‏إظهار الرسائل ذات التسميات كلمات تأبينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كلمات تأبينية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 27 مارس 2019

رثائي لسيدي الأستاذ السيد حامد بن أحمد مشهور الحداد (1352 – 1434هـ)



رثائي لسيدي الأستاذ
السيد حامد بن أحمد مشهور الحداد
(1352  1434هـ)
نظم/ محمد أبوبكر باذيب
ألقيت في حفل اختتام العزاء مساء الاثنين
19 جمادى الآخرة 1434هـ





نفدَ الدمعُ أم علاكَ الوجُومُ ** أمْ هو الـحَـيْنُ مقعِدٌ ومقيمُ
أم هيَ الدهْشَة التي تتراءى ** في وجوه تلوح فيها غمُومُ
نزلَ الموتُ واعتلى بفضيلٍ ** وعَليمٍ، يا نعْمَ ذاك العليمُ
إن هذا الحمامَ جِدُّ ولوعٌ ** باصْطفاء الكرامِ؛ جدُّ غشومُ
يا لها الله من حتُوفٍ توالتْ ** يا لنا الله كم علتْنا همومُ
* * *
ومضَى حامدٌ إلى خير داعٍ ** ومضى حَامدٌ فتاهتْ حلومُ
حامدُ الفضْلِ والمكارم أمسَى ** رهْنَ قبر؛ أغابَ ذاك الحليمُ!!
أتُرانا في ذا المقام نرثِّيهِ ** أم تُرَثَّى محابرٌ ورسومُ؟
كانَ ما كان .. ذاك مَرُّ نسيمٍ ** كاملُ اللطفِ، ذاكَ مسكٌ شميمُ
* * *
أيها القَومُ، ما وقفتُ خطيباً ** لا؛ ولا واعظا، فوعظي سقيمُ
ذا مُقامي مؤدّياً لديونٍ ** إن غمْطَ الديونِ وصفٌ ذميمُ
فديونُ الفقيدِ قد غمَرتْني ** وعطاءُ الفقيدِ جزلٌ عميمُ
كم غَشِينا مجالساً كان فيها ** هالةَ البدر، إذ تحيط النجومُ
* * *



أصْلُه الأصل؛ عالياتٌ ذراهُ ** مجدُه المجْدُ؛ والفخار الصميمُ
فأبوه المشْهورُ قد شادَ عزًّا ** ذلكَ القطبُ سرُّنا المختومُ
ألجينٌ عروقُه أم نضَارٌ ** أم هُو الجوهَرُ الفريدُ اليتيمُ
بل هو الفرْدُ في مقامٍ ترقَّى * لا يجاريه في عُلاه الغريمُ
إن تلفّتَّ باحثاً عن قسيمٍ ** فمحالٌ لذا الحبيبِ قسيمُ

* * *

قلبُ صبراً فما لجرحِكَ راقٍ ** نفسُ صبراً إذا كثرن الكلومُ
إيهِ يا حامدَ الفضائل والجو ** دِ ويا خَدينَ العُلا فأين ترومُ
تلكَ قيدُونُ تندبُ اليومَ حـ ** ـظًّا وشبامٌ وجِدّة وتريمُ
* * *
أيها الساربُ المغِذُّ مَسِيراً ** يا عَجُولاً ركابه مخطومُ
يا فقيداً على القلوبِ عزيزاً ** فقدُكَ اليوم ذاك فقد أليمُ
كنتَ نوارً وكنت فينا سراجاً ** وملاذاً إذا غشينَ الغيُوم
كنتَ سُلواننا وكنتَ أبانا ** رأيُكَ الرأيُ واضحٌ وقويمُ
فستبقَى ذكراكَ نصْبَ خيالي ** وجهُكَ السمحُ، شخصك المرحومُ
ثبتَ العهد بيننا ما حَيينا ** إن طبعي على الوفاء مقيمُ
عُقِد الودُّ بيننا في سماطٍ ** مدَّه السيدُ الجليل الحشيمُ
فكرَعْنا من الصفاءِ كؤوساً ** أشبعَ الروح شِرْبُها والطعومُ
* * *
رحماتٌ من الإله تغشَّى ** في جنان المعلاة حيث الحطيمُ
روضَةَ الطاهِرينَ من آل طَه ** هم كرامٌ عطاؤهم مقسومُ
حلَّ فيها من الرجالِ ألوفٌ ** كلهم في الصلاح عِدٌّ عظيمُ
يا آل مشْهورِنا صلاةٌ عليكم ** بعد طه يغشاكم التسليمُ





في وداع أستاذي الجليل السيد حامد بن أحمد مشهور الحداد (ت 1434هـ) رحمه الله


في وداع أستاذي الجليل
السيد حامد بن أحمد مشهور الحداد

بقلم محبه الأسيف / محمد أبوبكر باذيب
عليكره، الهند، 27 أبريل، 2013




عن سن ناهز الثمانين عاماً، كانت وفاة الكاتب الشاعر الأديب، والعالم المؤرخ، السيد حامد بن أحمد مشهور الحداد، رحمه الله تعالى. وذلك مساء يوم الجمعة 16 جمادى الآخرة سنة 1434هـ. كان الفقيد من مواليد مدينة قيدون بحضرموت، وتربى في حجر أبوين كريمين، وتلقى تعليمه الأولي على يد جده لأمه العلامة السيد عبدالله بن طاهر الحداد (ت 1367هـ) الذي رعاه في الفترات التي يكون فيها والده العلامة السيد أحمد مشهور الحداد مسافراً للدعوة إلىٰ الله خارج وطنه. فعلى يدي أبيه وجده، كان تخرجه العلمي، ونضوجه الأدبي والفكري. كما صحب في مدة حياته عدداً من العلماء الأجلاء، وجالسهم وانتفع بهم، كجده (أبي زوجته) مفتي جوهور السيد الإمام علوي بن طاهر الحداد (ت 1382هـ)، والعلامة السيد علوي المالكي، والسيد الجليل قاضي القضاة في زنجبار البوسعيدية الحبيب عمر بن أحمد بن سميط (ت 1396هـ)، وغيرهم رحمهم الله.
(1)
في السبعينات الهجرية، قدم السيد حامد مشهور وهو في العقد الثالث من عمره إلىٰ أرض الحجاز، وأقام في مدينة جدة، حيث التقى بأخيه السيد علي، وتنقل الأخوان في عدد من الوظائف والأعمال الخاصة، ثم افتتحا لهما عملاً تجارياً خاصاً بهما، وتيسرت لهما ولأسرتهما سبل العيش الكريم في هذه البلاد المباركة.



مع خوضهما غمار الحياة العملية، لم يكف السيدان عن متابعة مجالس العلم والأدب، وارتياد حلقات الفقه والحديث التي تكتنفها مدينة جدة، وغيرها من الحلقات التي تقام في الحرمين الشريفين. وكان أبوهما العلامة الداعية الجليل، حريصاً كل الحرص على متابعة أبنائه حيثما حلوا وأقاموا، فيراسلهم تباعاً، ويطمئن على استقرارهما النفسي ومجتمعهما العلمي قبل العملي. كما كان يتردد عليهما في جدة عند قدومه من أرض مهجره في شرق إفريقيا حيث قضى ما يربو على الستين عاماً هناك، داعياً وقائما بواجب الإرشاد والتعليم الإسلامي في أقطار شرق إفريقيا: كينيا وأوغندا، وما جاورها.
(2)
من الوظائف المكتبية التي زاولها السيد الفقيد رحمه الله، وظيفة في المكتب الخاص للشيخ محمد بن لادن رحمه الله، تحت إدارة الشيخ أحمد بامفلح.


الشيخ أحمد بامفلح

وفي تلك الأثناء تعرف بحكم علمه وأدبه، وعلاقة الشيخ بن لادن بمختلف شرائح المجتمع الحجازي، على أدباء حجازيين، من أمثال العواد، وفؤاد شاكر، وطبقتهما، وكانت تدور بينهم وبينه حوارات ومجالسات أدبية غاية في الرقي والسمو. ثم بعد برهة أصبح كاتباً مرموقاً في صحيفة البلاد السعودية، التي نشرت له العديد من المقالات والقصائد الشعرية، وجرت في بعض الفترات مساجلات وردود أدبية بينه وبين بعض أدباء مكة المكرمة، كان رحمه الله يحتفظ بقصاصاتها إلىٰ أواخر أيامه بعد مضي أكثر من خمسين عاماً على نشرها.
(3)
كما كان للفقيد رحمه الله تردد على أرض الكنانة، وكان يكثر الجلوس إلىٰ أدبائها وعلمائها، كمفتي الديار المصرية الشيخ حسنين مخلوف (ت 1410هـ) رحمه الله، الذي كان من أصدقاء أبيه، وقدم لرسالته النافعة المسماة (مفتاح الجنة) التي ترجمت إلىٰ عدة لغات وحصل بها نفع عظيم.
وفي مصر، تعرف السيد حامد على ناشر مصري يدعى الحاج فايق، كانت لديه مطبعة، وكان محباً للشيخ مخلوف، فعقدت بينهما صداقة أثمرت صدور كتابه الأول (دراسات عن العرب والإسلام في شرق إفريقيا)، الذي صدرت طبعته الأولى حوالي سنة 1390هـ، محلاة بمقدمة للكاتب الشهير الأستاذ أنور الجندي، مؤرخة في رجب 1389هـ، وكان الناشر هو الذي استكتب الجنديَّ بعد أن عرض عليه الكتاب ليقدمه لجمهور القراء. كان ذلك الكتاب حصيلة عمر قضاه السيد المترجم في عنفوان شبابه إلىٰ جوار أبيه في شرق إفريقيا قبل أن يتوطن مدينة جدة. وكان تأليفه لهذا الكتاب بعد أن رأى وسمع الكثير من التساؤلات في بلاد العرب عن إخوانهم من عرب ومسلمي شرق إفريقيا، وعن أوضاعهم الدينية والاجتماعية، فجاء كتاباً وافياً بالمطلوب.



قال الأستاذ أنور الجندي رحمه الله في مقدمته: .. إن المؤرخين والباحثين يتوقعون أن تصبح قارة أفريقيا في القريب هي قارة الإسلام، ولكن الجهود المبذولة لمواجهة الخطر تحتاج فعلا الى دراسات واسعة، والى بحث مكثف، ومن هنا جاء فضل هذا البحث العميق الواسع الذي قدمه صديقنا الأستاذ حامد بن أحمد مشهور الحداد، والذي يكشف عن مخططات النفوذ الأجنبي في شرق أفريقيا، وعن الدور الإسلامي الكبير الذي يقوم به المسلمون من أجل دحض هذا الخطر التبشيري الماحق، وتثبيت دعائم الدعوة الإسلامية.

(4)
وظل ذلك الكتاب القيم أربعة عقود في ثوب طبعته التجريبية التي أصدرها الحاج فايق، إلىٰ أن تفرغ السيد الفقيد رحمه الله للعناية بكتابه القيم ذاك، فأخرجه في حلة بهية، بعد أن زاد في مادته العلمية ما يقرب من الضعف، فجاء في 750 صفحة، يزهو برونق الطباعة الحديثة، مزودا بصور متنوعة لأعلام ومواضع في شرق أفريقيا.



وكان لكاتب السطور شرف الإشراف على مراجعة وتصحيح هذا الكتاب وإعداد صوره تحت عناية المؤلف رحمه الله، وصدرت هذه الطبعة المزيدة عن دار المنهاج، بجدة، سنة 1428هـ/ 2007م.
(5)
أثناء إعداده للطبعة المزيدة من كتابه السابق عن شرق إفريقيا، كان الفقيد رحمه الله قد أعد العدة للكتابة عن أبيه الجليل، الداعية الذي عرفته مجاهل أفريقيا وبلدانها، سواحلها ودواخلها، شواطئها وأدغالها، داعياً إلىٰ الله، ومذكراً ومرشداً إلىٰ سبيل الله، العلامة أحمد مشهور الحداد، المتوفى بمدينة جدة يوم الأربعاء 14 رجب سنة 1416هـ، ودفين جنة المعلاة بمكة المكرمة. كان العلامة السيد أحمد مشهور عضواً في لجنة المساجد في رابطة العالم الإسلامي، وشهدت له قاعات الرابطة خطباً ومشاركاتٍ عديدة، وكان من أصدقائه الشيخ محمد علي الحركان، والشيخ محمد صالح قزاز، وبينه وبين المذكورين أخوة وصحبة في الله، كما توجد بينهم قصائد شعرية، ومساجلات أدبية، تنبي عن عظم ومتانة العلاقة بين أولئك الرجال الأفذاذ المخلصين.



وضع السيد الفقيد حامد رحمه الله، كتابه عن أبيه وسماه (الإمام الداعية الحبيب أحمد مشهور الحداد صفحات عن حياته ودعوته)، وجاء في مجلد فاخر بلغت صفحاته 623 صفحة ومعها ملحق بالصور في آخر الكتاب. وتولت نشره دار الفتح، الأردن، وصدر عنها في طبعته الأولى سنة 1424هـ/ 2003م. مع مقدمة لفضيلة السيد العلامة عمر بن حامد الجيلاني، حفظه الله. وازدان بتقاريظ متنوعة لعدد من العلماء الأجلاء، منهم العلامة أحمد بن علوي الحبشي رحمه الله، والعلامة الداعية السيد محمد سعيد البيض رحمه الله، والسيد العلامة حسين بن محمد بن هادي السقاف حفظه الله، كما تضمن كلمة لسعادة الدكتور محمد علي البار، أحد أصدقاء المؤلف، ومن تلاميذ والده الداعية الكبير.
(6)



وكان آخر ما صدر من نتاج قلمه كتاب (الحضارة الإسلامية وثوابتها أمام تحديات الحضارة والعولمة الوافدة)، صدر عن دار المنهاج أيضاً، في طبعته الأولى، لسنة 1429هـ/ 2008م. ويقع في 238 صفحة.
(7)
كما كان من مظاهر بره وقيامه بواجب إخوانه وأصدقاء عمره، سعيه في نشر ديوان صديقه الشاعر السيد أحمد بن علي بافقيه، المطبوع بعنوان (صدى السنين ورجع الأنين)، الصادر عن دار الفتح، الأردن، في طبعته الأولى لسنة 1430هـ/ 2009م، في مجلد لطيف بلغت عدد صفحاته حوالي 220 صفحة. كان لكاتب السطور القيام بالتصحيح والتقديم والإشراف على الطباعة، كما ازدان الديوان بمقدمة للسيد عمر الجيلاني، والشيخ محمد بن أحمد بافضل (أبوطارق)، وهما من إخوان الشاعر بافقيه وأصدقائه. وهذا لون اجتماعي أدبي متميز، فيه رونق العلم، وحلاوة الأدب، وطلاوة الأخوة والمحبة.



كما طوقني منة أخرى من مننه، بأن قدم لكتابي الذي أفردته عن حياة السيد أحمد عمر بافقيه، بمقدمة قيمة، أضفت على الكتاب رونقاً وقيمة أكبر ..

هذا ما نشر لفقيدنا الراحل رحمه الله، ولا يزال له من المؤلفات التي تنتظر دورها للنشر: ديوان شعره، وكتابان في مناقشة بعض المؤلفين من الغلاة التكفيريين والطائفيين، نرجو أن ترى النور قريباً بإذن الله تعالى. وقد أوكل رحمه الله مهمة التصحيح والمراجعة والإخراج لكاتب هذه السطور، فأسأل الله تعالى أن يعينني على تحمل هذه الأمانة والقيام بحقها.
* * *
رحم الله فقيدنا الكبير العزيز على قلوبنا، وتلقاه بروح وريحان، وأسكنه فسيح الجنان، وخالص التعازي نقدمها لإخوته السادة الكرام علي وعبدالقادر وحسن، ولابنه السيد علوي، ولكافة أسرته وأقاربه ومعارفه ومحبيه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.



ودَاعاً عَالم الشّامِ - في وداع العلامة الدكتور البوطي رحمه الله وغفر لنا وله


ودَاعاً عَالم الشّامِ
بقلم / محمد أبوبكر باذيب
الهند، 23 مارس، 2013






وكانت في حياتك لي عظات ** وأنت اليوم أوعظ منك حيا

اليوم سيوارى الثرى، عالم الشام بلا منازع، عبد ربه، الفقير إلى رحمة ربه ومغفرته، الرجل الذي عاش ملء السمع والبصر، العالم الفذ الذي لا يشق له غبار، ذو التصانيف البهية، والكلمات العذبة الندية، الذي كم نهل من معين علمه الموافق والمخالف، الذي كانت مجالسه مجالس علم وخشية، الرجل الذي كم استدر بحسن بيانه وفصاحته الدموع، وكم أطرب الآذان وأبهج النفوس بتلك المعاني التي يغرفها من بحر الحكم، والذي قاوم المادية العلمية بسلاحها الفكري، والأديب المترسل صاحب القلب العطوف، الذائق المحب العابد الذاكر، الرجل الذي ثبت على مبدأه ولم يحد عنه، حتى قضى نحبه في الأرض المقدسة التي ولد على ثراها، وهاهو اليوم سيودع ثراها .. محمد سعيد ابن الشيخ العارف بالله الملا رمضان البوطي الكردي الشافعي الأشعري النقشبندي.


اليوم سيوارى جثمانك الثرى ..
اليوم سيلقي عليك أهلك ومحبوك نظراتهم الأخيرة ..
أيها العالم الذي انتفع الناس بعلمه، وأنا ممن تتلمذ على كتبك، وانتفعت بها كما انتفع بها الآلاف غيري .. لم أكتب هذه السطور لأرثيك، ولم أكتبها مدحاً لك، أو إشادة بعلمك، فمن أنا ومن أنت، وماذا عساني أن أقول في هذا الباب، فلا ينكر فضلك وعلمك إلا حسود أو حاقد. ولو أن مخالفيك أنصفوك، لما افتروا عليك ما افتروه، وتشفوا من مقتلك كما سمعنا وقرأنا ..
إنما أكتب هذه السطور، ودمعي يتحدر، وعبراتي تسابقني .. أتذكر معها شهداء الشام، وتتمثل أمام عيني صور الأشلاء ممن حصدتهم آلة القتل المجنونة، في فتن عمياء بكماء صماء .. وأمام عيني وناظري صور الأطفال الصغار الذين ذبحوا بلا رحمة ولا هوادة، صور النسوة اللواتي تدرعن بالسواد، صغاراً وكباراً .. صور المقابر الجماعية والأخاديد التي حفرت لتستوعب تلك العشرات والمئات من موتى المسلمين ..
أيها الراحل .. سنفتقدك عالماً، ناصحاً، صاحب مبدأً .. نعم، لا ننكر هذا. ولكن: هل ترانا سنفردك بالبكاء والدموع دون أولئك .. هل سننسى في غمرة أحزاننا أحزاناً ودموعاً لم ترقأ، وأكباداً حرى .. وأيتامى وأيامى .. كلا، فهو أمر صعب جداً على كل ذي نفس حرة، وعلى كل من في قلبه ذرة من الرحمة. لن ننسى شهداء الشام والمظلومين الذين ماتوا ونبكيك منفرداً .. فرحمات الله عليكم أجمعين. وكل منا ومنكم سيلقى الله منفرداً، وسيحاسب على عمله منفردا، (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
أيها الراحل .. كلنا إلى الموت نصير، وكلنا إلى القبر راحلون:
ومن لم يمُتْ بالسيفِ ماتَ بغيره ** تعدّدتِ الأسبابُ والموت واحد
كان قدرك أن تكون من أبناء الشام، ومن أبرز أعلامها، وكبار علمائها .. وأن تمتحن في حياتك بالقرب من الحاكم الغاشم، ليتك لم تكن كذلك .. لكنه قدرك.
كان قدرك أيها الراحل الكبير، أن تكون في ذلك الموضع الذي أقامك فيه ربك .. فتكون للناس فيك دروس وعبر، وأي عبر.
تمنيتُ لمن في علمك وشموخ كبريائك أن لا يكون ممن يمتهنهم ذلك النظام الخسيسالوضيع النذل القذر  ..
ألم يكن في مقدورك أن تعيش بعيداً عنهم!!
ألم يكن في مقدورك أن تهاجر من ديارك كما فعل غيرك!!
كان في مقدورك ذلك، ولكنك كنت تتمثل ثبات الأوائل في حماية الأوطان .. وكنت ترجو أن تطفأ نار الحرب، وأن تحقن الدماء التي خشيت عليها أن تراق .. ولكن: اتسع الخرق على الراقع، وأتى أهل الشام ما كنت تخشاه. فكان وقوفك غير محمود، وبقاؤك في موضعك ذاك ..  قرة عين المبغض والحسود ..
لا فائدة من التمنيات .. قدمت على ربك، وهو أعلم بحالك ونيتك. وقد استودعناك لديه وهو الرحيم العدل الحكيم، نرجو لك الغفران، وندعو لك بالرحمة، وحاشانا أن نكون من الشامتين بموتك وإن كان هناك من يشمت، وليتهم يسألون أنفسهم لماذا يشمتون؟
أولئك المتألون على ربك أن لا يغفر لك ويدعون لك ببئس المصير .. ألم يسألوا أنفسهم، ويقفوا قليلا: أي مصلحة كانت لك من قربك من النظام؟ وأنت شيخ كبير!. لم تكن بحاجة إلى دعم النظام، ولم تكن مستقوياً به، ولم يكن مطمع في مناصب وأنت من أنت ..
أعيذك أن تكون راضياً، لو كنت عالماً بكل تفاصيل ما يجري حولك، بالقتل والتعذيب .. أقول لنفسي: لعلك كنت تداهن البعثيين وتقف بينهم وقلبك يلعنهم .. أيكون موالياً للكفار، راضياً بأفعالهم، من دموعه تبلل نحره كل يوم وليلة خشية من ربه؟!! وهو من هو مثالا للإخلاص والزهد وحب الله والدلالة عليه!! لا والله، حاشاك، وهذا ظني واعتقادي فيك.
لقد كان ثباتك ووقوفك في أرضك، وفي دمشق، وصمودك الرهيب وأنت بين براثن الكفر والطغيان .. مضرب مثل، كان ولن يزال، وإن كان هذا يؤخذ عليك من قبل من أوذوا وأخرجوا من ديارهم، فماذا كانوا ينتظرون منك؟. كنت صاحب مبدأً، يحدثنا صمودك بلسان حاله عنك أنك تقول: إذا خرجت مثل من خرجوا، لمن نترك هذه الديار، وهذه الأوطان؟ ولمن نترك أمتنا وشعبنا، فلنصبر ولندار النظام بما نستطيع .. ونقترب من رأس الحكم حتى نأمن مكره، فنؤدي رسالتنا وأمانتنا تحت أنظاره، فماذا نريد أكثر من تنوير الناس، ودلالتهم على الهدى، والأخذ بأيديهم إلى طريق الله.
فإما حياة تسر الصديق ** وإما ممات يغيظ العدا
كذلك كنت في نظري .. فمن شاء أن يرضى عن فعلك فليرض، ومن شاء أن يسخط فليسخط .. وهذا ما ظننته فيك، وإن كانوا يأخذون عليك فتاوى يقولون: إن الخبثاء استباحوا بها دماء الثائرين .. لكن فتواك بحرمة قتل المدنيين هي الأصل، فهم يتذرعون بهذه الفتوى. وهي صحيحة، ولم يكن لمثلك أن يفتي بسواها .. ولقد كنت من أهل نظر واجتهاد. ومثلك أهل للاجتهاد، ومثلك أهل للنظر، ومثلك مصدر لقول يسمع، ومثلك يؤجر إن أخطأ ويثاب إن أصاب .. الكل يشهد بهذا، حتى من تنكب سبيلك، وقال إنك كنت صاحباً له يوما ما .. له فتاوى مماثلة لفتاويك، عندما كان في مثل موقفك، فلماذا هو اليوم يقليك ويجفوك ويعاديك؟! مثلك ممن قصدهم القائل بقوله:
* فيك الخصام وأنت الخصم والحكم *
ولو لم تكن أنت أنت .. لما تحركت فيك الألسن والأقلام .. هذا، وأستغفر الله العظيم إن زل اللسان والقلم، وبالله سبحانه المعتصم، وهو القصد والغاية، وليس لما في سواه غاية ولا مقصد.
اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم إنا نسألك أن تغفر له ما فرط من أعماله، وتؤجره على ما قدم من حسن عمل، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن مسيئا فتجاوز عنه بمنك وكرمك. وتقبله مع إخوانه ومن تقدمه ولحق به من الشهداء والصالحين، ارفع درجاتهم، وكن لأهاليهم وذويهم راحماً وناصراً ومعيناً. اللهم أطفئ نيران الفتن، ما ظهر منها وما بطن .. اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبنا، ورحمتك أرجى عندنا من أعمالنا.
وصل اللهم وسلم على عبدك ونبيك وحبيبك، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشفعه فينا بمنك وكرمك، وبجاهه نسألك يا أكرم مسئول أن تعافينا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن. والحمدلله رب العالمين.





الأحد، 20 أكتوبر 2013

رثاء شيخنا العلامة المعمر الشيخ أحمد الدوغان الأحسائي رحمه الله



توفي عن مائة وسنتين، شيخنا ومجيزنا العلامة المعمر، فضيلة الشيخ أحمد بن عبدالله الدوغان رحمه الله تعالى، ونزل بموته الإسناد درجة، فقد كان آخر أو من أواخر مَن روى بواسطة واحدة عن مفتي الشافعية بمكة المكرمة السيد العلامة أحمد زيني دحلان المتوفى سنة 1304هـ ، بواسطة شيخه الفقيه محمد بن حسين العرفج (ت 1360هـ).





فقلت أرثيه:
مضى أحمدُ الدوغانُ لله فانقضَى **  به سندٌ عالٍ، وعلمٌ وأعمالُ

مضى أحمد الدّوغان لله راضياً ** فبورك من ماضٍ وبورك أجيالُ

به انتفعَتْ احلامهم، واعتلت بهم ** بلادٌ لها في العلم صيتٌ وأزجالُ

بلادٌ هي اﻷحساءُ إن كنْتَ سائلاً ** فبوركَ من مغنًى به العلمُ سيّالُ

عزاءً بني اﻷحساء فالخطْبُ عمَّنا ** وصالَ بنا وجدٌ، وضاق بنا حالُ

سلاماً على الروحِ التي رفرَفتْ هنا ** سلامَ محبٍّ فاتَهُ منك آمالُ


الأسيف/ محمد باذيب

الأحد، 22 سبتمبر 2013

كلمة في تأبين شيخنا المسند العالم الفاضل علي أحمد السنديلوي رحمه الله



بسم الله الرحمن الرحيم





الحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه، والصلاة والسلام والسلام على سيدنا وشفيعنا وقرة أعيننا رسول الله، محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد؛ فقد جاءني نبأ وفاة شيخنا الفاضل، ومجيزنا الحلاحل، جامع الفواض والفضائل، الشيخ العلامة المسند الصوفي علي أحمد السنديلوي، في مدينة لاهور من أرض البنجاب، رحمه الله رحمة الأبرار، وأحله دار القرار. وإن هذه السنة السنة قد توفي فيها من علماء الأمة وصالحيها وأعيانها عدد غير قليل، وفي مثلها يقال:
فيا سنةً مرت بأعواد نعشهم  ** لأنتِ علينا أشأمُ السنواتِ
أما شيخنا الجليل، رحمه الله، فإني كنت اتلقيت به في البلد الحرام، قبل عدة سنوات، وكان يصحبه شيخنا العلامة المحقق الشيخ عبدالحكيم شرف القادري، وكانا كفرسي رهان، يتصاحبان في كل مكان، ويحجان معاً ويعتمران. وتسنى لي الأخذ عنهما معاً، وكان ذلك فضل من الله ومنّ، والحمدلله على مزيد فضله.
والمرجو من كافة أحباب الشيخ، وتلاميذه، وعارفي فضله، أن يجمعوا مؤلفاته، وما قام بنشره من علم نافع، فيجمعوه في كتاب واحد، لتعم الفائدة، ويبقى للشيخ ذكره، فهو من الصدقة الجارية. 



ويضمنوا ذلك ترجمة وافية عن حياته، وترجمة أشياخه، وغير ذلك مما يعرفه أهل الاختصاص، وبهذا نقوم بحفظ حقوق الأشياخ، ونبقي ذكرهم في الأجيال، ويكون لعلمهم حضور في محافل العلماء، وعند الباحثين في المكتبات الإسلامية، والتراث الإسلامي الزاخر. فأوصي نفسي وإخواني بهذا، والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أخلف الله علينا أهل العلم والصلاح، ولا حرمنا من بركات محبتهم واتباعهم والحضور في مجالسهم، فهم القوم الذين لا يشقى بهم الجليس.
اللهم أجرنا في مصيبة فقد العلماء والصالحين، واخلفهم فينا وفي أهلهم في الغابرين، والحمدلله على كل حال، ونعوذ به من أحوال أهل الضلال، وصلى الله وسلم على سيدنا وأسعدنا وأشرفنا، رسول الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين.

كتب ذلك محبه الأسيف
د. محمد أبوبكر باذيب
من أرض الحرمين في 17 ذي القعدة 1434هـ
موافق 22 سبتمبر 2013م