الأحد، 27 أبريل 2014

ما قلت لك: أدي له من الخضراء(*) .. يمشيك !!

ما قلت لك: أدي له من الخضراء(*) .. يمشيك !!

دلف الأب الثري، إلى قاعة المناقشات في الحرم الجامعي
واستمع إلى مناقشة ابنه المدلل السمين ..
وبينما المشرف والمناقشون، في احتدام المناقشة
ومع تلعثم الابن .. وعدم إلمامه بمادة البحث الذي كتبه
له باعة الضمير، في سوق النخاسة الكتابي العربي

إذا بالأب يصرخ قائلا: ما قلت لك يا ولدي .. أدي له من الخضراء!!
لو كان أديت له .. كان مشاك!!



احمر وجه الابن بشيء من حمرة الحجل الموضعي المؤقت
وطالب رئيس الجلسة أن يخرج الأب من القاعة
(حفظاً لماء الوجه .. فيما زعموا!!)

وانفض اللقاء ..
ونجح الابن.
نجحت الوصفة!!

وتعين الابن المدلل أستاذا جامعياً في جامعة مرموقة ..
بسر الورقة الخضراء ..

هامش:
هذه وقائع قصة حدثني بها زميل للولد المدلل .. بعد سنين من الواقعة. وكانت المناقشة لرسالة ماجستير في التاريخ الإسلامي.
* الخضراء: الورقة ذات فئة 100 دولار!

الثلاثاء، 22 أبريل 2014

توضيح المعالم في التفرقة بين الواعظ والمتعالم والعالم



كتب إلي أحد الإخوة  .. يقول:
دار بيني وبين أخٍ عزيز نقاش حول المبالغة في وصف الدعاة إلى درجة العلماء ؛ بل الاستغراب ممن لا يقبل لهم هذا الوصف ؛ وكأنني أقصد انتقاصهم ، أو حسدًا لهم!!
فقال لي: مثل من ؟
قلتُ له: مثل الداعية الشيخ فلان ،
الرجل لم يستوعب كلامي !!. وقال مستنكرًا: هو معروف بالعلم ودرس عند المشايخ فلان، وفلان ... إلخ. وانقطع النقاش اضطرارًا ، على أن نكمل لاحقاً.
سؤالي: ما هي المعايير المنصفة المنضبطة المقبولة للجميع لصحة وصف الشخص و: "العالم"؟ وما هو السلّم الذي ينبغي أن يكون سلكه حتى وصل إلى درجة العالم.

أقول لأخي العزيز ولكافة القراء ..
كنت وعدت بالكتابة مرة أخرى حول هذا الموضوع. ولامانع من العودة إليه مرة أخرى.
بعض المتابعين لما كتبته سابقاً ظنوا أن النقد والمتابعة الحثيثة لإصلاح صفوفنا الداخلية تكمن في الأخذ على أيدي شباب تصدروا للدعوة أو للوعظ العام، مع نقص الإمكانيات العلمية، وحسب. وظنوا أن الكلام منصب على فئة (الشباب).
وهذا غير صحيح .. إنما نقدنا هو لمن فقد معيار ما يخوله أن يسميه الناس (عالما). ولو كان من لابسي أفخر المشالح، وأكبر العمائم. العلم لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، ولا ذكراً ولا أنثى، ولا سيداً ولا مسوداً. العلم شريف في نفسه، يبني من العدم بيوتاً، والجهل يهدم بيت العز والشرف.

وهل تظنون من يتسمون في زمننا هذا بمحدثي العصر، ومفاخر الدهر، ومحققي الأوان، وغير ذلك من الألقاب .. بمعزل عن النقد، وبمنأى عن أن تطالهم أقلام الناصحين. فليكنوا من أهل الحديث، أو من السلفيين، أو الصوفيين، أو أي فئة أو طائفة من طوائف المسلمين العديدة، ميزان العلم لا يختلف من فئة الى أخرى، ولا من طائفة الى غيرها. إما علم، وإما جهل.

... ماهي المعايير؟
السؤال هنا عن المعايير المنصفة المنضبطة المقبولة للجميع لصحة وصف الشخص و: "العالم" ؟ وما هو السلّم الذي ينبغي أن يكون سلكه حتى وصل إلى درجة العالم.
نعم .. نريد أن نحدد معايير العالم من غيره.
أما من حيث العلم الإجمالي، الذي يخرج به الشخص من حيز الجهل المطلق الى سعة العلم الجزئي .. فتعلم ما يجب معرفته من الدين بالضرورة. واكتساب بعض المعارف التي تنفي عنه صفة الأمية والجهل.
ولكن هذا لا يرقيه الى مرتبة العلمية الخاصة.
فمن هو العالم؟!
أجاب الإمام الشافعي عن هذا السؤال، ووضع أهم المعايير التي ينبغي لطالب العلم أن لا يخلي منها عمره، ولا تحصيله. في قوله:
أخي لن تنال العلم إلا بستة ** سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ** وصحبة أستاذ وطول زمان

فأولها: الذكاء، واتقاد الذهن، وجودته. لأن به يستطيع الإنسان تمييز العلم النافع له من غيره, فيحرص على جودة التحصيل، ونبذ ما لا يفيد.

الثاني: الحرص. أي على اغتنام العمر، لأنه إن ذهب خلياً في أوله، لم يفلح صاحبه في آخره. كما قال الشاعر:
وهل موسم إلا الشباب فإن مضى ** خليا، فباقي العمر يتلوه قافيا

الثالث: الاجتهاد. والمراد هنا الجد في الطلب، وعدم الكسل. وليس الاجتهاد الاصلاحي عند الأصوليين. وأخبار السلف في الجد في التحصيل كثيرة، يكفي لمعرفتها مطالعة كتاب العلامة الجليل الشيخ عبدالفتاح أبوغدة رحمه الله (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل).

الرابع: البلغة. أي: تحصيل القدر اللازم من المال الذي به يكتفي الإنسان عن الاحتياج الى الغير، مما يلزم منه التذلل لهم، وبقاؤه في ربقة الانصياع والائتمار للغير.

الخامس: صحبة الأستاذ. وهذه أهم المهمات، فمعرفة الشيوخ، وحسن انتقائهم، والتوافر على معرفة شيخ مربي تقي نقي عالم صالح، أمر لا يكون إلا بالتوفيق. ولا يتأتى التوفيق إلا مع الإخلاص في طلب الشيخ.

السادس: طول الزمان. وهذا قل من يتنبه إليه. فليس العلم يؤخذ في دورة صيفية من ذوات الأربعين يوماً، ولا في حضور درس شهري أو أسبوعي. نعم، تلك أمور مفيدة، تعين على معرفة أول الطريق، ولكنها وسيلة لما بعدها، وليست غاية. فالأحمق من ظن أنه بحضوره دورة في علم الحديث لمدة شهر سيصبح محدثا، أو بمجرد حضور مجالس سماع الصحاح في مدة معلومة سيصبح من أهل العلم. وكذلك من ظن أن تحصيل الإجازات يغنيه عن القراءة والتحصيل والطلب.
تلك أمور حسنة، ولكنها إذا عدم صاحبها التوفيق، والنظر الى ما بعدها وما وراءها، من ركوب متن الصبر، وامتطاء ذروة العزيمة والمجاهدة لبلوغ أعلى المراتب .. فإنها تكون مضيعة للعمر، مجلبة للسخط والفساد.

قال الإمام الحداد في (النصائح الدينية و الوصايا الإيمانية): "وأما الاتساع في العلوم الدينية النافعة ، والاستكثار منها، والزيادة على قدر الحاجة، فذلك من أعظم الوسائل إلى الله، وأفضل الفضائل عند الله، ولكن مع الإخلاص لوجه الله في طلب العلم، ومع مطالبة النفس بالعمل بما تعلم . وتعليمه لعباد الله، مريداً بذلك كلّه وجه الله والدار الآخرة" [ (ص: 98)].

والكلام يطول .. وخلاصة الأمر: أن من خلا عن تلك الأمور الستة التي ذكرها سيدنا وإمامنا الشافعي رحمه الله، فهو دعي في العلم، واليوم نرى أناساً يصدرون ويقدمون للناس، ويوصف الواحد منهم على أنه (محدث العصر)، وهو لم يلزم شيخاً واحداً، ولم يعكف أو يجث بركبتيه في مجلس شيخ، بل منهم من نشأ عاقاً لأبيه، مكباً على الصحف والكتب، وظهرت على يديه منافع ظاهرة، ولكنها مشوبة بما فيه تفريق للمسلمين، وتهجم على عامتهم، وتطاول على سلفهم، وإزراء بما عليه الأمة من تقليد لمذاهب دينية فقهية راسخة، فخرج الناس بسبب الجرأة على أهل العلم، من تقليد الشافعي الى تقليد الوادعي، ومن تقليد أبي حنيفة النعمان الى تقليد قاضي بني شوكان. وهلم جراً.

ومنهم من برز بمظهر الوعظ، وأجاد الكلام على شاشات التلفاز، وأصبح يقدم نفسه على أنه مصدر لمعرفة حديث الرسول، ولفقه السلف الفحول، فكل ما يقوله ذلك المنطيق، فهو خلاصة وعين الدين، وما سواه فهو الضلال المبين. فافتتن به الشيب والشبان، والعجائز والصبيان. وأصبح مرجعهم: حلقة الشيخ فلان، على شاشة قناة الإيمان، في ليلة الخامس من رمضان!! وضاع بذلك فقه الشافعي وأبي حنيفة النعمان، في زمن تشيخ الغلمان. والى الله المشتكى من هذا الحال .

فما هو الحل؟
الحل، هو أن يتجه الإعلاميون الى إبراز الواجهات العلمية الأصيلة، وأن يعودوا بالناس الى منابع العلم الراسخ، بتوجيه الأنظار الى المصادر الدينية الثابتة، التي حفظ الله بها دينه على مر العصور، وأن يعملوا على توثيق اتصال الناس بمصادر العلم الكبيرة، وأن يقوم أهل الغيرة بإسكات المضللين والمضللات، من أشباه العلماء والعالمات، وأن لا يسمح بالوعظ إلا لمن استكمل أدواته، وأجيز بالتصدر والوعظ من حملة العلم وحماته، وأتم دراسة وحفظ المقررات الموضوعة على أيدي ثقاته، وإلا بقينا في العمه والتيه، وفي مثال الحمار ذي الأسفار كفاية لكل نبيه.

ومن مقترحات السلم التعليمي لطالب العلم (شافعي المذهب):
-       حفظ القرآن الكريم أو ما تيسر منه، مع إتقان تجويده.
-       دراسة علوم القرآن، من كتاب مختصر فيها، مزبدة الإتقان، أو مباحث للقطان، أو التبيان للصابوني.
-       قراءة الكتب الستة، إن تيسرت، أو الصحيحين على الأقل، مع الموطأ برواية يحيى. ثم التوسع لمن أراد، بقراءة المسند الحنبلي، وما وراءه. كما يجب عليه تطلب قراءة كتب الموضوعات، وعليه بالمصنوع والمنار المنيف بتحقيق الشيخ عبدالفتاح، والمقاصد الحسنة، وكشف الخفاء للعجلوني. وغيرها من المطولات كاللآلئ المصنوعة للسيوطي، والفوائد المجموعة للشوكاني، ثم تنزيه الشريعة للكناني، وغيرها.
-       دراسة العقيدة، من متن الطحاوية، وبعض شروحها كشرح الميداني. أو النسفية مع شرح السعد وبعض الحواشي عليها، أو الجوهرة مع شرح الباجوري. أو الخريدة مع شرح الصاوي. أو السنوسية وشرحها الكبير. ويطالع مع ذلك بعض كتب الردود والمقالات، ومن أهم ما ينبغي طلبه في هذا الباب مقالات العلامة الكوثري، وسائر كتبه الأخرى.
-       دراسة النحو من الأجرومية مع التحفة السنية لمحيي الدين، فالملحة وبعض شروحها، فالمتممة مع الكواكب، فشرح القطر، فابن عقيل مع حفظ الألفية إن تيسر. ثم مطالعة التسهيل وشرح عليه.
-       دراسة علوم اللغة. من المعاني والبيان والبديع والبلاغة، فيحفظ متن الجوهر المكنون، ويقرأ شرحه، وحواشيه، والتلخيص للقزويني وشرح السعد، وينظر في المطولات، وفي مصنفات المعاصرين المفيدة في الباب.
-       دراسة علم المنطق، من إيساغوجي، وشروحه وأهمها شرح شيخ الإسلام زكريا، ثم السلم المنورق وشروحه، فالشمسية وشرحها للقطب، وألفية ابن شهاب وشرحها نظام المنطق.
-       دراسة الفقه بدءا بالمختصرات، كالسفينة وأبي شجاع، مع ابن قاسم، فالمقدمة مع المنهاج القويم أو بشرى الكريم، ثم فتح المعين، فالعمدة، ثم المنهاج مع المغني، ثم التحفة. فمطالعة التنبيه والمهذب.
-       دراسة الأصول: بدءا بالورقات، فشرح الحطاب عليها، فنظمها للعمريطي مع شرحه، فمراقي السعود وشرحه نشر البنود، فلب الأصول مع شرحه الغاية، فالمنهاج الأصولي مع شرح الإسنوي، فجمع الجوامع مع مطالعة حاشيتيه. ثم قراءة ومطالعة المطولات كالبرهان والمستصفى، ودراسات المتأخرين وتلخيصاتهم كأبي النور زهير، والوجيز لهيتو، وأمثاله من المعاصرين.
-       دراسة علوم الحديث، بدءا بالبيقونية وشروحها ومن أجودها شرح العلامة عبدالله سراج الدين، فالنخبة وشرحها وحواشيها، فالمقدمة الصلاحية وشرحها ونكتها للحافظ ابن حجر، فتدريب الراوي، فتوجيه النظر للجزائري وظفر الأماني للكنوي، وبقية رسائله ومصنفاته التي أخرجها العلامة أبوغدة، رحمه الله. كما أن كتب الأثبات والأسانيد لا يخلو النظر فيها من فوائد لمن تطلبها.
-       ثم بعد ذلك يطالع كتب التاريخ، بدءا بالسيرة النبوية، فيقرأ سيرة ابن هشام، فالسيرة الحلبية، فسيرة الدحلان، فما فوقها كسيرة الصالحي. ثم يطالع تاريخ الطبري، والبداية لابن كثير، فكتب الصحابة كالاستيعاب والإصابة. وكتب التراجم لمتأخر القرون، وتاريخ أهل بلده وأعلامهم، وأجداده إن كان من بيت علم، ليحصل له التأسي بهم. ولا يخلي يده من كتاب (الأعلام) للزركلي لفائدته.
-       ثم ينظر في كتب البلدان، ككتاب ياقوت، وابن الفقيه، وكتب المواضع كمعجم ما استعجم، والروض المعطار، وكتب الرحلات.
-       ولا يخلي وقته من النظر في كتب الأدب، وحفظ المعلقات، والمقامات الحريرية والبديعية، ويحفظ ما تيسر من شعر الجاهليين، فالمحْدَثين كالمتنبي وأضرابه، ويطالع في كتب الأمالي لفائدتها، كأمالي ابن الشجري، والقالي، واليزيدي. ومعجم الأدباء لياقوت، وكتب الأدباء المعاصرين كالرافعي ومحمود شاكر، وأمثالهم من أهل مصر والشام، وهلم جرا، والباب واسع جدا.

فإذا ما حصل الشخص هذه الكتب، ورقى في ذلك السلم التعليمي، أو ما يماثله، كانت الثقة بوعظه، وتمكن من التربع على كرسي الإرشاد والإفتاء والتعليم، وكانت له الصدارة عن جدارة .. ويعرف العالم بسمته، ورسوخه، ورزانته وبعد نظره، وتأمله في الوقائع والأحداث، ولا يعجل بالكلام دون النظر في محتوشات الأمور، نعوذ بالله من الغرور. 

وغير من تقدم وصفه، هو المتعالم: وهو شخص يدعي حيازة هذه العلوم، والاطلاع على منطوقها والمفهوم، ولكنه ينكشف عند الامتحان، وعند مطالبته بمقروءاته وذكر شيوخه.

أما الواعظ .. فهو دون ذلك بكثير، فيكفيه معرفة ضروريات الدين، وقراءة بعض كتب الرقائق والسلوك، وشروح بعض كتب الحديث، وحفظ بعض مقالات الصالحين، والتدرب على الكلام والخطابة، وإن أضيف إليه شيء من الذكاء واللباقة، كان ذلك حسناً. 
ووصف الداعية والواعظ بالعالم، من باب علمه بجملة من الأمور الدينية، وصف صحيح. ولكن وصفه بالعلامة الفهامة، ونحو ذلك من المبالغات، من الأمور الممجوجة، التي بسببها تشتبه الأمور على العامة، ويظنون كل صاحب عمامة، فقيهاً فهامة.
ومما يحسن بالداعية علمه، والنظر فيه، ليجزل خطابه، ويحسن نظامه، قراءة كتب الرقائق، ككتب حجة الإسلام الغزالي، وكتب ابن الجوزي، ومصنفات بعض المعاصرين، كالشيخ الداعية الكبير أبي الحسن الندوي، وكتب الداعية المصلح الشيخ محمد الغزالي، والأستاذ الغيور أنور الجندي، والأستاذ فتحي يكن، وأمثالهم، فهي مفيدة للداعية، وتعطيه أبعاداً دعوية، ومجالات متعددة للكلام والوعظ، والتأثير على المستمعين والمتابعين.
كما أن حفظ بعض الطرائف، والأخذ من كتب الأدب شيئاً من القصص والأخبار، أمر محبب للناس، ونحن نرى ونسمع كيف يكون تأثير القصاص على المجتمعات، حتى أن الأحاديث الموضوعة لم تسر في الأمة ويستشري شرها إلا من طريق مجالس الوعاظ والقصاص، وقديماً صنف السيوطي رحمه الله كتابه (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص). 

والله المستعان، وعليه التكلان. اللهم علمنا من لدنك علماً واسعاً يا ذا الجلال والإكرام.

الثلاثاء، 15 أبريل 2014

والدي؛ و«صحيح البخاري»



منذ نشأنا في حجره، وميزنا ..

سيدي الوالد الشيخ أبوبكر بن عبدالله باذيب حفظه الله


كان والدنا حفظه الله تعالى كثير التعلق بكتب العلم. ولم تكن تفارقه نسخته من «صحيح البخاري»، تلك النسخة العتيقة، التي حفظت له ذكريات عزيزة. وهي نسخة عتيقة، من الطبعة السلطانية، مضبوطة ومحررة، اقتناها في مكة المكرمة عند قدومه لموسم حج سنة 1378هـ. وهي السنة التي ولد له فيها شقيقي أبو محمد، محفوظ أبوبكر، حفظه الله.




كان أبي في تلك السفرة، بصحبة والده، الجد الشيخ عبدالله بن سالم باذيب (ت 1382هـ)، بعد قدومهما من بومباي، حيث أجريت عملية الماء الأزرق لعيني الجد، ولكنه لم يستفد منها، وظل بصره مكفوفاً الى وفاته رحمه الله سنة 1382هـ، وفيها كان وجود أخي عبدالله، الذي سمي على اسم جده.

حج الوالد والجد مع السيد المطوف، شيخنا الحبيب محمد بن صالح المحضار (ت 1427هـ)،

السيد المطوف محمد بن صالح المحضار رحمه الله

وكان معهم في المخيم، شيخ مكة، السيد العلامة علوي بن عباس المالكي (ت 1392هـ)،

السيد العلامة علوي بن عباس المالكي رحمه الله

كما اتفق في تلك السنة حضور سيدنا ومرشدنا الحبيب العلامة، أحمد مشهور الحداد (ت 1216هـ)، رحم  الله الجميع.

السيد العلامة الحبيب أحمد مشهور الحداد رحمه الله

ومن أخبار الحبيب أحمد مشهور، مما حدثني به أبي، قال: كان السيد أحمد مشهور الحداد، يأتي بالسنن النبوية على الوجه الأتم، ويحرص على اتباع ما ورد، حتى أنه كان يحتفظ بقصعة صغيرة بقدر المد، يستخدمها للوضوء، لا يزيد في وضوئه على قدرها.

وفي تلك النسخة، كانت قراءاته المتكررة للصحيح على شيخه السيد عبدالله بن مصطفى بن سميط في زاوية المسجد الجامع بشبام .. وقبلها كان يقرأ في النسخ المتوفرة في الزاوية .. وربما من نسخة قديمة من الصحيح كانت في ملك الأجداد.

شيخ شبام السيد العلامة عبدالله بن مصطفى بن سميط رحمه الله

وفي زاوية المسجد الجامع، كان للوالد، ولصديقه وزميله في الدراسة والطلب، الشيخ محمد جبران بن عوض جبران، صحبة وتآخي، وعلى مائدة «صحيح البخاري» في شهر رجب، كانا يلتقيان صباح مساء، فيحضران في الزاوية وقت اجتماع الناس، وإذا تفرق الناس، عكفا على القراءة بمفردهما، ليقطعا شوطاً في الكتاب، حتى يكون الختم في موعده المضروب له سلفاً. وكان الختم يكون يوم 27 رجب.

المسجد الجامع بمدينة شبام حضرموت

وسبب القراءة الانفرادية، أن القراءة بحضور العامة كانت بطيئة، وكان السيد عبدالله يشرح بعض الأحاديث التي تمر بهم في المجلس، أو يجيب على أسئلة السائلين. وهذا يحدث في أكثر حلقات القراءة في كافة البلدان.

رسالة من السيد عبدالله بن مصطفى لتلميذه الشيخ الوالد
يظهر فيها الاحترام الكبير بين الشيخ والتلميذ

كما أن عادة ختم «صحيح البخاري» متبعة في كثير من بلدان اليمن وحضرموت، وغيرها من بلاد العالم الإسلامي. وفي زبيد والحديدة والتهائم لهم عناية كبرى.

وكان سيدنا الجد، الشيخ العلامة المسند الفقيه، محمد بن أبي بكر باذيب (ت 1324هـ) رحمه الله تعالى، قد أحضر سند «البخاري» من شيوخه في زبيد وتهامة اليمن، وأشهر قراءة «البخاري» في شبام عقب استقراره فيها بعد أن أقام في مدينة الحديدة سنين طوال، لازم كبار فيها شيوخ عصره، قرأ عليهم، وروى عنهم، وقد ذكرهم في إجازته الحافلة التي كتبها للسيد العلامة أبي بكر بن سالم الحبشي، ولابنه السيد عبدالله بن أبي بكر، رحمهما الله، بمناسبة هجرتهما من شبام إلى أرض جاوة، سنة 1320هـ تقريباً. وقد نشرتها وتوسعت في التعليق عليها ضمن كتابي «المحاسن المجتمعة في مآثر الإخوة الأربعة».



ربنا انفعنا ببركتهم ** واهدنا الحسنى بحرمتهم

وأمتنا في طريقتهم ** ومعافاة من الفتن

الأحد، 13 أبريل 2014

(8) خواطر التناصح والإصلاح: بالهمم العالية، والقلوب الصافية، سادَ الأشرافُ آل باعلوي!


عرف الناسُ والتاريخ السادة بني علوي، رجال علم وتعليم، وإصلاح وتربية، وجد واجتهاد، يعملون ولا يكلون، يؤثرون الغير ولا يستأثرون. كل المجتمعات البشرية التي عاشوا فيها، تشهد لهم ببلوغ القمم في شتى المجالات، علم، وأدب، ودعوة، وخدمة، وبذل جاه، وسياسة.
عماذا تريدونني أن أحدثكم؟
عن أي جانبٍ من الجوانب التي يفخر بها بنو البشر برز فيه بنو علوي؟
عن أي مكانة سامية، ومرتبة عالية تسنموا ظهرها؟



سلوا التاريخ المكي، والمدني، فضلا عن التاريخ اليمني بعمومه، والحضرمي بخصوصه. طالعوا تواريخ مصر، والشام، والهند، والسند، وشرق إفريقيا، وشرق آسيا .. إن لم تجدوا فيها أثراً مباشراً، فستسمعون أخباراً تروى عمن عرفهم وخالطهم.

يقول فيهم حسان مدحهم، الشيخ أحمد بن عمر باذيب، في عينيته الشهيرة، التي امتدح بها صديقه وأخاه في الله، السيد الشريف العارف بالله والدال عليه، الحبيب شيخ بن أحمد بن عبدالله بافقيه، دفين سورابايا، سنة 1289هـ، نفع الله بهم:
يا لا ئمي في حب آل محمد ** إني بهم ما عشْتُ صَبٌ والعُ
نفسِي لهم رقٌ بلا ثمَنٍ فإن ** يرضُوا بها مني فإني بائعُ
أرجو يداً بيضاء بها عند الذي ** يوم القيام هو الوجيه الشافعُ
وأنالَ لذّة أنت منا لا تخَفْ ** فمحبّنا في روضِ أمْنِ راتعُ
وأرَى النجاةَ بها إذا زفرَتْ لظَى ** وبدَتْ لأهوالِ النشور فجائعُ
حَسْبي محبته ووُدّي آله ** فهم الأمان إذا قرعن قوارعُ

هذه الأبيات الجميلة الرائعة، استشهد بها كبار العلويين في كتبهم، وأوردها حجة السادة بني علوي، السيد الإمام علوي بن طاهر الحداد في كتابه العظيم (القول الفصل فيما لبني هاشم وقريش والعرب من الفضل)، وغيره.



إن هذا العنصر الكريم، والأصل الفاخر العظيم، يعز على من انتسب إليه، أو تشرف بالتقرب منه والدخول إلى حماه، أن ينال عالي بناه، أو يتطاول عليه من لا يطول مطاله.
* * *
وفي الانتصار لشرف هذا البيت الشامخ، ومنهجه العظيم السامق الراسخ، بذلت المهج، وأراق المحبون مياه وجوههم، بل ودماءهم، وبذلوها في سبيل الحفاظ على سلامة المنهج، والإبقاء على روح الطريق. سواء من أبناء البيت الصلبيين أو الروحيين. وهل منهج بني علوي ودعوتهم إلا روح الإسلام، وهل هم إلا ممثلون لطريق خير الأنام، عليه الصلاة والسلام.
بيت شريف سني، سليم الاعتقاد، وطريق سار فيها من الأئمة أطواد، وشادها الأبدال والأوتاد، وتنقل الشرف والفخر والعلم والفضل والدين، فيهم وفي أهل طريقهم، كابراً عن كابر، وأباً عن جد ..
أب يتلقى عن أبيه وهكذا ** فيالك من آباء كرامٍ وأجدادِ

وفي التشرف بخدمة منهجهم، والذب عن حماهم، يقول الشاعر الأديب، المقدم في طريقهم، والشارب من رحيقهم، شهاب الدين أحمد بن عمر باذيب، دفين سنغافورا، رحمه الله:

بني هاشمٍ أنتم مُرادي وبغيتي ** وحبكمُ في مهجتي صار ثَاويا
وجَدِّكم المبعوثِ من خير عنصُرٍ ** لحبكمُ أضحى بقلبي راسيا
وإني عليكُمْ مشفقٌ متودّدٌ ** إليكم بصدْقِ النصح لستُ محابيا
وأنتم رؤوسُ الناسِ والناسُ لم تزلْ ** لكم إن صلحْتُم أو فسدْتُم تواليا
أترضَون أن تبلى طريقة جَدّكمْ ** وتدرسَ ، أو أن يصبح الظلمُ فاشيا
وأنتمْ على وجْه البسيطة رتّعٌ ** تباهون بالدّنيا وتعلوا المبانيا!
إذا ما نأيتم عن طريقَة جَدكُم ** فلا عجَبٌ أن يصبح الغيرُ نائيا
لأنكمُ أولى به من سِواكمُ ** وأنتم له نعْمَ الولي المواليا
بكمْ يُقتدَى إذ أنتمُ مظهر الهدى ** ومطلعُ نورٍ صَار في الأرض باديا
 ألا عزْمةٌ سبطيةٌ هاشميةٌ ** ليصبحَ منها عاطل الدين حاليا
ويبيضَّ وجْهُ الدين بعْد اسْودادِه ** فأيامه بالجهْلِ صرْنَ لياليا
وإني لأخشى إنْ تمادى سكوتكُمْ ** عن الدّينِ أن يضحي له الجهل نافيا
ويضْحي البرايا حائرينَ يسُوسهمْ ** هواهُم، وإبليسٌ يقود النواصيا
إلى النارِ! لا يدرونَ بالدين جملةً ** وما أحدٌ بالدين منهم مباليا
ألا فانتضُوا سيفَ العزيمة وافلقوا
** به رأسَ إبليس الذي كان غاويا
دراكِ بني الزّهراء من قبل أن يُرى ** بنا ذلك المخشيُّ أو أن يوافيا
دراكِ بني الزهراء إن ثمّ مدْركٌ ** وإن ذائدٌ عن بيضَة الدين حاميا
فأنتمْ مفاتيحُ الفلاح وإنّما ** بكُمْ جاوز الدينُ الثريا تعاليا
وإن صلُحَتْ نياتكم وتحسّنتْ ** كفتكم سيوفَ الهندوان العواليا
ألا فاقبلوا نصْحي وإن كنتُ قاصرا ** ضعيفاً حقيراً خاملَ الذكر خاطيا
فإنّي ومن أوصَى كمَن طاح في الردى ** فحذَّر مشّاءً إليه وآتيا
فدونكمُ القولَ المنمّقَ فاعملوا ** عليه وخَلّوني وقبحَ فعاليا
على أنكُم لا تهمِلُوني فإنني ** لعَمْرُ أبيكم للعظيم المساويا
ولا تحرِمُوني دعوةً من دُعائكم ** لعلي بها فضلاً أنال الأمانيا
وأدركَ عفو الله عني وأنثني ** من الأجر بالحظ الموفّر راضيا
فلي حُسْن ظنٍّ في إلهي، ومَن أتى ** إليه بحسن الظن أصبحَ ناجيا

بهذه الأبيات، والإشارات البينات، والكلمات الغاليات، أصِلُ مع أحبتي وإخوتي في المنهج، ومن هم أحبُّ إلى قلبي من نفسي وأهلي، إلى نهاية مطافٍ قدر لي ولهم أن نعيشه، وأن نتواصى فيه بالحق، ومن تأذى مني، أو استثقل كلامي، فإني أعتذر إليه، وأبادر بطلب العفو والصفح منه، فوالله إن الحق مر، وكلي ذنوب وأخطاء، وجزى الله خيراً من استمع إلى هذه الكليمات التي كتبتها، والسطور التي سطرتها، فما قصدت بها إلا وجه الله، وإلا الذب عن شرعه وعن حمى أهل الله، وأوصي نفسي ومن أحب بالتشمم إلى القمم، وليخزأ وليخسأ من ظن أني بما كتبت ونشرت أعرض بأحد، أو أعين الحاسدين على إخوتي.

لا والله! ولساعةٌ من عمل داعية إلى الله، يهدي به الله قلباً إلى طريق الحق، وتدمع فيها عين مسلم موحد، أو يدخل فيها الإسلام على يدي أحد هؤلاء الدعاة الذين بذلوا أعمارهم وأنفسهم ونفيسهم في سبيل الدعوة، خير من ملء الأرض من مثلي وأضعاف ذلك.

أيها الإخوة الدعاة إلى الله، سيروا إلى الله عرجاً ومكاسير، ولا يضركم من خالفكم، ومن خذل عن طريقكم، فأنتم على ثغور عظيمة، وأنتم أكرم وأجل وأرفع من أن تتأثروا أو تنكِصُوا على أعقابكم لمجرد سماع صوتٍ أرادَ صاحبه أن ينبهكم إلى ما ينبغي سلوكه، وما يجب الحذر منه، فأنتم شاماتنا، وبكم نستروح عبق الأشياخ المرشدين. ولا نريدكم إلا أن تكونوا في مقام الكمال، ما دمتم رغبتم في سلوك سبيل الكمّل من الرجال. فاستغفروا لنا الله في قيامكم وتهجدكم، وادعوا لإخوانكم المقصرين عن بلوغ شأوكم، فما أسهل الكلام، وما أصعب العمل. سيروا على بركة الله، ونحن معكم، ولن تروا منّا إلا كل مودة ومناصرة، وسيعلم المتشفّون لمن عقبى الدار.
اللهم اغفر لي ولإخوتي، ولكل من نصحني سراً، ولكل من أسدى إلي معروفاً، ولكل من نبهني على خطأي، وأخذ على يدي، واغفر لمن أسأت إليه، أو تأذى مني ظاهراً أو باطناً، فما قصدت إلا النصح والتواصي بالحق، فإن كنت وفقت في ذلك فلك الحمد، وإن كنت أسأت فأستغفرك يا غفور يا رحيم.

سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

كتبه/ محمد أبوبكر باذيب

سحر الاثنين 13 جمادى الأولى سنة 1435هـ

مقارنة بين كتابي تحفة الدهر، واللآليء الثمينة، للداغستاني المدني


من كتب التراث الإسلامي، المختصة بالمدينة المنورة وأعلامها وتاريخها، كتاب عنوانه (تحفة الدهر ونفحة الزهر في أعيان المدينة من أهل العصر)، لمؤلفه عمر بن عبدالسلام الداغستاني المدني، (ت بعد 1202هـ/ 1788م)(1).
هذا الكتاب ذكرَه البغدادي في (إيضاح المكنون) وسماه (تحفة الدهر في أعيان المدينة المنورة من أهل العصر)، وتابعه الزركلي بالحرف.



قام الداغستاني بتأليف هذا الكتاب في الآستانة، التي قدمها سنة 1201هـ/ 1787م، بطلب من الخليفة العثماني. وكانت نسخة من هذا الكتاب محفوظة في مكتبة عارف حكمت، ولا تزال، ولعل أحداً استعارها من المكتبة، فشغر مكانها فيها، فظُنَّ أنه اختلسها، كما يشير إليه كلام الزركلي(2)، والحق أن هذه النسخة لا تزال حتى اليوم من مقتنيات مكتبة عارف حكمت، ومحفوظة تحت الرقم 1288 عام. عليها تملك باسم السيد زين صافي الجفري، الذي استنسخ تلك النسخة. وهي في 255 صفحة، كتبت بقلم حمزة بن العربي التفرتي المدني، غير مؤرخة.

تجدر الإشارة إلى أن للداغستاني كتاباً آخَرَ في الموضوع نفسه، وهو كتاب (اللآليء الثمينة في أعيان شعراء المدينة)، وهو مشابه إلى حد بعيد أسلوب وتصنيف كتاب (تحفة الدهر)، فكلاهما يشترك في تخصيص الحديث عن أعيان المدينة المنورة، وبخاصة أدباؤها وشعراؤها، غيرَ أن (اللآلئ) أكثر تخصصاً، حيث أفرد لتراجم الشعراء، وأهمِل من عداهم.

عدد تراجم كتاب (اللآلئ) يبلغ 115 ترجمة، بينما عدد تراجم (التحفة) لا يتجاوز 57 ترجمة. وقد تضمن كتاب (اللآلئ) جل تراجم (التحفة)، ولم يشذ سوى شيء يسير جدا، ولعل لاختلاف النسخ دوراً في هذا، لأن الناظر في الكتابين يقطع جزماً بأن تراجمَ شخصيات (التحفة) ليست إلا مأخوذة من (اللآلئ)، مع اختلاف في العبارة، وإعادة للصياغة. وتاريخ تأليف (اللآلئ) فيما يبدو متأخر عن (التحفة)، فقد أرخ الداغستاني تأليفه بعام 1201هـ/ 1787م، وكان شروعه فيه بعد وصوله إلى إستانبول، حيث طلبه السلطان العثماني للوفود عليه. وأما (التحفة) فلا يعلم تاريخ تأليفها.

تردد اسم عمر الداغستاني لدى بعض المؤرخين؛ فقد أكثر المؤرخ عبدالرزاق البيطار من ذكره في كتابه (تحفة البشر في تاريخ القرن الثالث عشر) ونقل عنه عدداً غير قليلٍ من تراجم المدنيين من أهل ذلك العصر، وكثيرا ما يكرر عبارة: "وهو من رجال (اللآلئ الثمينة في أعيان شعراء المدينة)، لعمر بن عبدالسلام المدرِّس الداغستاني".  كما استشهد ببعض الأبيات الأدبية والمساجلات الشعرية له ولغيره من مُتَرجَميه، وذلك كثير منتشر في كتاب البيطار. وهو تارة ينقل عنه بدون عزو إلى كتاب بعينه، وتارة يعزو إلى كتابه الآخر (اللآلئ الثمينة).

وأمام التساؤل: هل (تحفة الدهر) هو (اللآلئ الثمينة)؟ فقد ذهب الزركلي(3) إلى أن الكتابين كتابٌ واحِد، منبِّهاً في هامش ترجمة عمر الداغستاني إلى أن البيطار في (حلية البشر) قد سمَّى (تحفة الدهر) باسمٍ آخر هو (اللآلئ الثمينة)، وهذا وهمٌ من الزركلي. فإن عمر الداغستاني له كتابان كلٌ منهما مختلفٌ عن الآخَر، والذي كان ينقل عنه البيطار ويعتمِدُه هو (تحفة الدهر)، وهو أوسع بكثير من (اللآلئ) ومخالف له في الترتيب والتصنيف، كما تم بيانه آنفاً.

قسم المؤلف كتابه (تحفة الدهر) إلى أربعة فصول:
الفصل الأول ـ في السادة الأشراف.
الفصل الثاني ـ في العلماء الطيبين الأوصاف.
الفصل الثالث ـ في العلماء الكرام.
الفصل الرابع ـ في الأدباء الفخام.




الهوامش:
1-    لعل هناك خلطا بين سنة وفاة عمر الداغستاني وبين سنة وفاة أبيه، فإن الزركلي أرخ وفاة أبيه عبدالسلام في سنة 1202هـ/ م نقلا عن مقال الدفتردار، وأرخ وفاة مؤلف التحفة بعد سنة 1201هـ/ م تخمينا منه وأخذا من سنة تأليف الكتاب. على أن محقق كتابه الآخر (اللآلئ الثمينة) قد ذهب إلى أنه توفي قريبا من سنة 1206هـ/ م، وأما البيطار فقد احترز عن التخمين، وتخلص بقوله: "لم أقف على تاريخ مماته". ينظر: البيطار، عبد القادر، حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، تحقيق: محمد بهجة البيطار، جـ 2 (دمشق: د.ت،1380هـ)، 1115 – 1129؛ البغدادي، إسماعيل باشا، إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، جـ 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1413هـ/1992م)، 247؛ الزركلي، خير الدين، الأعلام، ط 13، جـ 4 (بيروت: دار العلم للملايين، 1409هـ/ 1988م)، 70، وجـ5، 50.
2-             الزركلي، جـ5، 50.

مصدر المقالة:
موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة، جـ6، 200-201.

محمد باذيب


الاثنين، 7 أبريل 2014

شيم العلماء عند موت مخالفيهم



من عظيم أخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه كان حريصاً على ألفة المجتمع المسلم، حريصاً على وحدته، فكان مع علمه بنفاق المنافقين، إلا أنه كان يتألفهم، ويبتعد عما يثير الخلاف فيما بينهم، لرأب الصدع، ولتربية المجتمع على نبذ العداوة والحسد والغيرة، فبناء الإسلام لا يعلو بالأحقاد، ولا بأسلوب تصفية الحساب.

وهاكم هذه الحادثة الشهيرة في كتب السنة والسيرة ..
قام رجل من المهاجرين بضرب رجل من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: ما بال دعوى جاهلية؟، قالوا يا رسول الله: كسع (= ضرب) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي ـ صلى الله عليه وسلم - فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم -: دَعْه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه .. رواه البخاري

وهذه واقعة أخرى، عن جابر بن عبد الله، قال: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم هوازن بين الناس بالجعرانة، قام رجل من بني تميم، فقال: اعدل يا محمد، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، لقد خبت وخسرت إن لم أعدل» قال: فقال عمر: يا رسول الله، ألا أقوم فأقتل هذا المنافق، قال: «معاذ الله أن تتسامع الأمم أن محمدا يقتل أصحابه» ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا وأصحابا له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين، كما يمرق المرماة من الرمية»(1)

مثالان رائعان يصلحان لكل زمان ومكان في النظر إليهما بعمق، ليتعلم المرء، لاسيما صاحب القوة والبأس والسلطان، والاقتداء بخير البشر، في كيفية التعامل مع الآخرين، لاسيما المخالفين وحتى الأعداء أو المنافقين.

وهذه قصة من واقع تراجم علماء المسلمين:
فمعلوم ما كان بين العلامة المحقق الشيخ محمد عبدالحي اللكنوي (ت 1304هـ) وبين عصريه الأمير السيد صديق حسن خان القنوجي البهوبالي (ت 1307هـ) رحمهما الله، من خلاف، وردود، بلغت من الشدة الى حد كبير. حتى وصفها العلامة السيد عبدالحي الحسني في (نزهة الخواطر) بأنها تأباها الفطرة السليمة!.
ومع ذلك ..
فعندما بلغ الأمير (الملك مجازا) صديق خان، وفاة عصريه الشيخ عبدالحي، حزن عليه حزنا شديداً، وما أكل الطعام في تلك الليلة، وصلى عليه صلاة الغيبة، وأعلن الحداد في عموم إمارة بهوبال، نظراً إلى سعة إطلاعه في العلوم والمسائل(2).

هذا نموذج مشرق مشرف من تعامل المسلمين مع بعضهم، سيما أهل العلم، وذوي المكانة الدينية، والهيئة الإسلامية العامة.
فلنقارن حالنا اليوم بحالهم ..
أيصح من مسلم أن يجرح قلوب المكلومين على فقد عزيزهم بذكر مخالفته له؟
أين ذهبت هيبة الموت وقشعريرته ورجاء الخير لمن مات على الإسلام؟
فضلا عن أن يكون الميت ممن شاب في الإسلام وبلغ حد تسميته عتيق الله في أرضه؟

إن نقد الأفكار، وتحليل المواقف، والصدع بالبيان فيما يرى فيه خلاف أو شق لعصا المسلمين، أمر مطلوب، بل هو واجب العلماء والمفكرين والدعاة، ولكن عليهم أن يكتبوا كتابات مستفيضة، ويقوموا ببسط أفكارهم وما يريدون إيصاله للآخرين بعرضها عليهم، مختتمة بنتائج بحثهم في أفكار الأشخاص المنتقدين. لا أن يختزلوا أفكاراً، ربما كانت مسبقة، عن أشخاص، دون القيام بتحليل الأفكار والاطلاع على كل التراث المكتوب. 
فكل يؤخذ من كلامه ويترك، وما هناك معصوم إلا أنبياء الله ورسله عليهم صلوات الله وتسليماته، ولكل مسلم غيور الحق في رد ما يراه ويطلع عليه مما يخالف فيه كاتبه أو قائله، لكن مع العدل والإنصاف، وذكر المحاسن، وعدم غمط الفضل لأهله. 
إن الذي أصابنا من توتر في مجتمعنا الإسلامي، وفي حياتنا العامة، كان بسبب ضيق الصدور عن استيعاب المخالفين، والنظر الى النفس نظرة فيها بعض التعالي أو التنزيه للذات عن العيوب، بعيداً عن هضمها واحتمال صواب الغير وخطأ النفس. كما كان عليه السلف الصالح، وكلام الإمام الشافعي شهير في الباب، حيث قال رحمه الله: كلامي صواب يحتمل الخطأ، وكلام غيري خطأ يحتمل الصواب.

وعن نفسي .. كنت أسمع في مجتمعي، من كثير من الناس، ذكر أشخاص من العلماء والأعيان، يرمونهم بالتشيع، وببغض الصحابة، والبعض بالتوهب والتكفير، ثم لما اتسعت في البحث، وطالعت مؤلفات أولئك الأشخاص، وجدت البون شاسعاً، والفروق كبيرة، بين ما يشاع عنهم، وما هم عليه حقيقة. فما عدت أصدق كل ما يقال، ولا أكتفي بقراءة بعض المؤلفات، ومن لم أقف على كل أعماله، فإني أتجاوز الحديث عنه، والحكم عليه، والتحليل لشخصيته وفكره إلا بعد اكتمال حضور أعماله بين يدي. لأني إن تحدثت عنه قبل الاستقصاء أجرمت في حقه، وظلمته.

اللهم ألف بين قلوب المسلمين


الهوامش:
(1) مسند أحمد مخرجا (23/ 123).

(2) المصدر: نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر = الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام (8/ 1269)

(7) خواطر التناصح والإصلاح: هذا ما أنكرته على الدعاة غير المتأهلين للدعوة


أرسل لي أحد الإخوة الكرام، رابطاً لكلمةٍ  كتبها أحدهم، بعنوان (رفقا بالدعاة يا طلاب العلم).
ينتصر فيها للدعاة. ويعرّضُ بمنشورات سابقة لي انتقدت فيها أموراً عبتها على بعض الدعاة والمتصدرين.  ولسانُ حاله، يوافق قول أخ كريم آخر، كان قد صرح لي من مدة مؤنباً إيايَ على نشري مقالات التناصح، قائلاً: نرى أن طلاب العلم أكثر نقداً لغيرهم، ونرى أن الدعاة أكثر تلاقياً منهم، وأكثر قبولاً ومحبة لبعضهم البعض. هذا كلامه، وأنا أخالفه فيه، لأنه يفهم أن على أهل العلم السكوت عن أخطاء الآخرين، ولو كانت شرعية ودينية، والسكوت عنها محرم ..

وأقول له: من ذا الذي ينكر فضل الدعاة!!. وأنهم قاموا بتحمل واجب كبير عن أمتهم.
ولقد قلت، ولازلت أقول وأكرر القول:  إنه من واجبنا مؤازرة الإخوة الدعاة والدعاء لهم بالتوفيق والسداد.
ولكن .. ليت دعاتنا واخواننا في مدرسة حضرموت يقومون بدور اجتماعي ودعوة للشباب الضائعين على الأرصفة بدﻻ من تكرار المواعظ في مناسبة واحدة، وفي مجلس واحدٍ. ألا ترون معي، أن من يحضرون المجالسَ العامة الموسمية والشهرية،  هم بحاجة إلى تعلم الأحكام الشرعية، وإلى مزيد من فهم الكتاب والسنة وبيان عظمة الدين، أكثر من غيرهم. فقد حفظوا المواعظ ووعوها جيداً.
لماذا لا نجدد في لغة الخطاب، ونرتقي بأفهام الناس ووعيهم في كل مرة إلى مرتبة أعلى مما سبق في أعوام ومواسم ماضية.

على أن منشوري هذا إنما هو لبيان أمر مهم ، فيجب علي ذكره وتوضيحه لمن لم يتابع منشوراتي السابقة، واكتفى بسماع ما ينقل إليه،  وظن أني أنكر على الدعاة المؤهلين الصادقين مع أنفسهم ومع الآخرين، لمجرد تصدرهم او قيامهم بالوعظ والدعوة، دون معرفة الأسباب الداعية للكلام وبذل النصح: إن الذي انكرته في منشورات لي سبقت على تصدر الجاهلين والمهممين غير المؤهلين. انما هي امور اولية ﻻ ينبغي للمسلم العادي جهلها، فضلا عن داعية مترسم، يظن فيه أنه قد أتقن شيئاً من أساسيات العلم والدعوة، بينما هو خلو منها، خالي الوفاض تماماً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن الذي أنكرته يتلخص في التالي:

الأول: كلمات في العقيدة ترد على ألسنة بعض الوعاظ، موهمة للتجسيم، بل هي شديدة اﻻيهام. كقول أحدهم: إنه في ليلة اﻻسراء والمعراج التقى الحبيب بحبيبه، والتقى الخالق بالمخلوق. هكذا قالها صراحة، بلفظه بحروفه. والحال: أن هذه العبارة صريحة بوقوع مواجهة بين الحق تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم، وهو تجسيم صريح. وهذا خطأ فاحش، بل منكر من القول يجب التحذير منه.

الثاني: إتيانهم بأحاديث ﻻ أصل لها، إما موضوعة نص عليها الأئمة الحفاظ، أو مما لا أصل له، أو مما ورد في مصادر شيعية بحتة، ليس لها سند حتى عند الشيعة أنفسهم.
فينسب ذلك الداعية للنبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله وما لم يثبت من فعله عليه الصلاة والسلام. كيف نسكت على مثل هذا الهراء والتزوير والتزييف في حق العلم والسنة والدين!؟ وأين ذلك الداعية الزاعم أنه ينشر محبة النبي صلى الله عليه وسلم ودينه وشريعته وهو يسوق الأحاديث المكذوبة؟ ألم يبلغه النهي الشديد في الكذب على رسول الله، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحدكم»، وحديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»!؟.

الثالث: نقل بعضهم حكماً وعباراتٍ بنصها وفصها وحروفها من مواعظ البابوات، ومواقع النصارى العرب. وقد عددت لأحدهم أكثر من 15 عبارة ناقلها بحروفها عن البابا شنودة وغيره من القساوسة.
داعية مسلم، يلبس لباس أهل الدين، وعليه سيما الدعاة إلى الإسلام، وينتسب إلى طريقة شريفة سُنية سَنية علوية، ثم لا يجد من المواعظ في كتب أشياخه وسلسلة سنده، ما ينقله للناس! ..
فليأخذ من كتب العلماء من غير طريقته، فليأخذ من كتب الأئمة الكبار المشهورين .. فلينقل حديثاً نبوياً .. هل انتهى كل ذلك!! أفيعدم شخص مترسم بالدعوة وسيما الدعاة نصاً عن أهل الإسلام!! حتى لا يجد سوى مواعظ النصارى؟! وليته نسبوها للبابا في معرض دعوة النصارى .. ولكنهم اتوا بها في سياق مواعظ لإخوانهم المسلمين!!. وتريدوننا أن نسكت!؟

الرابع: إسفاف البعض في الموعظة، فهذا واحد منهم يشبه الطواف بالكعبة بطواف الحيوان المنوي حول البويضة. ويقول: سر هذا الطواف من ذلك الطواف. لنفرض أن ذلك صحيح عند الأطباء، وعلماء الإعجاز .. فلنا أن نتساءل ونقول: فما بال نطفة الكافر!!؟. أين ذهب عنه سر طواف نطفته!؟
يا جماعة الخير .. للناس عقول، وللناس ذوق، هؤلاء الدعاة قتلوا الذوق الصحيح، واغتالوا النظر الفسيح، كلامهم يدور حول الأسرار والأنوار، وأين هم من مجاهدات أسلافهم؟ وعلومهم وأعمالمهم؟!.

الخامس: نقل بعضهم نصوصاً من كتب بعض الأكابر، مع تحريفه أو النقص منه. كنقل البعض عن كتاب (الدعوة التامة) للإمام الحداد، الذي ما فتئ في كتابه ذلك يبكت المترسمين عن غير جدارة، والدعاة عن غير تأهيل. وما فتئ يذكر الدعوة مقرونة بالعلم في كل الكتاب .. فأخذ منه ذلك البعض ما يخص الحثّ على الدعوة وحذف ما يخص الحثّ على العلم. مع أن الكلام كان في سياق متحد. وهذا تصرف غير محمود.
 

سادسها:؛ ولعلها أفحشها: انتساب بعضهم إلى الأكابر من الشيوخ، وإيهامهم المدعوين أنهم تلامذة للعالم الرباني الفلاني، أو أنه تخرج على يديه. بينما هو لم يقرأ عليه حرفاً، ولم يحقق عليه مسألة، وغاية أمره أنه ربما نال منه إجازة للبركة. فلماذا يتشبعون بما لم يعطوا؟ وهل أصبح سوق الوعظ والإرشاد رائجاً بمجرد لبس الجبة والعمامة؟ وبمجرد الحصول على إجازة في الورد والراتب؟.

سابعها: أن بعضهم لم يكتف بالوعظ. بل افتتح دروساً في كتب لم يهضمها، بل لم يدرسها، ولم يقرأها على شيخ أو أستاذ، أو حتى يكون له إجازة فيها! على أقل تقدير!.
هذا هو التطاول بعينه، بل الجرأة على العلم والدين، كان الواجب عليه أن يسير هو إلى مجالس العلم ويدل المدعوين الذين التفوا حوله على اهل العلم. لا ان يغشهم، ويلقي عليهم كلاماً لا يمت للعلم بصلة، بل ويبقي عليهم حوله، كي لا يذهبوا للغير. وقد شاهدت بنفسي وأخبرني من كان بتلك المثابة، ثم تعرف على طريق أهل العلم، فرأى الفرق والبون الشاسع، فتحول عن شيخه الأول، بل وأصبح يعاديه، ويعتقد أنه غشه وضحك عليه.

هذا ما عبته في منشوراتي. وهذه هي النقاط التي أنكرتها على من رأيت وسمعت وعلمت من أصناف الدعاة. وأستغفر الله لي ولهم. ما قصدت هتك ستر احد منهم. وﻻ التشهير به. ولكنها أمور تراكمت خلال عقدين من الزمان، أنتجت لنا نماذج مشوهة، لا يليق بنا التغاضي عما يفعلونه، ولا السكوت عما يصدر عنهم من مهازل وأمور لا يصح نسبتها لطريق أو منهج بل ولا لدين الإسلام الخاتم. وإني لفي شغل شاغل عن عيوب نفسي، فضلا عن أتتبع عيوب غيري. وانما انكرت ما ذكرته حماية لجانب العلم والدعوة والدين. وتنبيها للناس على خطر القول على الله بغير علم. والله الموفق والمعين.