الأربعاء، 19 فبراير 2014

النص الكامل للحوار الصحفي الذي أجري مع الأستاذ عبدالله محمد الحبشي




النص الكامل 
للحوار الصحفي الذي أجريَ
مع الأستاذ عبدالله محمد الحبشي




س1/ أستاذ عبدالله حبشي، اشتغلتم طويلا في ميدان التراث والتحقيق، وبخاصة التراث اليمني. نحن نعرف أن اليمن مستودع كبير للمخطوطات، وجزء كبير لم يفهرس، فلا يعرف عني شيء. هل ترون أملا في ظهور أجيال جديدة كفؤة لاستكمال مسيرة المحققين الحاليين، وهم قلة، وأنتم منهم؟.
ج1/ لقد غبت عن اليمن مدة طويلة، بعد أن تحول عملي إلى المجمع الثقافي في مدينة أبوظبي، ولم أعد أتابع الرسائل الجامعية الحديثة، والتحقيقات المعاصرة، الصادرة في اليمن، لكثرتها. وعندما كنت في صنعاء كانت تعرض علي الكثير منها، وقد لاحظتُ على عدد من تلك الرسائل اليمنية، وغيرها من رسائل غير اليمنيين الذين اعتنوا بالتراث اليمني، كمحقق كتاب (بغية المستفيد) لابن الديبع (ت 944هـ/ 1537م)، الذي ظلت طبعته رائجةً ومعتمدة مدة من الزمن، إلى أن قدِّر لي الحصولُ على الأصول الخطية للكتاب، فلما قابلتها بالنسخة المطبوعة تبين لي وجود فوارق كبيرة، عدا أنه لم يكن يحسن قراءة المخطوط في بعض مواضع، وتعليقاته تدل على ذلك. كتعليقه على كلمة (البردعان) بأنه مرض خطير! والصواب: أنها كلمة (البرتقال) كتبت مصحفة محرفة!. فلا هي مرض ولا هم يحزنون!. فهذه العينات، وغيرها كثير، لا سبيل إلى استقصائها، تجعلنا نحتاط في عمل المحققين المعاصرين، ولو كانت رسالة جامعية.
* * *
س2/  كتبتم عن اليمن في عصر بني رسول. وقد كان بنو رسول في الحجاز، وفي مكة المكرمة، بالذات، وكانت مكة على عهدهم في نشاط فكري، وعلماء الحرمين في ذلك العصر من الطبريين والنويريين وآل ابن فهد، وغيرهم. يملؤون الآفاق بإنتاجهم. ألا تعتقدون أن بعض مؤلفاتهم قد وصلت اليمن، واستودعت لدى خزائن العلماء فيها.
ج2/ في العصر الرسولي اختلطت أخبار اليمن بأخبار الحرمين الشريفين، ومعلوم أن دولة بني رسول كان لها الفضل في دعم المذهب السني، والتصدي للمذاهب الأخرى. والقارئ المتمعن في (الضوء اللامع) للسخاوي نزيل المدينة، أو (الدر الكمين) لابن فهد المكي، يلاحظ أن رحلة العلماء المكيين إلى اليمن كانت متواصلة، وكانت زبيد مسقط رؤوس عدد كبير من علماء بني ظهيرة، وغيرهم من الأسر المكية العريقة. وألف التقي الفاسي، مؤرخ مكة الشهير، كتاباً عنوانه (غاية السول في تاريخ بني رسول)، ولكنه مفقود للأسف. على أنه يمكن استخراج مادة تاريخية جيدة، في الموضوع ذاته، من كتبه الأخرى، كالعقد الثمين.
وعن وصول التراث المكي إلى اليمن، فهذا أمر لا شك فيه، وقد احتفظ الكثير من علماء حضرموت الذين درسوا في الحرمين الشريفين بعدد من مؤلفات شيوخهم، كما حمل القادمون من علماء الحرمين جزءا من تلك المؤلفات إلى اليمن في فترات زمنية مختلفة.
فعلى سبيل المثال، وقفت في مكتبة جدنا الثالث، العلامة السيد عيدروس بن عمر الحبشي، في بلدتنا (الغرفة) بحضرموت، على مجموع بخط جار الله ابن فهد، يضم عدداً من الرسائل، منها رسالة عن السيول الكبيرة التي سالت في البلد الحرام، ورسالة أخرى عن بني شيبة حجبة وسدنة الكعبة المشرفة، وغيرها من الرسائل القيمة، وكلها بخطه. وقد قمت بتحقيق بعض تلك الرسائل، ولكن حالت ظروف عن نشرها.
* * *
س 3 / مشكلة الباحثين أنهم يعانون الأمرين في الحصول على مصورات للمخطوطات التي يشتغلون عيلها، فما الصعوبات التي واجهتموها في هذا الصدد، عند التعامل مع المكتبات العربية عامة، واليمنية خاصة، للحصول على صور  المخطوطات التي تدرسونها؟.
ج3/ هذا السؤال حقه أن يقدم قبل سنوات، أما اليوم ومع انتشار الإنترنت، وانخراط الكثير من الباحثين في صفوف المستخدمين والمتابعين، فإنه لا يبقى لهذا السؤال كبير داع. نعم، توجد نسخ من مخطوطات نادرة في مكتبات خاصة لم تصلها أيدي المفهرسين بعد، ولكنها ذات نسبة قليلة أمام ما تم نشره ورفعه في المواقع المختصة بالمخطوطات على شبكة الإنترنت.
* * *
س4/ كان للألمان والغربيين دور في العناية بالتراث اليمني المخطوط، كيف تقارنون دور الأوربيين مع دور مؤسسات التراث العربي، كالجامعة العربية وغيرها؟.
ج4/ يجب أن نعيد الفضل في الفهرسة والتعرف على المخطوطات اليمنية إلى المستشرق جريفني، الذي قام بفهرسة مكتبة الأمبروزيانا بميلان، وهي مكتبة شاملة كاملة، تضم المخطوطات اليمنية التي اشتريت أوائل القرن العشرين، من صنعاء. وقد ضمت مجموعة كبيرة من الكتب. وهو فهرسٌ شامل كبقية الفهارس التي أخرجها المستشرقون، سنة 1909م. فهذا يبدو لي أنه رائد المخطوطات اليمنية الأول، بحسب فهرسه هذا وتاريخ نشره.
يتلو ذلك المستشرق آلوارد، في كتابه فهرس مكتبة برلين، كان أخذها المستشرق جلازا من صنعاء، وهربها إلى ألمانيا.
أما المفهرسون العرب، فكان رائدهم الأستاذ فؤاد سيد، رحمه الله، الذي أصدر قائمة بميكروفيلمات للمخطوطات التي صورتها بعثات الجامعة العربية إلى اليمن، منها بعثتان إلى الشمال في سنتي 1948م، و1952م برئاسة خليل يحيى نامي. وبعثة إلى حضرموت سنة 1974م.
كما كانت لليمنيين مشاركة في إعداد فهارس لبعض المكتبات، كان أولها كتاب (فهرست كتب الخزانة المتوكلية العامة بجامع صنعاء)، وضعه القاضي محمد بن أحمد الحجري، وقد طبع هذا الفهرس في مدينة صنعاء، وهو من نوادر المطبوعات اليمنية، صدر عام 1361هـ/ 1941م.
كما صدر فهرس خاص بمخطوطات القسم الغربي من مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، عملت على وضعه لجنة ارسلت من دولة الكويت سنة 1970م، تقريباً. وهو مطبوع أيضاً.
ثم أصدرتُ بالتعاون مع الأستاذ أحمد عبدالرزاق الرقيحي فهارس مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، في 4 مجلدات، وهو إعادة إخراج وترتيب لمحتوى فهرس القاضي الحجري، بتطبيق القواعد المتبعة في الفهرسة، حيث كان القاضي الحجري اكتفى في فهرسه بذكر اسم الكتاب ومؤلفه فقط، ولم يعدّ أوراق الكتاب ويذكر اسم ناسخه وتاريخ النسخ، وغير ذلك من متطلبات صنعة الفهرسة المتعارف عليها.
وأكرر القول بأن لهم قصب السبق في الفهرسة والتبويب، ونشر المخطوطات وفق قواعد التحقيق المتعارف عليها، على الرغم من العيوب الكبيرة في مناهجهم الفكرية التي يدسون فيها السم في العسل، وينشرون عن الإسلام أفكاراً مشوهة مغلوطة.
* * *
س5/ كتابكم عن الرحالة اليمنيين يلم بطرف بسيط، ألا تنوون استكماله بأعمال لاحقة؟.
ج5/ نعم، هناك نية لإعادة إخراجه بشكل جديد. كما أن هذا الكتاب من الكتب وثيقة الصلة بمكة المكرمة، وهناك العديد من الرحلات المهمة التي توثق تاريخ الحرمين الشريفين، بل وتاريخ جدة، مثل (بلغة المرام) ليحيى بن إسماعيل ابن المطهر، ومن هنا فإن أهميته تتزايد كونه يتصل بتاريخ الحرمين الشريفين.
* * *
س6/ ما يجمع اليمن والمملكة العربية السعودية تراثيا، وتاريخيا، وجغرافياً، حقائق كثيرة، تؤكدها الدراسات التاريخية، فكيف ترون مستقبل هذه العلاقة؟
س7/ الحرمان الشريفان كانا نقطة تواصل بين العلماء، تجمع بين العالم المكي والمدني، وبين علماء الأصقاع، لا تعيقهم الحدود، ولا الأعراق، فما تعليقكم على ذلك؟
ج 6 و7/ أحسن كتاب يصور لنا عمق الصلات التاريخية بين البلدين هو كتاب (الضوء اللامع)، ولقد أطنب السخاوي في تراجم أعلام كتابه، وقل أن يترجم لعلم إلا ويذكر رحلاته وأسفاره، ولاشك أن الحرمين الشريفين يحوزان قصب السبق في كثرة الواردين عليهما من شتى النواحي والأقطار.
أما مستقبل العلاقة فهي إلى نماء وتطور فيما يخدم مصالح البلدين الشقيقين، ولاشك أن من صالح المنطقة أرضاً وإنساناً أن يكون هناك تكامل وتعاون مشترك، فالدين والعرق والجوار، والكثافة السكانية، مقومات لنهوض كبير في المنطقة، إذا أحسن الإنسان استثماره فيما يعود على الجميع بالخير والمنفعة. كما أن بلاد الحرمين الشريفين جمعت أطيافاً من الأعراق في تمازج وانسجام قل نظيره في العالم، وهذه صورة مشرقة لسماحة ديننا الإسلامي العظيم، الذي ألغى الفوارق بين البشر وصهرها في بوتقة الدين الواحد، وجمع الكل تحت لواء (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) صلى الله عليه وسلم.
* * *
س8/ كرمكم الأستاذ عبدالمقصود خوجة في إثنينيته، فما انطباعكم، خاصة في تفاعل الحضور مع أطروحاتكم الفكرية الثقافية؟.
ج8/ لقد كان تكريمنا من قبل الأستاذ عبدالمقصود ضمن مساهماته الطيبة بالاحتفاء بمن يظن فيهم الخير، وعسى أن أكون عند حسن ظنه، وإلا فلست أهلا لذلك، وكان التفاعل جيداً في الأمسية الثقافية التي صاحبت التكريم.
* * *
س9/ تولي المملكة العربية السعودية التاريخ الثقافي والحضاري للحرمين الشريفين والمدينتين المقدستين عناية خاصة، فماذا تقولون عنها؟
ج/ منذ نشأت المملكة وهمها الأول هو العناية بالحرمين الشريفين، فليس بدعاً أن نسمع كل يوم خبراً من هذه الأخبار السارة بالعناية التاريخية والحضارية للحرمين الشريفين وما يتصل بهما.
* * *
س10/ هناك أعمال أدبية وشعرية لشعراء من الحجاز في القرون الماضية، ضاعت أعمالهم، ولا نعرف عن توافر نسخ مخطوطة لها. فهل تضيئون شيئا من الحقيقة تجاهه، حفاظاً على الهوية الأدبية؟
ج10/ لحسن الحظ أن أكثر هذه الكتب لم يضع، فهناك ديوان كبير للعلامة عبدالعزيز الزمزمي المكي (ت 976هـ/ 1568م) توجد منه عدة نسخ، منها نسخ في المكتبة الأزهرية. ومنها: ديوان ابن العليف، شاعر البطحاء، يوجد في الأزهرية أيضاً، وأغلب مدائحه وأشعاره في المجتمع المكي.
ومنها: كتاب بعنوان (ديوان الرسائل)، لأديب مكي، اسمه محمد يعقوب، يقع في مجلد ضخم، منه نسخة في مكتبة جدنا العلامة عيدروس بن عمر الحبشي (ت 1314هـ/ 1896م) في بلدة الغرفة بوادي حضرموت، ونسخة أخرى في برلين.
وهذا الأديب له ترجمة في الأعلام للزركلي. وديوان رسائله هذا يضم تقاريظه على مؤلفات معاصريه، والرسائل المتبادلة بينه وبين أعلام عصره، فهو خزانة تاريخية مهمة.



وفي الرابط التالي تجدون الحوار منشورا في عكاظ (مختصرا)
http://www.okaz.com.sa/new/mobile/20140214/Con20140214677333.htm

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق