1245هـ. واكتملت زينتها، وكملت بهجتها، بوجود خط العلامة المحقق الشيخ أبي الخير العطار، الذي لم يكثر من التعليقات عليها، بل اكتفى بشيء يسير من القول، لبيان تحقيق نسبة بعض الخطوط لأصحابها.
وها أنا أذكر للأخ المستفيد، والراغب في المزيد، ما وقفت عليه من تلك التعليقات، والفوائد المستجادات، ليعلقها المعتني بهذا الشأن، في نسخته من ذلك الكتاب المستطاب، إذ هو محقق ومطبوع، وبمكان من الشهرة والذيوع، وبالله العون، ومنه نستمد التوفيق. وأبدأ بذكر نص إجازة النور الونائي، وهي مؤرخة في يوم السبت 3 ربيع الأول سنة 1204هـ.
(1)
أولاً؛ إجازة الونائي للبناني:
«حمداً لمن أجابَ من سَأله، وأثابَ من امتثلَ أمْرَه، وصلاة وسلاماً على سيدنا محمد الذي جدد معالم الدين وأعلاها، وأورد أمته من المناهل الصافية أحلاها.
أما بعد؛ فلما كان فنُّ الحديثِ هو المرتبةَ التي سارَتْ في تحصيلها سوابقُ الركبان، والمزيةَ التي هجرت لوصلها طيبَ المنام عامّةُ ذوي العرفان، أرادَ الإمامُ الفاضل، والجهبذ المناضل، الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن محمد عربي البناني المكي، أدام الله النفع به، ووصل أسباب الخيرات بسببه، آمين. الانتظام في عقد هذا الدر النظيم، فسأل أن أجيز له ما صحت لي فيه الرواية، ظناً منه أن لي أهلية الدراية، فأحسنت ظنه، وأجزته بجميع ما يجوز لي بشرطه المعتبر، عند أهل الأثر، من تقوى الله تعالى في السر والعلانية ما استطاع، والتثبت في الجواب إلى اليقين، وأن يقول فيما يخفى: لا أعلم، فقد قال أعظم المرسلين صلى الله عليه وسلم: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل».
 هذا؛ وأروي عن أئمة، ما بين سماعٍ وقراءة، وإجازة، مشافهة، ومناولة، ومراسلةً، منهم خاتمة المحدثين، وشمس المسندين، أبو الفيضٍ، محمد مرتضى بن محمد الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي، عامله الله وأحبته بالرضوان الوفي. قد سمعتُ عليه الكثيرَ من الأحاديثِ، كالبُخاريِّ، وغيره. وأجازني متلفظاً، نظماً، ونثراً، بحق روايته عن أئمة، منهم: شمس الدين محمد بن الطيب الفاسي، لغوي أهل عصره، عن صاحب هذا «المعجم»(1)، أبي سالم العياشي(2)، قدس الله تعالى سره. والمسئول من المجاز الدعاء للفقير بحسن الختام، والرضا على ممر الأيام.
كتبه العبد الفقير الذليل الى المولى الجليل
علي بن عبدالبر الحسني الشافعي الونائي
عفا الله تعالى عنه وعن والديه وأحبابه في الدارين
وأزال الشدة عنه وعن باقي أهل الحرمين
حرر في يوم السبت ثالث ربيع الأول
سنة 1204 من هجرته صلى الله عليه وسلم».
الهوامش:
(1) تنبيه مهم: ابن الطيب الشركي إنما ولد سنة 1110هـ (زركلي: 6/177)، وأبو سالم توفي سنة 1090هـ، فلا يتأتى له إدراكه أو الرواية عنه بحالٍ، ولكنه كان يروي عنه على احتمال دخوله في عموم إجازة أبي سالم لوالده وأولاده ومن سيولد، كما بين ذلك العلامة الكتاني في «فهرس الفهارس» (2/1071)، حيث قال في ترجمة ابن الطيب: «ومن أعلى رواياته: روايته عن الشيخ أبي سالم العياشي، بإجازته لأبيه وأولادِه، ومن سيولدُ له، صرَّح بذلك ابنُ الطيِّبِ في (الحديث المسلسل بالفاتحة) من مسلسلاتِه، قائلاً: «أروي عن أبي سالمٍ، صاحبِ «الرحلة»، في عمُوم إجازته للوالدِ وأولادِه ومن يولَدُ له»، انتهى كلامه رحمه الله.
أقولُ: هذه الإجازةُ من أضعف الإجازات، والرواية والعمل بها على خلاف المعتمد والمعول عليه عند أهل الشأن، وفي قبولها تساهل كبير، لأن من ولد بعد وفاة المجيزِ لا يعد من المتحملين عنه، وقد عمل السيد عبدالحي رحمه الله بأمثال هذه الإجازة في روايته عن يوسف السويدي الذي جعله يروي عن العلامة الزبيدي، وبين مولد السويدي ووفاة الزبيدي أكثر من خمسين عاماً، والكلام يطول، وللمسألة أشباهٌ ونظائر متعددة، والله أعلم.
(2) يظهر أن العلامة البنانيَّ، رحمه الله، كان قد اعتمدَ على كلام شَيخِه الونائيِّ، فأسندَ من طريقه روايته مسلسلاتِ أبي سالمِ بهذا السندِ، مع أن فيه ذكر المصافحة ونحْوِها، مما يستحيلُ اتصَاله من طريقِ ابن الطيِّب عن أبي سالم، وقد تنبه العلامة السيد عبدالحي الكتاني لهذا، فقال في «فهرس الفهارس» (1/229)، ما نصه، من أثناء ترجمته للبناني المذكور: «وله ثبتٌ ذكرَ فيه المسلسلاتِ العشرة المشتملةَ عليها «فهرسة أبي سالم العياشيّ»، ساقها بسنَدِه عن الونائيِّ، عن الحافظ الزبيديِّ، عن ابن الطيب الشرگي، عن أبي سالم، ثم ذكر إسنادَ «الصحيح»، و«الموطأ»، وبقية الستة، و«مسند الشافعي»، وأحمد، و«شفا عياض»، ثم إسناد «فهرس العياشي» عمن ذكر. ومما ينتقد عليه فيهِ أكبرُ انتقادٍ: أنه ساق فيه مثْلَ إسنادِ المصافحة والمشابكَة بسنده إلى الشرگي قائلاً:صافحني العياشيُّ، مع أنّ ابنَ الطيِّبِ الشَّرْگِيَّ ولدَ بعد موتِ العياشيِّ بنحو العشرين سنةً، وروايتُه عنه إنما هي بضمْنِ إجازته لأبيه وأولاده، فاعلمه»، انتهى.

(يتبع)

دعاء الصلاة على المتهاونين فيها .. موعظة عن الإمام أحمد بن عمر بن سميط (ت 1257هـ)






يقول محمد باذيب، سامحه الله: أخبرني شيخي العلامة الفقيه النحوي المربي، السيد الشريف أحمد بن علوي بن علي الحبشي (ت 1429هـ)، رحمه الله، عن شيخه وعمه السيد محمد بن علي الحبشي (ت 1368هـ)، عن أبيه الإمام علي بن محمد الحبشي (ت 1333هـ)، عن أبيه الإمام محمد بن حسين الحبشي (ت 1281هـ)، مفتي الشافعية بمكة المكرمة، رحمهم الله أجمعين:
أن شيخه إمام الدعاة في عصره، الإمام أحمد بن عمر بن سميط (ت 1257هـ): سئل عن أسباب الفوضى العارمة التي كان سائدة في حضرموت في زمنه، في منتصف القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، إذ كان لا يقوم حاكم إلا ويطاح به، ولا سلطان إلا ويخلع، ولم يقر للناس قرار، ولم يطب لهم عيش، فزادت الهجرات وتباعد الناس عن أوطانهم، وكثر قطاع الطرق والسلب والنهب. فأجابهم ذلك الإمام الحكيم، والمرشد العظيم، بقوله: ما بالناس إلا دعوة الصلاة!!.
قلتُ له: وما دعوة الصلاة؟.
فقال رحمه الله ونفع بعلمه: إنما يقصد الإمام أحمد بن عمر بن سميط بـ«دَعْوَة الصَّلاة»، ما ورد في الحديثِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «مَنْ توضَّأ فأبلغَ الوُضوءَ، ثمَّ قامَ إلى الصَّلاة فأتمَّ ركُوعَها وسجُودَها والقراءةَ فيها، قالتِ الصَّلاةُ: حَفِظكَ الله كَما حَفِظْتني، ثم صُعِد بها إلى السَّماء ولها ضوءٌ ونُورٌ، ففتِحَتْ لها أبوابُ السَّماء، حتى يُنتهَى بها إلى الله، فتشْفَعُ لصَاحبِها، وإذا لم يتمَّ ركُوعَها، ولا سجُودها، ولا القراءةَ فيها، قالَتْ: ضيَّعكَ الله كَما ضيَّعْتَني، ثم صُعِد بها إلى السَّماءِ، وعليهَا ظلمةٌ، فغُلِّقَتْ دونَها أبوابُ السماء، ثم تلَفُّ كما يلَفُّ الثوبُ الخلَقُ، فضُرِبَ بها وجْهُ صَاحبِها»(1).
قال الحبيب احمد بن علوي الحبشي، رحمه الله: فانظروا يا أبنائي، كم من الناس اليوم تدعو عليهم صلواتهم، لأنهم لا يحسنونها، كثيرون لا يحسنون الوضوء، وبعضهم لا يحسن القراءة، وبعضهم يستعجلون فيصلونها كنقر الديك، وأحوال الناس لا تخفى على أحد. فانتبهوا لصلاتكم، وأحسنوا أداءها، وأقيموها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فهذا هو سر «دَعْوةِ الصَّلاة»، فاعلموه.
أقولُ: رحم الله مشايخنا، ما أبلغ مواعظهم، وما أبعد نظراتهم، وهذه موعظة بليغة، لا تحتاج منا إلى كبير فكر ونظر، وما بقي إلا العمل، والدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتذكير الناس بواجباتهم الدينية، وفروضهم العينية، ولا يلتفت الى من يقلل من شأن الحديث في فروض العين، ويقول: وما بقي لكم كلام إلا في الوضوء والاستنجاء. فهذا المعترض قليلُ أدَبٍ وعلم، كما أنه قليل عقل. قليل أدبٍ مع الشرع والتشريع، وقليل علمٍ لأنه لا يفرق بين معرفة الواجب العيني وغير العيني، وقليل عقلٍ، لأنه لم يعِ بعدُ سر الحياة، وسر الإيجاد في هذا الكون؛ فلا صلاح للمجتمعات الإسلامية إلا بهذه الفروض العينية، فإنه: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم. اللهم اجعلنا وأحبابنا من مقبولي الصلاة، مقبولي العبادات، القائمين بفروض الأعيان، المتيقظين لواجباتنا، المؤدين لها على الوجه الأكمل، يا كريم، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداةً مهديين، يا رب العالمين؛ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الهوامش:
(1) هذه رواية البيهقي في «شعب الإيمان» 4/501، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، من طريق ابي حربٍ، زهير بن خيثمة، ورواها في موضع متقدم: 1/479، من طريق مسلم بن أبي الوضاح، مختصرةً، ولفظ حديثه: «إذا أحسن الرجل الصلاة فأتم ركوعها وسجودها قالت الصلاة: حفظك الله كما حفظتني، وإذا أساء الصلاة فلم يتم ركوعها، ولا سجودها قالت الصلاة: ضيعك الله كما ضيعتني فتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه». وضعف الحافظ العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» رواية البيهقي، ومدارها على رواية الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت، به. ولكن لحديث البيهقي متابعات، فتابعه البزار (7/140، 150) من طريق عيسى بن يونس عنه، والشاشي في «مسنده» من طريق (ص 299) إبراهيم التميمي عنه، ومن طريق (ص 300) محاضر عنه. قال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/145) عن رواية البزار: «الأحوص بن حكيم وثقه ابن المديني والعجلي، وضعفه جماعة، وبقية رجاله موثقون». ولحديث عبادة رضي الله عنه، شاهد من رواية ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (ص 239). وللحديث رواية أخرى عن أنس رضي الله عنه، أخرجها الطبراني في الأوسط (3/236، حديث 3095)، واتفق العراقي والهيثمي (1/378) على ضعف سندها، لوجود عباد بن كثير.

دِفَاعاً عن آثار النبوة

دِفَاعاً عن آثار النبوة

نظم / محمد باذيب

قال قومٌ بجَهْلهمْ ** مدْحُ طهَ محرَّمُ

لا تُغَالِ بمَدْحِه ** فالمغالي مؤثّمُ

وامحُ آثارَه التي ** تلقَها، ذاك أسلَمُ!

رُبّما جاءَ جَاهلٌ ** ماسِحاً ثُمّ يلثُمُ

طاحَ في حَومةِ الرَّدَى ** صَار بالشِّركِ يُوسَمُ

* * *

قلْتُ: مَهلاً فهذِه ** قولةٌ لا تُقدّمُ

ذكْرُ طه هو الحمَى ** اسمُ  طَه مُعظّمُ

حبُّ طهَ مثبتٌ ** وبه القلبُ مفعَمُ


زَورةُ القبر يا لها ** من شفاء وبلسمُ

زره ولتلثم الثرَى ** لاثمُ الترْبِ أكرمُ

ماسِحُ القبر أجرُه ** ثابتٌ بل وملزمُ

قاله قبلُ أحمدُ ** وهو في القولِ أقدَمُ(1)

ثم جاءتْ خلائفٌ ** كفّرُوا الناسَ، عمّمُوا

ليس منه مكفّر ** ليس مني ملَعْثمُ

ليسَ منهُ خلائقٌ ** تحرِجُ الناس تؤثِمُ

توقعُ الناسَ في لظَى ** ملةَ الكفر تقحِمُ

*  * *

ثم هُم في شيوخهم ** قد يغالون فاعلموا

حَافظاتٌ وبهرجٌ ** مبصراتٌ وأقلُمُ

في مكَان معطَّرٍ ** مُكرَماتٍ لدَيهمُ

ساءَ فعْلاً صنيعُهم ** غُصَّ ذا الحلقُ والفمُ

ليسَ شركاً !! وسيرةٌ ** للهدى الحقِّ تُسلِمُ

كلُّ ما يخصُّها ** صار شركاً ويحرُم!!

ساء فعلاً صنيعهم ** ساءَ ذا القول منهمُ

الهوامش:
[1] أفتى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في كتابه (العلل ومعرفة الرجال الجزء 2 الرقم 3243 ) بهذه الفتوى: [ 3243 ] سألته عن الرجل يمس منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتبرك بمسه ويقبله ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرب إلى الله جل وعز فقال: لا بأس بذلك. انتهى.
  

التعليق على منشور عنوانه (من الخطأ صيام يوم عاشوراء)


التعليق على منشور
عنوانه (من الخطأ صيام يوم عاشوراء)

بسم الله والحمدلله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.
وبعد، فقد وقفت على منشور عنوانه: (من الخطأ صيام يوم عاشوراء..!!!). أورد فيه كاتبه بعض النقاط التي رأى حسب فهمه أنها لا تتفق مع ما هو معروف من مشروعية الصيام في هذا اليوم المبارك. ويفهم من المقال بعمومه وخصوصه، الطعن في أحاديث صحيح البخاري، الكتاب الفذ الذي هو من مفاخر المسلمين، ومن أهم مصادرهم في تلقي الحديث النبوي الشريف.
إن محاولات الطعن في أحاديث صحيح البخاري ليست وليدة اليوم، بل هي قديمة، وكثير منها موجود في بطون الكتب والأسفار، وليس عدم ظهورها او اشتهارها هو ضعف أهل العلم عن التصدي لها، بل قد أجيب عنها وقتلت وأميتت منذ عهود، ولكن أموراَ عديدة وأسباباً شتى جعلت جعلت العوام يتلقفون هذه المطاعن وهذه الشبهات ويصدقونها، منها:
قلة الاطلاع لدى الكثيرين من متلقفي هذه الشبهات.
ومنها: تدهور أنظمة التعليم الإسلامي،
ومنها: النمو المتسارع للمذهب الجعفري الإمامي. الذي يحاول تثبيت قواعده في البلاد السنية.
ومنها: أن الشريحة المستهدفة من أبناء العلويين (الأشراف بالعموم) جلهم ليسوا من طلبة العلوم الشرعية، وجل جلهم لم يقرأوا كتب السنة المطهرة، ومن قرأ منهم فقراءاته محدودة، لا تتجاوز السرد غالبا، وإن جاوزته فهي محصورة محدودة، وقليل ما يبحثون ويتدارسون علوم الحديث فيما بينهم، أو يطلبونها على أهلها.
ومنها: أن تلك الشريحة، تستهدف بسبب الانتماء العرقي، يضاف إلى الضعف العلمي، فينتج عنه التسليم لتلك الشبهات والاستسلام التام لها، وعدم انتقادها.
هذه الأسباب وغيرها جعلت من تلك المنشورات، والكلمات تنتشر بين شباب العلويين، وتستهويهم، وهذا امر يجب التنبه له، والحوار الهادف مع القائمين عليه، فمن كتبت له الهداية، وانصاع لصوت الحق، وأنصت له، فيرجى له كل خير، ومن أعرض ونأى، وكابر وتعامى، فهو وشأنه، ونسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً إلى الهدى والصواب .. وكنت أود أن أطيل، ولكن الوقت لا يسعف، لكثرة الأشغال .. فسأكتفي بإيراد الشبهات التي في الكلام أعلاه، والتعليق عليها.
مقدمة:
قول صاحب المنشور: (من الخطآ [كذا] صيام يوم عاشوراء)، صواب الكلمة (الخطأ)، فهي مهموزة لا ممدودة.
أما مدلول الكلمة فهو خاطئ ومجانب للصواب، لأن مفاد هذه الكلمة أو العبارة رد السنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه محادة لله ولرسول الله، لأن شرعنا وديننا الإسلامي إنما تلقيناه عن رسول الله بأمر الله ووحيه، وقد صح عندنا معاشر المسلمين الموحدين أن صيام عاشوراء مشروع ومسنون، لصيام المشرع الأعظم، النبي المعصوم له، وأمره بصيامه.
وإنّ ردَّ الصحيحِ الثابت من الدين، طعنٌ في الدين. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
س/ بم ثبت صوم عاشوراء؟.
ج/ ثبت صوم عاشوراء في السنة النبوية بعدة أحاديث، وعدة طرق، كلها صحيحة ثابتة عن نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام. وهو ما اتفقت عليه الأمة، وتواطأت عليه من عهد النبوة وحتى يوم الناس هذا.
[1] قال صاحب المنشور: (أولا:: قال-عليه الصلاة والسلام-:"لإن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر". لكنه توفي -عليه الصلاة والسلام- قبل أن يصوم التاسع والعاشر).
التعليق: لا أدري من أين ينقل هذا الكاتب الأحاديث النبوية، ألا يخشى من العقوبة الشديدة في التقول على النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث لم يرد بالصيغة التي نقلها البتة، بل الذي في صحيح مسلم: (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع »). وهو بهذا النص في مسند أحمد وغيره، بأسانيد صحيحة قوية. فليس فيه: (والعاشر) كما في المقال. لأنه عليه الصلاة والسلام كان قد صام العاشر فعلاً، بل وصامه قبل هجرته من مكة إلى المدينة.
أخرج الشيخان، البخاري ومسلم، عن أم المؤمنين حبيبة رسول رب العالمين عائشة رضي الله عنها : أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فرض رمضان. ورواه ابن خزيمة أيضا وغيره.
وعند النسائي في (السنن الكبرى) وفي روايته مزيد تفصيل وإيضاح: عن عائشة ، قالت : كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه ، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فنزل صوم رمضان فكان رمضان هو الفريضة فمن شاء صام يعني عاشوراء ومن شاء ترك.
فقول الكاتب: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصم عاشوراء، غير صحيح، بل صامه وأمر بصيامه، وأمره من الدين، والسنة: إما فعل، أو قول، أو تقرير. كما هو معلوم.
[2] قول صاحب المنشور: (ثانيا:: هل يُعقل أنّ النبي-عليه الصلاة والسلام- الذي أخبر عن الأمم السابقه وأخبر عن سيدنا موسى ثمّ لم يعلم بأنه في هذا اليوم قد أنجى الله موسى من الغرق..!!).
التعليق: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قوله وحي من الله، كما قال تعالى: (إن هو إلا وحي يوحى)، ومعلوم ومستفيض من أحواله الشريفة عليه الصلاة والسلام أنه ينتظر الوحي في كافة شئونه، وما حادثة الإفك، وحديث التأبير، إلا شواهد قوية ناصعة على أنه صلى الله عليه وسلم يتوقف فيما لم يوح إليه فيه بشيء، وهذا من كمالاته عليه الصلاة والسلام، وليس فيه أي نقص قد يتوهمه ناقص الإيمان وعديم الأدب مع النبوة والأنبياء، وما اعتراضه الا دليل على جهل وتطاول غير مسلّم له.

[3] قول صاحب المنشور: (ثالثا:: هل يعقل ان النبي يقتدي باليهود في الصيام بعد أن رآهم يصوم يوم عاشوراء...!!).
التعليق:
أخشى أن يكون في هذا الكلام استهزاء واستخفاف بمقام النبوة، لأن الكاتب جعل نبيه صلى الله عليه وسلم متبعا في العبادة التي هي جوهر الدين، متبعاً ومقلداً لمخلوقين، أو مقلدا لدين من قبله من الأنبياء، وأطلق الكلام، ولم يذكر أو يشر أن للوحي في هذه الأمور الدينية مدخلاً أو تواجداً.
فنحن نعلم ونقر ونعتقد أن كل ديانة تنسخ في مجملها الديانات التي قبلها، إلا فيما لم نؤمر بمخالفته، كهذا الصيام. ولكن، من الذي له حق التشريع في اتباع شرع من قبلنا؟ إنه المعصوم صلى الله عليه وسلم.
وهناك قاعدة أصولية تقول: (شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت شرعنا بخلافه). وأصل هذه القاعدة هو الحديث الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس ، رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعره ، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم فكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه.
ونحن في صومنا يوم عاشوراء إنما اتبعنا نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو أمرنا بصيام يوم عاشوراء، بوحي من الله، لأن كلامه وتشريعه وحي، بنص الكتاب العزيز. فلماذا التشكيك؟؟.

[4] قول صاحب المنشور: (رابعا::السيرة النبوية تُخبرنا بأن النبي قد أجلى اليهود بعد غزوة الأحزاب س 3هـ .. ثم أجلاهم من خيبر إلى الشام س 7 هـ ..فكيف رآهم يصوموا يوم "عاشوراء" في السنه العاشره من الهجره قبل وفاته(.
التعليق:
هذا كلام مضطرب، وتعبير غير صحيح .. وهذه العبارة تدل بصريحها ومنطوقها على أن الكاتب لا يعرف أصل المسألة التي يتحدث عنها، ويخوض فيها.
لأنه لو علم وقرأ حديث عاشوراء المروي عن ابن عباس، في صحيحي البخاري ومسلم، وهو: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا»؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. 
فهذا الحديث يدل على أن المعصوم صلى الله عليه وسلم أمر بصيام عاشوراء في السنة الأولى، فصامه عليه الصلاة والسلام وصامه الناس معه، ثم شرع في السنة الثانية صوم رمضان. وعليه فقد اختلف أهل العلم، هل كان صوم عاشوراء فرضاً أم سنة، لحديث مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه في صحيح مسلم: "لما فُرض رمضان تُرك عاشوراء". قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في (فتح الباري (4/ 247): "ما ترك استحبابه بل هو باق، فدل على أن المتروك وجوبه".
فمن هنا يعلم جوابنا على استشكال الكاتب واحتجاجه بإجلاء اليهود عام الأحزاب ..

[5] قول صاحب المنشور: (خامسا:: هل ورد عن الصحابة الذين هم قدوتنا في اتباعهم للنبي-علية الصلاة والسلام- وهم أحرص الناس على اتباعه...بصيامهم ليوم "عاشوراء" ... لم نسمع ذلك عنهم ولاحتى عن سلفنا الصالح...!!!).
التعليق:
في هذا البند يظهر جهل كاتب المقال، وهزال معلوماته الدينية بشكل يدعو للأسف على حال أبناء المسلمين أن يصلوا إلى هذا المستوى من الجهل.
فهو لا يعلم أن الصحابة كانوا يمرنون أبناءهم الصغار على الصيام في يوم عاشوراء وغيره من الأيام الفاضلة، أخرج البخاري في (باب صوم الصبيان)، بسنده إلى الربيع بنت معوذ قالت أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه ، ومن أصبح صائما فليصم.
قالت: فكنا نصومُه بعدُ، ونصَوِّمُ صبيانَنا، ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار.
فأين غفل عن هذا الحديث وأمثاله؟؟

[6] قول كاتب المنشور: (سادسا:: وهو الأهم أين هم اليهود الآن من صيامهم لهذا اليوم.. فهل أصحبنا نقتدي بفعل اليهود وهم لايصومون هذا اليوم...!!).
التعليق:
وما دخلنا باليهود؟؟ صاموا أم لم يصوموا .. نحن مسلمون، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ونصوم اتباعاً لقوله وفعله، وما علينا بالكفرة الفجرة قتلة الأنبياء، وأعداء الله ورسوله ..

[7] قول صاحب المنشور: (اخيرا:: بما أننا أصبحنا نصوم يوم "عاشوراء" اقتداء باليهود ونحتفل بمولد النبي -عليه الصلاة والسلام-إذا وجب علينا أن نحتفل مع المسيحين في احتفالهم بولادة عيسى -عليه السلام- أو أن نصوم اليوم الذي رفع الله فيه عيسى إلى السماء...!!!).
التعليق:
نعيد ونكرر، نحن لم نصم الا اتباعا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وهو الذي شرع لنا هذا الصيام.
أما احتفالنا بمولده صلى الله عليه وسلم فهذا من توقيرنا له، وإشاعة لمحبته. وهذا الاحتفال ليس بفرض ولا سنة، بل هو عادة، تنطبق عليها الأحكام الخمسة، فقد يحرم وقد يكره وقد يباح وقد يندب وقد يجب .. وتختلف هذه الأحكام باختلاف الدواعي والأسباب التي تتعلق بمريد فعل المولد النبوي وبنيته من فعله.
وأما احتفال النصارى بنبي الله عيسى، فما دخلنا نحن المسلمين به؟ وقياس الكاتب الاحتفال بمولد عيسى عليه السلام بصيام عاشوراء فرحا بنجاة موسى عليه السلام، قياس غير صحيح.
لأن صوم عاشوراء سنة نبوية، وإنما عللها النبي صلى الله عليه وسلم بنجاة موسى، تأليفاً لقلوب اليهود، كما قال القرطبي في شرح مسلم (المفهم)، ولبيان منزلة أخيه نبي الله موسى منه صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: (نحن أولى بموسى منهم).
فصوم عاشوراء ورد فيه نص وتشريع نبوي إسلامي، بينما ميلاد عيسى لم يرد فيه نص يأمر بالفرح به، بل نهينا عن اتباع اليهود والنصارى في أعيادهم وأفراحهم.
ولهذا، فقد استقر الحكم في صوم عاشوراء بأنه سنة، ومندوب صومه، وأن فرضيته قد نسخت بفرضية رمضان.
هذا ما أردت أن أعلق به على المنشور السابق، لما توجه إلي طلب الكتابة في هذا الموضوع .. وأسأل الله تعالى أن يجنبني وأحبابي الزيغ والزلل.
ونسأله أن يحيي في قلوبنا حبَّ الدين والسنة، وأن يتوب علينا توبة نصوحا، ونهدي إلى روح سيدنا أبي عبدالله الحسين، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته في الجنة، وإلى أرواح من استشهدوا معه في كربلاء .. أطيب التحية والسلام، ولنقرأ ما تيسر من القرآن الكريم ونهديه إلى أرواحهم الطاهرة، وإلى أرواح أهلينا وأجدادنا وآبائنا في الطين والدين، والحمدلله رب العالمين.

وكتبه/ د. محمد أبوبكر باذيب، أستاذ العقائد والأديان
المحاضر بجامعة السلطان محمد الفاتح، إسطنبول
الجمعة 9 محرم 1434هـ/ 23 نوفمبر 2012م