‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر دعوية واجتماعية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر دعوية واجتماعية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 27 مارس 2019

ودَاعاً عَالم الشّامِ - في وداع العلامة الدكتور البوطي رحمه الله وغفر لنا وله


ودَاعاً عَالم الشّامِ
بقلم / محمد أبوبكر باذيب
الهند، 23 مارس، 2013






وكانت في حياتك لي عظات ** وأنت اليوم أوعظ منك حيا

اليوم سيوارى الثرى، عالم الشام بلا منازع، عبد ربه، الفقير إلى رحمة ربه ومغفرته، الرجل الذي عاش ملء السمع والبصر، العالم الفذ الذي لا يشق له غبار، ذو التصانيف البهية، والكلمات العذبة الندية، الذي كم نهل من معين علمه الموافق والمخالف، الذي كانت مجالسه مجالس علم وخشية، الرجل الذي كم استدر بحسن بيانه وفصاحته الدموع، وكم أطرب الآذان وأبهج النفوس بتلك المعاني التي يغرفها من بحر الحكم، والذي قاوم المادية العلمية بسلاحها الفكري، والأديب المترسل صاحب القلب العطوف، الذائق المحب العابد الذاكر، الرجل الذي ثبت على مبدأه ولم يحد عنه، حتى قضى نحبه في الأرض المقدسة التي ولد على ثراها، وهاهو اليوم سيودع ثراها .. محمد سعيد ابن الشيخ العارف بالله الملا رمضان البوطي الكردي الشافعي الأشعري النقشبندي.


اليوم سيوارى جثمانك الثرى ..
اليوم سيلقي عليك أهلك ومحبوك نظراتهم الأخيرة ..
أيها العالم الذي انتفع الناس بعلمه، وأنا ممن تتلمذ على كتبك، وانتفعت بها كما انتفع بها الآلاف غيري .. لم أكتب هذه السطور لأرثيك، ولم أكتبها مدحاً لك، أو إشادة بعلمك، فمن أنا ومن أنت، وماذا عساني أن أقول في هذا الباب، فلا ينكر فضلك وعلمك إلا حسود أو حاقد. ولو أن مخالفيك أنصفوك، لما افتروا عليك ما افتروه، وتشفوا من مقتلك كما سمعنا وقرأنا ..
إنما أكتب هذه السطور، ودمعي يتحدر، وعبراتي تسابقني .. أتذكر معها شهداء الشام، وتتمثل أمام عيني صور الأشلاء ممن حصدتهم آلة القتل المجنونة، في فتن عمياء بكماء صماء .. وأمام عيني وناظري صور الأطفال الصغار الذين ذبحوا بلا رحمة ولا هوادة، صور النسوة اللواتي تدرعن بالسواد، صغاراً وكباراً .. صور المقابر الجماعية والأخاديد التي حفرت لتستوعب تلك العشرات والمئات من موتى المسلمين ..
أيها الراحل .. سنفتقدك عالماً، ناصحاً، صاحب مبدأً .. نعم، لا ننكر هذا. ولكن: هل ترانا سنفردك بالبكاء والدموع دون أولئك .. هل سننسى في غمرة أحزاننا أحزاناً ودموعاً لم ترقأ، وأكباداً حرى .. وأيتامى وأيامى .. كلا، فهو أمر صعب جداً على كل ذي نفس حرة، وعلى كل من في قلبه ذرة من الرحمة. لن ننسى شهداء الشام والمظلومين الذين ماتوا ونبكيك منفرداً .. فرحمات الله عليكم أجمعين. وكل منا ومنكم سيلقى الله منفرداً، وسيحاسب على عمله منفردا، (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
أيها الراحل .. كلنا إلى الموت نصير، وكلنا إلى القبر راحلون:
ومن لم يمُتْ بالسيفِ ماتَ بغيره ** تعدّدتِ الأسبابُ والموت واحد
كان قدرك أن تكون من أبناء الشام، ومن أبرز أعلامها، وكبار علمائها .. وأن تمتحن في حياتك بالقرب من الحاكم الغاشم، ليتك لم تكن كذلك .. لكنه قدرك.
كان قدرك أيها الراحل الكبير، أن تكون في ذلك الموضع الذي أقامك فيه ربك .. فتكون للناس فيك دروس وعبر، وأي عبر.
تمنيتُ لمن في علمك وشموخ كبريائك أن لا يكون ممن يمتهنهم ذلك النظام الخسيسالوضيع النذل القذر  ..
ألم يكن في مقدورك أن تعيش بعيداً عنهم!!
ألم يكن في مقدورك أن تهاجر من ديارك كما فعل غيرك!!
كان في مقدورك ذلك، ولكنك كنت تتمثل ثبات الأوائل في حماية الأوطان .. وكنت ترجو أن تطفأ نار الحرب، وأن تحقن الدماء التي خشيت عليها أن تراق .. ولكن: اتسع الخرق على الراقع، وأتى أهل الشام ما كنت تخشاه. فكان وقوفك غير محمود، وبقاؤك في موضعك ذاك ..  قرة عين المبغض والحسود ..
لا فائدة من التمنيات .. قدمت على ربك، وهو أعلم بحالك ونيتك. وقد استودعناك لديه وهو الرحيم العدل الحكيم، نرجو لك الغفران، وندعو لك بالرحمة، وحاشانا أن نكون من الشامتين بموتك وإن كان هناك من يشمت، وليتهم يسألون أنفسهم لماذا يشمتون؟
أولئك المتألون على ربك أن لا يغفر لك ويدعون لك ببئس المصير .. ألم يسألوا أنفسهم، ويقفوا قليلا: أي مصلحة كانت لك من قربك من النظام؟ وأنت شيخ كبير!. لم تكن بحاجة إلى دعم النظام، ولم تكن مستقوياً به، ولم يكن مطمع في مناصب وأنت من أنت ..
أعيذك أن تكون راضياً، لو كنت عالماً بكل تفاصيل ما يجري حولك، بالقتل والتعذيب .. أقول لنفسي: لعلك كنت تداهن البعثيين وتقف بينهم وقلبك يلعنهم .. أيكون موالياً للكفار، راضياً بأفعالهم، من دموعه تبلل نحره كل يوم وليلة خشية من ربه؟!! وهو من هو مثالا للإخلاص والزهد وحب الله والدلالة عليه!! لا والله، حاشاك، وهذا ظني واعتقادي فيك.
لقد كان ثباتك ووقوفك في أرضك، وفي دمشق، وصمودك الرهيب وأنت بين براثن الكفر والطغيان .. مضرب مثل، كان ولن يزال، وإن كان هذا يؤخذ عليك من قبل من أوذوا وأخرجوا من ديارهم، فماذا كانوا ينتظرون منك؟. كنت صاحب مبدأً، يحدثنا صمودك بلسان حاله عنك أنك تقول: إذا خرجت مثل من خرجوا، لمن نترك هذه الديار، وهذه الأوطان؟ ولمن نترك أمتنا وشعبنا، فلنصبر ولندار النظام بما نستطيع .. ونقترب من رأس الحكم حتى نأمن مكره، فنؤدي رسالتنا وأمانتنا تحت أنظاره، فماذا نريد أكثر من تنوير الناس، ودلالتهم على الهدى، والأخذ بأيديهم إلى طريق الله.
فإما حياة تسر الصديق ** وإما ممات يغيظ العدا
كذلك كنت في نظري .. فمن شاء أن يرضى عن فعلك فليرض، ومن شاء أن يسخط فليسخط .. وهذا ما ظننته فيك، وإن كانوا يأخذون عليك فتاوى يقولون: إن الخبثاء استباحوا بها دماء الثائرين .. لكن فتواك بحرمة قتل المدنيين هي الأصل، فهم يتذرعون بهذه الفتوى. وهي صحيحة، ولم يكن لمثلك أن يفتي بسواها .. ولقد كنت من أهل نظر واجتهاد. ومثلك أهل للاجتهاد، ومثلك أهل للنظر، ومثلك مصدر لقول يسمع، ومثلك يؤجر إن أخطأ ويثاب إن أصاب .. الكل يشهد بهذا، حتى من تنكب سبيلك، وقال إنك كنت صاحباً له يوما ما .. له فتاوى مماثلة لفتاويك، عندما كان في مثل موقفك، فلماذا هو اليوم يقليك ويجفوك ويعاديك؟! مثلك ممن قصدهم القائل بقوله:
* فيك الخصام وأنت الخصم والحكم *
ولو لم تكن أنت أنت .. لما تحركت فيك الألسن والأقلام .. هذا، وأستغفر الله العظيم إن زل اللسان والقلم، وبالله سبحانه المعتصم، وهو القصد والغاية، وليس لما في سواه غاية ولا مقصد.
اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم إنا نسألك أن تغفر له ما فرط من أعماله، وتؤجره على ما قدم من حسن عمل، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن مسيئا فتجاوز عنه بمنك وكرمك. وتقبله مع إخوانه ومن تقدمه ولحق به من الشهداء والصالحين، ارفع درجاتهم، وكن لأهاليهم وذويهم راحماً وناصراً ومعيناً. اللهم أطفئ نيران الفتن، ما ظهر منها وما بطن .. اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبنا، ورحمتك أرجى عندنا من أعمالنا.
وصل اللهم وسلم على عبدك ونبيك وحبيبك، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشفعه فينا بمنك وكرمك، وبجاهه نسألك يا أكرم مسئول أن تعافينا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. والحمدلله رب العالمين.





التشنيع على صوفية حضرموت .. لماذا؟! وإلى متى؟


التشنيع على صوفية حضرموت .. لماذا؟! و إلى متى؟

بسم الله .. عونك اللهم.
لمست من كلام بعض الإخوة في حواري معهم، وبعدما كثر الحديث هذه الأيام حول قضايا متعلقة بتراث أو فكر الشيخ العلامة الشهير، الإمام تقي الدين ابن تيمية، رحمه الله وسائر أموات المسلمين. لمست منهم عتاباً لعدم الخوض في نقد التصوف، وبالخصوص ما يوجد في تراث أهل حضرموت، من كتب مناقبية تاريخية، تشتمل على قصص وأخبار من الكرامات أو المنامات وغير ذلك ..

إلى أن وجدت تصريحا ومطالبة حثيثة من أحد الفضلاء، في أثناء حوار معه حول الخلط العجيب الذي وجد في (مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله) الكتاب المعروف ذي البضعة والعشرين مجلداً، وكان الكلام حول أن هذا (المجموع) اتبع فيه جامعه، الذي عكف على جمع مادته 45 سنة، رحمه الله وأثابه على حسن قصده، اتبع فيه طريقة القص واللزق، فأخذ من كتب الشيخ ومؤلفاته ورسائله، من هاهنا وهاهنا، وألف من جميع تلك النصوص المتشابهة والمتماثلة ما سماه (مجموع الفتاوى)، وقد بين باحث فذ من الباحثين المعاصرين، ما وقع في ذلك (المجموع)،  وكشف عن الطريقة التي اتبعت في (جمعه)، وألف كتابا سماه: (صيانة مجموع الفتاوى من التحريف والسقط)، وهو مطبوع ومتوافر على الشبكة.

فقال ذلك الأخ الكريم في حواره متقصداً إياي بكلامه، خارجاً عن موضوع الحوار الأصلي حول (مجموع الفتاوى):
(... وأي جهد بشري لا يخلو من أخطاء ويستوي في ذلك اﻹمام ابن تيمية ومن جمع تراثه الرائع ... لكن لو قارنا هذه اﻷخطاء اليسيرة بما عند القوم لوجدنا الفرق الكبير.
ويكفي (فلان) [يعنيني]، باعتباره حضرمي ما يوجد في كتب كثير من صوفية حضرموت مما لو كنت صوفيا لوضعت رأسي في التراب ولما رفعته حياءأ وخجلا من نسبتي إليهم مما هو مذكور وأيضا مما هو واقع مشاهد وموثق وتجد كثيرا من ذلك في منتديات صوفية حضرموت اﻷول موثق بصور من تلك الكتب)

وقد علقت على كلامه بالآتي:

أخونا الكريم (فلان) حفظه الله، يريد أن يخرج بالحوار الى ما يتعلق بالتصوف، وهذا أمر غير محمود في حوار علمي رصين، أقصد الانتقال الى قضية غير قضية الحوار، لأنه يشتت الموضوع.
وحتى لا يظن أني تحاشيت التعليق على كلامه الأخير فيما يتعلق بالتصوف في حضرموت، لظن قد يخطر في باله، فأقول:

1- لا يدس رأسه في التراب إلا الذليل الخائف، ولست بحمدالله كذلك. فما عندك أبرزه.

2- الشريعة على رأس كل منتسب للإسلام، ومن بدر منه لفظ يخالف ظاهر الشرع، فإما أن يكون زائل الشعور فيعذر إن ثبت زوال شعوره وهو إما ذهول أو شطح ولهما حكم معروف. أو يكون قاله على سبيل شيء من أساليب اللغة من مجاز أو تورية، فينظر فيها فإن أمكن حملها على شيء من ذلك فه أولى من رميه بما ربما لم يقصده. أو متجرئاً قاصداً محادة الشريعة فيرمى بقوله عرض الحائط ولا يلتفت إليه. والأحكام في هذا واضحة جلية.

3- حكم الكرامة عند أهل السنة إثبات أصلها، أما التصديق بأفرادها فغير واجب. بل هي من باب: صدق أو لا تصدق. إلا ما ثبت على لسان المعصوم فواجب التصديق بها.

4- التصوف جميعه لم يخل مما تشير إليه، من وجود قصص بعضها فيها كرامات، وبعضها فيها منامات، وبعضها شطحات، وفي بعضها تعبيرات تلائم حالة العصر الذي قيلت فيه، وهذا كثير، لم يخل منه كتاب من كتب التاريخ، حتى مناقب الإمام أحمد ومناقب أصحابه من الحنابلة، بل وحتى مناقب الشيخ التقي ابن تيمية موضوع حوارنا هنا.

5- أقصى ما عندهم مما قد يشنع به البعض عليهم: أن يقول أحدهم أنه اطلع على اللوح أو عرج به الى السماء، والأول قد قاله الشيخ ابن تيمية، فعلى أي شيء يشنع على مثل البوصيري في قول: (ومن علومك علم اللوح)، لن يكون الشيخ ابن تيمية أكرم على الله من رسول الله فلا يطلعه على اللوح ويطلع الشيخ ابن تيمية. وأما العروج فهو مخرج على قولهم: ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي.

كما أن الكثيرين يرددون نغمةً واحدة اتفقوا على ترديدها، وهي نغمة مصطلح: القبورية، الذي نشأ على يد الشيخ التقي ابن تيمية رحمه الله، ولا أدري لماذا تخصيص الصوفية بهذا اللقب. فحتى الحنابلة يدخلون معهم في هذا الوصف، ونظرة على (مناقب الإمام أحمد) لابن الجوزي كفيلة بإثبات ذلك .. فالحنابلة لم يتركوا من فضائل زيارة قرب الإمام أحمد شيئا، حتى قالوا بأن رب العالمين سبحانه وتعالى يأتي ويزور أحمد في قبره!! ولم نر مثل هذه الفاقرة في مناقب أعظم قطب صوفي ممن يشنع عليهم إخوتنا الحنابلة!!


6- مبنى الدين والشريعة عند سادتي علماء حضرموت رضي الله عنهم ورحمهم على أسس شرعية متينة، وهم شافعية أشاعرة على مسلك الجنيد والغزالي ومشرب الشاذلي، فماذا تنكر عليهم في ذلك وجماهير الشعوب والعلماء والقضاة وأعلام الدين في كافة العصور والطبقات على تلك الصفة؟.

7- لم يبن علماؤنا أي حكم شرعي أو قضائي على كرامة أو خصوصية إن ثبت لصاحبها، ولم يعطلوا أيا من أحكام الشريعة. فهل تلومهم أن جرت على يد أحدهم كرامة، أو رأى مناماً؟؟

8- لم يخاصم أهل حضرموت أحداً لم يصدق بما ورد في بعض الكتب المناقبية، او يرموه بكفر أو شرك أو بدعة بسبب عدم اتباعه لهم، بخلاف متبعي الشيخ ابن تيمية وغيره من المتأخرين، الذي أحرجوا الناس أيما حرج، وسفهوا العقول، وتدخلوا في عقائد الناس، ورموا كل من زار قبرا أو بنى قبة بأنه مشرك، والأمر لا يخلو ولا يعدو دائرة الحلال والحرام.

9- كثير هم العلماء الحضارمة الذين أنكروا أموراً جرت في بلادهم، كمسائل السماع، ومسائل الحوليات والزيارات، وهو مدون وثابت في كتبهم، منهم العيدروس الأكبر ت 864هـ، والحداد 1132هـ.

10- يتردد في قصائدهم وأشعارهم التوسل أو الخطاب وما الى ذلك، وهي إما أن تفسر في إطارها الأدبي الذوقي، أو على الأقل تدرج في باب المسائل الخلافية. فماذا في الأمر؟.

هذا ما تيسر في هذا الوقت .. والله المستعان وعليه التكلان.

من مزاح الصالحين قصة الحبيب أحمد المحضار (ت 1304هـ) مع الشيخ الفقيه أبي بكر بن أحمد باحميد الدوعني

من مزاح الصالحين
قصة الحبيب أحمد المحضار (ت 1304هـ)
مع الشيخ العلامة أبي بكر بن أحمد باحميد الدوعني



كان واديا دوعن الأيمن والأيسر يعجان بالفقهاء والصالحين، من كافة البيوت والأسر، وكان من فقهاء وادي دوعن الأيسر: الشيخ الفقيه المعمّر، العلامة أبوبكر بن أحمد باحميد، ومرجعهم إلى الحالكة، وليس من آل باحميد الأنصار سكان مدودة.
عاش الشيخ أبوبكر في قرية شهيرة مباركة، اسمها (ضَرْي)، وهو أخذَ عن العلامة المتفنّن، الفقيه الصوفي الناسك، الشيخ سعيد بن عبدالله بن عثمان العمودي.
ومن تلاميذه: السيد الجليل، الحبيب عبدالله الهدار بن طه الحداد (ت 1294هـ)، قرأ عليه في الفقهِ وغيرِه. والحبيب الشهير، أحمد بن محمد المحضار (ت 1304هـ)، والحبيب العارف بالله، الحبيب طاهر بن عمر الحداد (ت 1319هـ)، وغيرهم.
وكان هذا الشيخ الفقيه الصالح، قد عمر عمراً طويلا، وعاش حياته في وادي دوعن، مدرساً ناشراً للفقه والعلم. وله أخبار طريفة مع بعض تملاميذه.
منها قصته مع الحبيب أحمد بن محمد المحضار، صاحب القويرة. وقد أورد هذه القصة العلامة المؤرخ المتفنن الحبيب علوي بن طاهر الحداد في كتابه «الشامل»، فأسوقها بلفظها من الكتاب المذكور، قال رحمه الله:
«يحكَى: أنّ الحبيب أحمد بن محمد المحضار جاءَ مرةً إلى ضَرْي، وزار الشيخَ وهو في آخر عمره، وقد وهنَتْ قُواه، وظهر عليه الضّعف، فاستأذنه أن يقرأ عليه شيئاً يسيراً بقصد التبرك، فأذن له، فابتدأ كأنه يقرأ من الكتابِ، فقال: «فَصلٌ: في الخجَاعَة»!.
فحميَ الفقيهُ ونشِطَ، وجلسَ معتدلاً، وابتدأ يقرّر. فقال: نعم؛ وهي عشرةُ أقسامٍ، أحدها: اللينُ في الكلام، وهو عندنا، والتسعة الباقية عندكم يا أهل دَوْعن، وهي: كذا، وكذا. فعدّد تسعة أمورٍ مما يلامُ عليه أهل دَوعن، لا محلّ لذكرها.
وبعد انقضاء هذا المزحِ، عاد الحبيبُ أحمد، فقرأ قراءةً صحيحةً؛ وكأنها أرادَ أن يثير همتَه بمَزْحه أولاً. والخجاعة: كلمةٌ حضرمية، محرفة عن الخجَاءَة، بالهمز. وهُم إنما يعنُونَ بها لينَ الكلامِ وفاحشَه، ولها معانٍ أخر، هم لا يقصدونها»(1).
التعليق:
فانظر إلى تلطف الحبيب أحمد المحضار مع شيخه أبي بكر، ومعاودته له في مرضه الأخير، وإدخاله السرور عليه. ودخوله عليه من باب العلم والقراءة في الكتب.
كما أنها تبين عن حدة ذكاء الشيخ باحميد، وشدة استحضاره، مع بلوغه سناً عاليةً، وإتيانه بالجواب بعد أن حميَ بتلطف المحضار .. مرتباً على طريقة الفقهاء، وتعيينه تلك الخصال العشر، وهذا من حدة الذهن، وصفاء الخاطر، وإلا فمن هو في مثل سنه وحاله وصحته لا يستحضر حتى ربع خصلة، فكيف بعشر!!.
وهذه القصة لمن تأملها مملوءة ذوقاً، ولطفاً، وعلماً، وأدباً ..
رحم الله المشايخ الفقهاء وتلاميذهم، ورحم الله السادة الأجلاء الذين يدخلون السرور على شيوخهم، وعلى مجتمعهم، ويحفرون في ذاكرة التاريخ أخباراً وقصصاً لا تنسى.

 الهوامش:
(1) الحداد، علوي بن طاهر، الشامل: ص 173.

الثلاثاء، 26 مارس 2019

نشيدُ ديوبند

نشيدُ ديوبند

من نظم / محمد أبوبكر باذيب
جدة؛ 2/6/1433هـ



عندما كنت في دُيوبَنْد، في ربيع الآخر من عام 1433هـ/ 2012، ورأيتُ الطلاب الهنود، الذين نسميهم في بلاد العرب بالأعاجم، يتوافدون، صغاراً وكباراً على حلقات العلم، يحفّونَ بشُيوخِهم، وبأيمانهم كتُبُ الحديثِ والفقه، و«ديوان المتنبي»، وكتب النحو العربي كـ«الكَافية»، وشروحها، وغيرها .. 
كتبٌ لا يعرفها أبناء العرَب من خرِّيجي الجامعات العربية، والدارسين باللغة العربية، فمن هو الأعجمي .. أبناؤنا أم أبناء الهنود، الذين حفظوا علوم أجدادنا، الذين نتشدَّقُ صباحَ مساءَ بأننا أحفادُ الكرام الفاتحين، وأنجال العلماء العاملين !!
وهم لا يكلون ولا يملون، في حركة دائبة، ونشاط مستمر. تذكرت أيام دراستي في تريم، وعاد بي الحنين والشوق إلىٰ تلك الأيام الخوالي، والربوع التي لم تفارق ذكراها خيالي، والعهد قريب، وإن عقداً ونصفاً من السنين، كفيل بأن يبقي ذكاء تلك الجذوة مشتعلة، وتلك النار متقدة، حنينٌ لم يكف، وشوقٌ عظيم يجرف.
وأكثر ما عظّم ديوبند في قلبي وعيني، هو تلك العناية العظيمة، عديمة النظير، بكتب السنة المطهرة، التي يختم فيها طلابُ الجامعة (الكتُبَ الستة)، أمهات الحديث النبوي، في السَّنَة الأخيرة من سنيِّ دراستهم، التي تدْعَى عندهم (دورة الحديث). 



وليس الأمر يتوقَّفُ في قراءتهم وختمهم للأمهات الستة، مرجع المسلمينَ، وأس تشريعهم بعد كتاب رب العالمين، بل إنها مرتبطة بأسانيد قوية، وسلاسل متينة، من لدن أولئك الأشياخ البررة، إلىٰ سيِّد أهل الدنيا والآخرة، r، فهم قومٌ علومهم مسندة، وخيولهم ملجمة مسْرَجة، علمٌ وعمَلٌ، وكفاحٌ وعزْم، لا يعرف الملل. حيَّاهم الله وبيَّاهم من شيوخٍ كرامٍ، وأئمة عِظَام، لا غادر الجود والحيا أراضيهم.
فياليت هذا النظام يعمل به في بلادنا، وفي جامعاتنا الدينية، وكلياتنا الشرعية، إذاً لصلحت كثير من الأحوال في بلاد العرب، لأن الطالب يتخرج من الكليات الشرعية، وحصيلته من الحديث قليلة جداً، وغاية الأمر أن يدرس بعض كتب علوم الحديث، أي المصطلح، ولكن قراءة الأمهات والمتون، أمر بعيد عن أذهان رؤساء ومؤسسي تلك الكليات والمعاهد، فليتهم يتيقظون، وليتهم يتنبهون.
ثم إنه خطر في بالي، مع انشغال أولئك الفتية، بل الرجال الأبطال، بطلب العلم، وعكُوفهم على المطالعة والحفظ والمذاكرة، هل هناك، يا ترى، أناشيد مدرسية يرددونها، كتلك التي كنا نرددها في المدارس العصرية؟.سألتُ أحد كبار الخريجين عن ذلك. فأجابني: نعم؛ هناك أنشودة نظمها فضيلة مولانا العلامة رياسَت علي البجنوري، قبل أكثر من خمسين عاماً، أيام دراسته أو عقب تخرجه من الجامعة، وقد نالت القبول والاستحسان، ولم يزل الطلاب ينشدونها ويحفظونها منذ ذلك الحين وحتى اليوم. طلبتُ منه أن ينشدني بعض أبياتها، فقال: لن تفهمها، هي بالأردية!. وقد كنت أظنها بالعربية، فوقع في بالي، لماذا لا تكون هناك أنشودة بالعربية؟. ومسلمو الهند من أشد الشعوب حباً للعربية، وتعلماً لقواعدها وحفظا لنصوصها.



ظل ذلك الخاطِرُ يتابعني، حتى بعد عودتي أدراجي، فأمسكتُ القلم، وكتبتُ في برهة من الوقت، هذه الأبيات، أرجو أن تكون معبرة عن لسان حال طلابها وزُوَّارها، وهي شيء بسيط أقدمه لهذه الجامعة العظيمة، مشيداً بعظيم الجهود المبذولة فيها، ومُكْبِراً عالي تلكَ الهمَمِ التي يتحلَّى بها شُيوخها وطُلَّابها.





دُيوبَنْدُ يا قبلَةَ الطَّالبِينْ ** دُيوبَنْدُ يا مَوئِلَ العَارفينْ
دُيوبَنْدُ يا مَنْزلَ القَاصِدينْ ** فدُومي لنَا واسْلَمي كلّ حِينْ
* * *
دُيوبَنْدُ أنْتِ الهنَا والمنَى ** دُيوبَنْدُ خَيرُ غنًى يُقْتَنَى
دُيوبَنْدُ طابَتْ لنَا مَسْكَنَا ** فبَاركْ بها رَبَّنَا يَا مُعِينْ
* * *
دُيوبَنْدُ أشْياخُها عَاملونْ ** دُيوبَنْدُ أعْلامُهَا مخلصُونْ
دُيوبَنْدُ أمٌّ رؤومٌ حَنُونْ ** وطُلابُها من خِيَار البَنِينْ
* * *
بها العلْمُ أعلامُه خافقَةْ ** بها النُّورُ أضْواؤُه شَارقَةْ
بِهَا الفضْلُ أشْجَارُهُ بَاسِقةْ ** بها يَسْتظِلُّونَ طُولَ السِّنينْ
* * *
دُيوبَنْدُ خَيراتُها في البِلادْ ** تَسيرُ وتنفَعُ كُلَّ العِبَادْ
وَفيها الأسَاتِيذُ من كُلِّ وَادْ ** وقَومٌ عِظامٌ مضَوا أكْرَمينْ
* * *
دُيوبَنْدُ مثْرَى علُومِ الحديثْ ** دُيوبَنْدُ ودقٌ ملِثٌّ مُغيثْ
حَياً كلُّه نَافعٌ لا خَبيثْ ** يرُدُّ الهزيلَ سَميناً بَطينْ
* * *
دُيوبَنْدُ أنْشُودَةٌ في الحيَاةْ ** دُيوبَنْدُ مأوَى الرجَالِ الهدَاةْ
وكَمْ عَارفٍ في حماهَا لِوَاهْ ** يرَفْرِفُ تَهدي بِه الحَائرينْ
* * *
دُيوبَنْدُ أنوارُهَا باهرَةْ ** دُيوبَنْدُ أزْهَارُهَا نَاضِرةْ
دُيوبَنْدُ أربَاعُهَا عَامْرَةْ ** بكُلِّ ذَكيِّ الفُؤادِ فَطِينْ
* * *
دُيوبَنْدُ ما مثلُهَا في الزَّمَانْ ** ولم أرَ نِدًّا لهَا في الأوَانْ
ومن زارَهَا سَوفَ يَلْقَى الأمَانْ ** وينْسَى بها أهْلَه والبَنينْ
* * *
سألتُكَ رَبِّي لها يا كَريمْ ** عَلى أهْلِها للعَوافي تُدِيمْ
وتُبقِي لنَا دَرْبها المسْتَقِيمْ ** وتَهدِي لها قَومَنَا أجْمعِينْ
* * *
إلهي استجِبْ دَعْوتي يا مُعينْ ** ولاطِفْ بجُودك قَلْبَ الحزِينْ
ليَعْمُرَ بالذِّكر طول السنين ** ويحشَرَ في زُمرَةِ الصَّالحينْ
* * *
ونوِّر لنَا رَبَّنا دَرْبنَا ** وأكْرِمْ بفَضْلِكَ أشْياخَنا
وزِدْهُمْ عُلاً ربَّنا واهْدِنا ** جميعاً إلىٰ الخير دُنْيَا ودِينْ
* * *
وصَلَّى إله الورَى سرْمَدا ** على عبْدِهِ المصْطفَى أحمدَا
هو المرتجَى للأنَام غَدَا ** فشَفِّعْهُ في المسلمينَ أجمعِينْ

دُيوبَنْدُ يا قبلَةَ الطَّالبِينْ ** دُيوبَنْدُ يا مَوئِلَ العَارفينْ
دُيوبَنْدُ يا مَنْزلَ القَاصِدينْ ** فدُومي لنَا واسْلَمي كلّ حِينْ

الأحد، 27 أبريل 2014

ما قلت لك: أدي له من الخضراء(*) .. يمشيك !!

ما قلت لك: أدي له من الخضراء(*) .. يمشيك !!

دلف الأب الثري، إلى قاعة المناقشات في الحرم الجامعي
واستمع إلى مناقشة ابنه المدلل السمين ..
وبينما المشرف والمناقشون، في احتدام المناقشة
ومع تلعثم الابن .. وعدم إلمامه بمادة البحث الذي كتبه
له باعة الضمير، في سوق النخاسة الكتابي العربي

إذا بالأب يصرخ قائلا: ما قلت لك يا ولدي .. أدي له من الخضراء!!
لو كان أديت له .. كان مشاك!!



احمر وجه الابن بشيء من حمرة الحجل الموضعي المؤقت
وطالب رئيس الجلسة أن يخرج الأب من القاعة
(حفظاً لماء الوجه .. فيما زعموا!!)

وانفض اللقاء ..
ونجح الابن.
نجحت الوصفة!!

وتعين الابن المدلل أستاذا جامعياً في جامعة مرموقة ..
بسر الورقة الخضراء ..

هامش:
هذه وقائع قصة حدثني بها زميل للولد المدلل .. بعد سنين من الواقعة. وكانت المناقشة لرسالة ماجستير في التاريخ الإسلامي.
* الخضراء: الورقة ذات فئة 100 دولار!

الثلاثاء، 22 أبريل 2014

توضيح المعالم في التفرقة بين الواعظ والمتعالم والعالم



كتب إلي أحد الإخوة  .. يقول:
دار بيني وبين أخٍ عزيز نقاش حول المبالغة في وصف الدعاة إلى درجة العلماء ؛ بل الاستغراب ممن لا يقبل لهم هذا الوصف ؛ وكأنني أقصد انتقاصهم ، أو حسدًا لهم!!
فقال لي: مثل من ؟
قلتُ له: مثل الداعية الشيخ فلان ،
الرجل لم يستوعب كلامي !!. وقال مستنكرًا: هو معروف بالعلم ودرس عند المشايخ فلان، وفلان ... إلخ. وانقطع النقاش اضطرارًا ، على أن نكمل لاحقاً.
سؤالي: ما هي المعايير المنصفة المنضبطة المقبولة للجميع لصحة وصف الشخص و: "العالم"؟ وما هو السلّم الذي ينبغي أن يكون سلكه حتى وصل إلى درجة العالم.

أقول لأخي العزيز ولكافة القراء ..
كنت وعدت بالكتابة مرة أخرى حول هذا الموضوع. ولامانع من العودة إليه مرة أخرى.
بعض المتابعين لما كتبته سابقاً ظنوا أن النقد والمتابعة الحثيثة لإصلاح صفوفنا الداخلية تكمن في الأخذ على أيدي شباب تصدروا للدعوة أو للوعظ العام، مع نقص الإمكانيات العلمية، وحسب. وظنوا أن الكلام منصب على فئة (الشباب).
وهذا غير صحيح .. إنما نقدنا هو لمن فقد معيار ما يخوله أن يسميه الناس (عالما). ولو كان من لابسي أفخر المشالح، وأكبر العمائم. العلم لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، ولا ذكراً ولا أنثى، ولا سيداً ولا مسوداً. العلم شريف في نفسه، يبني من العدم بيوتاً، والجهل يهدم بيت العز والشرف.

وهل تظنون من يتسمون في زمننا هذا بمحدثي العصر، ومفاخر الدهر، ومحققي الأوان، وغير ذلك من الألقاب .. بمعزل عن النقد، وبمنأى عن أن تطالهم أقلام الناصحين. فليكنوا من أهل الحديث، أو من السلفيين، أو الصوفيين، أو أي فئة أو طائفة من طوائف المسلمين العديدة، ميزان العلم لا يختلف من فئة الى أخرى، ولا من طائفة الى غيرها. إما علم، وإما جهل.

... ماهي المعايير؟
السؤال هنا عن المعايير المنصفة المنضبطة المقبولة للجميع لصحة وصف الشخص و: "العالم" ؟ وما هو السلّم الذي ينبغي أن يكون سلكه حتى وصل إلى درجة العالم.
نعم .. نريد أن نحدد معايير العالم من غيره.
أما من حيث العلم الإجمالي، الذي يخرج به الشخص من حيز الجهل المطلق الى سعة العلم الجزئي .. فتعلم ما يجب معرفته من الدين بالضرورة. واكتساب بعض المعارف التي تنفي عنه صفة الأمية والجهل.
ولكن هذا لا يرقيه الى مرتبة العلمية الخاصة.
فمن هو العالم؟!
أجاب الإمام الشافعي عن هذا السؤال، ووضع أهم المعايير التي ينبغي لطالب العلم أن لا يخلي منها عمره، ولا تحصيله. في قوله:
أخي لن تنال العلم إلا بستة ** سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ** وصحبة أستاذ وطول زمان

فأولها: الذكاء، واتقاد الذهن، وجودته. لأن به يستطيع الإنسان تمييز العلم النافع له من غيره, فيحرص على جودة التحصيل، ونبذ ما لا يفيد.

الثاني: الحرص. أي على اغتنام العمر، لأنه إن ذهب خلياً في أوله، لم يفلح صاحبه في آخره. كما قال الشاعر:
وهل موسم إلا الشباب فإن مضى ** خليا، فباقي العمر يتلوه قافيا

الثالث: الاجتهاد. والمراد هنا الجد في الطلب، وعدم الكسل. وليس الاجتهاد الاصلاحي عند الأصوليين. وأخبار السلف في الجد في التحصيل كثيرة، يكفي لمعرفتها مطالعة كتاب العلامة الجليل الشيخ عبدالفتاح أبوغدة رحمه الله (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل).

الرابع: البلغة. أي: تحصيل القدر اللازم من المال الذي به يكتفي الإنسان عن الاحتياج الى الغير، مما يلزم منه التذلل لهم، وبقاؤه في ربقة الانصياع والائتمار للغير.

الخامس: صحبة الأستاذ. وهذه أهم المهمات، فمعرفة الشيوخ، وحسن انتقائهم، والتوافر على معرفة شيخ مربي تقي نقي عالم صالح، أمر لا يكون إلا بالتوفيق. ولا يتأتى التوفيق إلا مع الإخلاص في طلب الشيخ.

السادس: طول الزمان. وهذا قل من يتنبه إليه. فليس العلم يؤخذ في دورة صيفية من ذوات الأربعين يوماً، ولا في حضور درس شهري أو أسبوعي. نعم، تلك أمور مفيدة، تعين على معرفة أول الطريق، ولكنها وسيلة لما بعدها، وليست غاية. فالأحمق من ظن أنه بحضوره دورة في علم الحديث لمدة شهر سيصبح محدثا، أو بمجرد حضور مجالس سماع الصحاح في مدة معلومة سيصبح من أهل العلم. وكذلك من ظن أن تحصيل الإجازات يغنيه عن القراءة والتحصيل والطلب.
تلك أمور حسنة، ولكنها إذا عدم صاحبها التوفيق، والنظر الى ما بعدها وما وراءها، من ركوب متن الصبر، وامتطاء ذروة العزيمة والمجاهدة لبلوغ أعلى المراتب .. فإنها تكون مضيعة للعمر، مجلبة للسخط والفساد.

قال الإمام الحداد في (النصائح الدينية و الوصايا الإيمانية): "وأما الاتساع في العلوم الدينية النافعة ، والاستكثار منها، والزيادة على قدر الحاجة، فذلك من أعظم الوسائل إلى الله، وأفضل الفضائل عند الله، ولكن مع الإخلاص لوجه الله في طلب العلم، ومع مطالبة النفس بالعمل بما تعلم . وتعليمه لعباد الله، مريداً بذلك كلّه وجه الله والدار الآخرة" [ (ص: 98)].

والكلام يطول .. وخلاصة الأمر: أن من خلا عن تلك الأمور الستة التي ذكرها سيدنا وإمامنا الشافعي رحمه الله، فهو دعي في العلم، واليوم نرى أناساً يصدرون ويقدمون للناس، ويوصف الواحد منهم على أنه (محدث العصر)، وهو لم يلزم شيخاً واحداً، ولم يعكف أو يجث بركبتيه في مجلس شيخ، بل منهم من نشأ عاقاً لأبيه، مكباً على الصحف والكتب، وظهرت على يديه منافع ظاهرة، ولكنها مشوبة بما فيه تفريق للمسلمين، وتهجم على عامتهم، وتطاول على سلفهم، وإزراء بما عليه الأمة من تقليد لمذاهب دينية فقهية راسخة، فخرج الناس بسبب الجرأة على أهل العلم، من تقليد الشافعي الى تقليد الوادعي، ومن تقليد أبي حنيفة النعمان الى تقليد قاضي بني شوكان. وهلم جراً.

ومنهم من برز بمظهر الوعظ، وأجاد الكلام على شاشات التلفاز، وأصبح يقدم نفسه على أنه مصدر لمعرفة حديث الرسول، ولفقه السلف الفحول، فكل ما يقوله ذلك المنطيق، فهو خلاصة وعين الدين، وما سواه فهو الضلال المبين. فافتتن به الشيب والشبان، والعجائز والصبيان. وأصبح مرجعهم: حلقة الشيخ فلان، على شاشة قناة الإيمان، في ليلة الخامس من رمضان!! وضاع بذلك فقه الشافعي وأبي حنيفة النعمان، في زمن تشيخ الغلمان. والى الله المشتكى من هذا الحال .

فما هو الحل؟
الحل، هو أن يتجه الإعلاميون الى إبراز الواجهات العلمية الأصيلة، وأن يعودوا بالناس الى منابع العلم الراسخ، بتوجيه الأنظار الى المصادر الدينية الثابتة، التي حفظ الله بها دينه على مر العصور، وأن يعملوا على توثيق اتصال الناس بمصادر العلم الكبيرة، وأن يقوم أهل الغيرة بإسكات المضللين والمضللات، من أشباه العلماء والعالمات، وأن لا يسمح بالوعظ إلا لمن استكمل أدواته، وأجيز بالتصدر والوعظ من حملة العلم وحماته، وأتم دراسة وحفظ المقررات الموضوعة على أيدي ثقاته، وإلا بقينا في العمه والتيه، وفي مثال الحمار ذي الأسفار كفاية لكل نبيه.

ومن مقترحات السلم التعليمي لطالب العلم (شافعي المذهب):
-       حفظ القرآن الكريم أو ما تيسر منه، مع إتقان تجويده.
-       دراسة علوم القرآن، من كتاب مختصر فيها، مزبدة الإتقان، أو مباحث للقطان، أو التبيان للصابوني.
-       قراءة الكتب الستة، إن تيسرت، أو الصحيحين على الأقل، مع الموطأ برواية يحيى. ثم التوسع لمن أراد، بقراءة المسند الحنبلي، وما وراءه. كما يجب عليه تطلب قراءة كتب الموضوعات، وعليه بالمصنوع والمنار المنيف بتحقيق الشيخ عبدالفتاح، والمقاصد الحسنة، وكشف الخفاء للعجلوني. وغيرها من المطولات كاللآلئ المصنوعة للسيوطي، والفوائد المجموعة للشوكاني، ثم تنزيه الشريعة للكناني، وغيرها.
-       دراسة العقيدة، من متن الطحاوية، وبعض شروحها كشرح الميداني. أو النسفية مع شرح السعد وبعض الحواشي عليها، أو الجوهرة مع شرح الباجوري. أو الخريدة مع شرح الصاوي. أو السنوسية وشرحها الكبير. ويطالع مع ذلك بعض كتب الردود والمقالات، ومن أهم ما ينبغي طلبه في هذا الباب مقالات العلامة الكوثري، وسائر كتبه الأخرى.
-       دراسة النحو من الأجرومية مع التحفة السنية لمحيي الدين، فالملحة وبعض شروحها، فالمتممة مع الكواكب، فشرح القطر، فابن عقيل مع حفظ الألفية إن تيسر. ثم مطالعة التسهيل وشرح عليه.
-       دراسة علوم اللغة. من المعاني والبيان والبديع والبلاغة، فيحفظ متن الجوهر المكنون، ويقرأ شرحه، وحواشيه، والتلخيص للقزويني وشرح السعد، وينظر في المطولات، وفي مصنفات المعاصرين المفيدة في الباب.
-       دراسة علم المنطق، من إيساغوجي، وشروحه وأهمها شرح شيخ الإسلام زكريا، ثم السلم المنورق وشروحه، فالشمسية وشرحها للقطب، وألفية ابن شهاب وشرحها نظام المنطق.
-       دراسة الفقه بدءا بالمختصرات، كالسفينة وأبي شجاع، مع ابن قاسم، فالمقدمة مع المنهاج القويم أو بشرى الكريم، ثم فتح المعين، فالعمدة، ثم المنهاج مع المغني، ثم التحفة. فمطالعة التنبيه والمهذب.
-       دراسة الأصول: بدءا بالورقات، فشرح الحطاب عليها، فنظمها للعمريطي مع شرحه، فمراقي السعود وشرحه نشر البنود، فلب الأصول مع شرحه الغاية، فالمنهاج الأصولي مع شرح الإسنوي، فجمع الجوامع مع مطالعة حاشيتيه. ثم قراءة ومطالعة المطولات كالبرهان والمستصفى، ودراسات المتأخرين وتلخيصاتهم كأبي النور زهير، والوجيز لهيتو، وأمثاله من المعاصرين.
-       دراسة علوم الحديث، بدءا بالبيقونية وشروحها ومن أجودها شرح العلامة عبدالله سراج الدين، فالنخبة وشرحها وحواشيها، فالمقدمة الصلاحية وشرحها ونكتها للحافظ ابن حجر، فتدريب الراوي، فتوجيه النظر للجزائري وظفر الأماني للكنوي، وبقية رسائله ومصنفاته التي أخرجها العلامة أبوغدة، رحمه الله. كما أن كتب الأثبات والأسانيد لا يخلو النظر فيها من فوائد لمن تطلبها.
-       ثم بعد ذلك يطالع كتب التاريخ، بدءا بالسيرة النبوية، فيقرأ سيرة ابن هشام، فالسيرة الحلبية، فسيرة الدحلان، فما فوقها كسيرة الصالحي. ثم يطالع تاريخ الطبري، والبداية لابن كثير، فكتب الصحابة كالاستيعاب والإصابة. وكتب التراجم لمتأخر القرون، وتاريخ أهل بلده وأعلامهم، وأجداده إن كان من بيت علم، ليحصل له التأسي بهم. ولا يخلي يده من كتاب (الأعلام) للزركلي لفائدته.
-       ثم ينظر في كتب البلدان، ككتاب ياقوت، وابن الفقيه، وكتب المواضع كمعجم ما استعجم، والروض المعطار، وكتب الرحلات.
-       ولا يخلي وقته من النظر في كتب الأدب، وحفظ المعلقات، والمقامات الحريرية والبديعية، ويحفظ ما تيسر من شعر الجاهليين، فالمحْدَثين كالمتنبي وأضرابه، ويطالع في كتب الأمالي لفائدتها، كأمالي ابن الشجري، والقالي، واليزيدي. ومعجم الأدباء لياقوت، وكتب الأدباء المعاصرين كالرافعي ومحمود شاكر، وأمثالهم من أهل مصر والشام، وهلم جرا، والباب واسع جدا.

فإذا ما حصل الشخص هذه الكتب، ورقى في ذلك السلم التعليمي، أو ما يماثله، كانت الثقة بوعظه، وتمكن من التربع على كرسي الإرشاد والإفتاء والتعليم، وكانت له الصدارة عن جدارة .. ويعرف العالم بسمته، ورسوخه، ورزانته وبعد نظره، وتأمله في الوقائع والأحداث، ولا يعجل بالكلام دون النظر في محتوشات الأمور، نعوذ بالله من الغرور. 

وغير من تقدم وصفه، هو المتعالم: وهو شخص يدعي حيازة هذه العلوم، والاطلاع على منطوقها والمفهوم، ولكنه ينكشف عند الامتحان، وعند مطالبته بمقروءاته وذكر شيوخه.

أما الواعظ .. فهو دون ذلك بكثير، فيكفيه معرفة ضروريات الدين، وقراءة بعض كتب الرقائق والسلوك، وشروح بعض كتب الحديث، وحفظ بعض مقالات الصالحين، والتدرب على الكلام والخطابة، وإن أضيف إليه شيء من الذكاء واللباقة، كان ذلك حسناً. 
ووصف الداعية والواعظ بالعالم، من باب علمه بجملة من الأمور الدينية، وصف صحيح. ولكن وصفه بالعلامة الفهامة، ونحو ذلك من المبالغات، من الأمور الممجوجة، التي بسببها تشتبه الأمور على العامة، ويظنون كل صاحب عمامة، فقيهاً فهامة.
ومما يحسن بالداعية علمه، والنظر فيه، ليجزل خطابه، ويحسن نظامه، قراءة كتب الرقائق، ككتب حجة الإسلام الغزالي، وكتب ابن الجوزي، ومصنفات بعض المعاصرين، كالشيخ الداعية الكبير أبي الحسن الندوي، وكتب الداعية المصلح الشيخ محمد الغزالي، والأستاذ الغيور أنور الجندي، والأستاذ فتحي يكن، وأمثالهم، فهي مفيدة للداعية، وتعطيه أبعاداً دعوية، ومجالات متعددة للكلام والوعظ، والتأثير على المستمعين والمتابعين.
كما أن حفظ بعض الطرائف، والأخذ من كتب الأدب شيئاً من القصص والأخبار، أمر محبب للناس، ونحن نرى ونسمع كيف يكون تأثير القصاص على المجتمعات، حتى أن الأحاديث الموضوعة لم تسر في الأمة ويستشري شرها إلا من طريق مجالس الوعاظ والقصاص، وقديماً صنف السيوطي رحمه الله كتابه (تحذير الخواص من أكاذيب القصاص). 

والله المستعان، وعليه التكلان. اللهم علمنا من لدنك علماً واسعاً يا ذا الجلال والإكرام.