الأربعاء، 7 يونيو 2017

نبذة عن حياة الشيخ محمد بن أبي بكر باعشن (1337-1438هـ) رحمه الله


نبذة عن حياة الشيخ محمد بن أبي بكر باعشن
(1337-1438هـ)
بقلم تلميذه
محمد أبوبكر عبدالله باذيب[1]




الحمدلله حقَّ حمدِه، والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد رسُول الله وعبدِه، وعلى آله وصَحبِه ومن اقتفى أثره واستنَّ بسُنَّته من بعدِه. أما بعدُ؛ فهذه سطورٌ في التعريف برجُلٍ من أهل الله الصالحين، ممن اشتهرر صلاحه بين العام والخاص، لا يتنازع في ذلك اثنان. رجُل كان مبتعداً كل الابتعاد عن الشهرة والظهور،، دافناً نفسه في أرض الخمول، ولكن أبى الله إلا أن يظهر شأن محبوبيه، فكان يوم موته يوماً مشهوداً، خرج الناس لتشييعه زرافات ووحداناً، حتى ازدحمت بهم الطرقات، وضاقت بهم جنبات الشوارع الفسيحات.



ذلك الرجل الصالح، هو الشيخ الفقيه محمد بن أبي بكر باعشن، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وقد كنت أتهيب الكتابة عنه، وأتحاشى ذلك، حتى ألحَّ علي بعض الفضلاء، وذكَّروني بواجبِ تعريف الأمة بسيرة رجل صالح، لعل الله أن ينفع بها من يقرأها، وأنه لو ترك الناس تدوين أخبار الرجال الأعلام، لفُقد علمٌ كثير. فعدتُ إلى مقيداتي، وتسجيلاتي، فجمعتها، ولخصتها، وهذبتها، فجاءت هذه الخلاصة كما يرى القارئ الكريم.
وقد استأذنت ابنه الأستاذ حسين في الكتابة عنه، قياماً بحقه، وتلبية لرغبة ملحة من أستاذنا القدير علي بن سعيد باعشن، مدير فلاح جدة الابتدائية الأسبق، وغيره من محبي الفقيد، وقد راجع هذه الترجمة الأستاذ حسين، المذكور، وأمدني ببعض المعلومات التي تكملها، فجزاه الله عن أبيه خير الجزاء. وفي الحقيقة إن واجب الشيخ على محبيه كبير، ولست الوحيد ممن جالسه وقرأ عليه، بل هناك كثيرون، ولعلهم سمعوا منه ما لم أسمع، فمن اطلع على هذه السطور، ووجد فيها قصوراً أو نقصاً فليبادر إلى التنبيه والاستدراك، وحسبي أني كتبت ما سمعته من الشيخ، فقد كنت أسأله في كل مرة ألقاه، وأكرر عليه بعض الأسئلة حتى أتيقن من صحة المعلومات التي كتبتها عنه فيما سبق.
(1)
اسمُه ونسبه: محمد بن أبي بكر بن بن عبدالله بن أبي بكر بن عبدالله ابن الشيخ العلامة الفقيه الإمام سعيد (ت 1270هـ) بن محمد بن علي باعشن. الفقيه الشافعي المذهب، العالم الصالح، المربي المحتسب الناصح. أخبرني رحمه الله أن جده الثالث، الشيخ عبدالله بن بن الشيخ سعيد، خلف أربعة أولاد: أبوبكر (الجد الثانيي لشيخنا)، وعلي (والد محمد صالح التاجر، وعبدالرحمن)، وصالح (والد محمد بن صالح، المخرِّج)، وأحمدد (لم يعقب).
قال رحمه الله: «محمد صالح باعشن اثنان: 1- محمد بن صالح بن عبدالله باعشن، المخرِّج، كان ضريراً. 2- محمد صالح بن علي باعشن، تاجر الشاهي، هذا له «مذكّرات». وهو والد التاجر أحمد بن محمد صالح».
مولده: ولد في بضة سنة 1337هـ، كما أخبرني ابنه حسين، حفظه الله. وهو بكر أبيه، وبقية إخوته هم المشايخ الفضلاء أحمد (رحمه الله)، وعبود، وعمر، وأخت واحدة. وأخوالهم من بيت المعجاء العمودي، من أهل بضة. وقد تزوج منهم. وله من الأبناء عبدالله (مات صغيراً، جعله الله نافعاً)، وحسين، حفظه الله، وأربع بنات.
موجز حياته: قدم إلى جدة وهو في نحو العاشرة من عمره، أي سنة 1350هـ تقريباً، والتحق بمدارس الفلاح، وأدخل بعد اختباره إلى صف متقدم، وواصل الدراسة بها حتى تخرج من الصف العالي، الذي كان يسمى الكفاءة.
كان مدير الفلاح وقتها الشيخ حسين عبدالقادر مطر (ت 1360هـ)، وهو معدود في أساتذته. كما درس على يدَي كل من: الشيخ عمر بكر حِفْني. والشيخ عبدالوهاب نشَّار، الثلاثة تولوا إدارة المدرسة على التوالي. ومن مقروءاته في الفلاح: متن «أبي شجاع» مع شرحه «ابن قاسم». ومتن «الجوهرة»، ثم متن كتاب «التوحيد». وكتاب «نور اليقين» للخضري، في السيرة النبوية. بالإضافة إلى مختارات من الحديث النبوي.
كما انتفع بالسيد العلامة القاضي محمد المرزوقي أبوحسين المكي (ت 1365هـ)، حضر دروسه بمسجد عكّاش، وكان السيد المرزوقي تولى القضاء في جدة مدة من الزمن، وطُلِب للتدريس في الفلاح. ومنهم الشيخ فيصل بن عبدالعزيز المبارك (ت 1376هـ) درس عليه كتاب «التوحيد».



كانت مدة دراسته في الفلاح حوالي خمس سنوات، فتخرج سنة 1357هـ، وكان الأول على دفعة الخريجين في تلك السنة. مكث في جدة بعد تخرجه بضع سنوات، غادر بعدها إلى حضرموت، حوالي سنة 1360هـ أو التي تليها لزيارة الأهل والأقارب ومعاهد الصبا ومسقط الرأس. ثم قصد مدينة العلم تريم الغناء، وأدرك بها عدداً من أهل العلم والفضل، أشهرهم شيخ رباط العلم، الحبيب العلامة عبدالله بن عمر الشاطري (ت 1361هـ)، أدركه أواخر عمره، ولم يطل مكثه في تريم، بل عاد إلى دوعن بعد قضاء أربه.
وفي تلك الأثناء، اتفق حدوث المجاعة الشهيرة، وانقطعت المواصلات من وإلى حضرموت مدة طويلة، ولم يتمكن من السفر والعودة إلى جدة إلا أواخر الستينات. وفي مدة جلوسه في حضرموت، قام بالتدريس في مدرسة القويرة إلى جانب الشيخ العالم الصالح سالم بن حسن بلخير (ت بجدة 1407هـ). وسار إلى عدن، وعمل بها لبرهة من الزمن، وكان من أصدقائه بها، السيد العلامة أحمد بن علوي الحداد، كما أخبرني بعض أحفاده.
في عام 1367هـ أو العام الذي بعده، رجع المترجم إلى جدة، واستقر بها من ذلك الحين وحتى وفاته، ولم يعد بعدها إلى حضرموت. وعمل في عدة أعمال تجارية، وأطول مدة قضاها كانت في شركة قريبه الشيخ أحمدد بن محمد صالح باعشن، في تجارة الشاي.
ونظراً لسكناه في منطقة جدة القديمة، فقد تسنى للمترجم الحضور على الشيخ العلامة علي سالم العميري في مسجد زاوية الحضارم، الكائنة في سوق الندى، فحضر دروسه في كتابه «دليل الطريق»، وانتفع به. كما تردد على دروس الشيخ محمد حسين الفقيه في مسجد عكَّاش، بشارع قابل، وكذلك الشيخ القاضي المرزوقي أبوحسين، كما سبق.
ومما سمعته منه: بعد صلاة الجمعة 3 ذي القعدة 1432هـ، وهو يذكر بعض معارفه وأصدقائه، من آل باديب: الشيخ سعيد باديب، أولاده ثلاثة: أكبرهم محمد، العطَّار في سوق الجامع. وعبدالقادر، وسالم. عبدالقادر كان صديقي في مدرسة الفلاح، وكان صوته جميلاً، وكان أستاذنا الأزهري محمد سرحان، وهوو مقرئ المدرسة، يطلب منه أن يقرأ في حصص القرآن، ويعجب بصوته. وأما أخوه سالم باديب، فكان يسكنن البغدادية، وسبب موته أن ثوبه علق في سيارة، وسحبته، فمات».

تدريسُه و إمامته في مسجد بن ملُّوح
كان الشيخ رحمه الله يلقي دروساً للمصلين في مسجد زاوية الهنود، المعروف بمسجد الحنفي. وكانت دروسه بعد الظهر غالباً. ثم في مسجد بن ملُّوح (الكيلو 1)  كان يلقي دروساً بعد الصلوات، عبارة عن مواعظ مختصرة، لا يطيل فيها. ويحضر عنده بعض طلبة العلم، إلا أنه لم يكن يعقد حلقة للتدريس، بل يكتفي بالقراءة اليسيرة عقب صلاة العصر غالباً، ولاسيما في شهر رمضان المبارك.
وأما إمامته: فأخبرني رحمه الله، أن مسجده هذا، بناه رجلٌ من أهل الرياض، يقال له ابن مَلُّوح، سنة 1369هـ، كان من خواص رجال الملك عبدالعزيز. وهو صاحب السوق المجاور للمسجد. قال الشيخ: «لو كان بن ملُّوح يعلم أن المسجد سوف يزدحم بالمصلين لجعله مكانَ السوق». وأخبرني أنه عيِّن إماماً من جهة الأوقاف في سنة 1400هـ، أي بحسب التعيين الرسمي، وإلا فقد كان يؤم المصلين قبل ذلك التاريخ بسنوات. ثم جدد سنة 1431هـ، على يد فاعلي خير، وعمر عمارة متقنة، تقبل الله من الجميع.
شيوخه
(1) شيوخه في جدة ومكة:
قال رحمه الله: «أنا إنما طلبت العلم في الحجاز، وأخذت عن شيوخ حضرموت بعد عودتي إليها، ولكن تفقهي وتعليمي كان في فلاح جدة»، أو قريباً من ذلك.
1- فمن أوائل شيوخه وأساتذته بجدة، مدير مدارس الفلاح، الشيخ حسين عبدالقادر مطر (ت 1360هـ).
2- الشيخ عمر بكر حِفْني، وقد تولى إدارة فلاح جدة.
3- الشيخ عبدالوهاب نشَّار، درس عليه السيرة النبوية في كتاب «نور اليقين» للخضري، ومتن «أبي شجاع» مع شرحه «ابن قاسم».
4- السيد محمد المرزوقي أبوحسين، كان قاضياً بجدة، وله دروس في مسجد عكَّاش.
5- الشيخ المقرئ أحمد بن محمد الزهرة الدمياطي، المتوفى بالمدينة المنورة سنة 1364هـ، أخذ عنه في مسجد الشافعي بجدة.
6- الشيخ محمد حسين الفقيه، إمام مسجد عكَّاش، المتوفى بجدة سنة 1355هـ. صاحب المؤلفات المعروفة.
7- الشيخ سالم محمد أشرم (1327-1407هـ)، كان أستاذ مادة القرآن الكريم من الابتدائي إلى الكفاءة. قبل أن يتولى إدارة المدرسة الابتدائية، بعد تقسيمها. توفي بتاريخ 22 صفر 1407هـ، عن 80 عاماً.
8- الشيخ علي بن سالم العميري، المتوفى حوالي سنة 1375هـ، أخذ عنه، وقرأ عليه في كتابه «دليل الطريق» في زاوية الحضارم بين العشاءين، قال فيه: «نعم الرجل».
9- الشيخ المقرئ محمد سرحان (والد حسين سرحان، الأديب).
10- الشيخ فيصل المبارك، كان محتسباً في هيئة الأمر بالمعروف بجدة، درس في الفلاح، تلقى عليه شيخنا «كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد»، ثم خلفه ابنه عبدالعزيز المبارك. قال شيخنا: «وكنا قد درسنا قبل كتاب التوحيد متن «الجوهرة» للعلامة اللقَّاني».
11- السيد العلامة علوي بن عباس المالكي، المتوفى بمكة سنة 1392هـ، حج معه في بعض السنوات، وحضر بعض مجالسه، وله منه إجازة.
12- وأخبرني أنه التقى بالسيد المسند الرحَّالة سالم ابن جندان، وهو من علماء إندونيسيا لما قدم للحج، ولعل ذلك سنة 1378هـ، ونال منه الإجازة العامة في مروياته.
13- الشيخ العلامة محمد المختار الشنقيطي (ت 1405هـ) شارح سنن النسائي، لقيه في جدة، وكان مدرساً في مدارس الفلاح لعدة سنوات، لقيه شيخنا انتفع بدروسه ومجالسه، وله منه إجازة عامة.
(2) شيوخه في حضرموت ودوعن:
14-  السيد الحبيب عمر بن جعفر بن محمد بن حسين العطاس، أخذ عنه في بضة، كان إمام مسجد النور بها. توفي أول عهد الشيوعية بعدما سمع بأخبار السحل، حوالي سنة 1394هـ. حضر مجالسه وله منه إجازة.
15- السيد الحبيب حسين بن حامد العطاس، الملقب جبريل (ت 1367هـ)، من أهل بضة. حضر مجالسه وله منه إجازة.
16- السيد الحبيب أحمد بن عبدالله خرد (ت 1407هـ)، من أهل بلده بضة، كان إمام جامع الشيخ محمد بن عثمان. حضر مجالسه وله منه إجازة.
17- وممن استفاد منهم السيد القاضي محمد بن سالم بن هود العطاس، كان قاضيا في محكمة شرق بالخريبة. حضرنا مجالس معه، قال الشيخ: وهو صاحب المقولة الشهيرة: (من بغَى الحرْفُوف يركُض له)، وذلك أنه كان يخرج صبيحةَ كل يوم من بيته في بضة، إلى مقر عمله في الخريبة، فإذا قيل له: إلى أين ياحبيب محمد؟. فيجيبهم بتلك المقولة.
18- أدرك الحبيب عمر بن طاهر الحداد، منصب قيدون، المتوفى بها سنة 1359هـ، وله منه إجازة.
19- الحبيب المعمَّر مصطفى المحضار، المتوفى بالقويرة سنة 1374هـ، حضر مجالسه وله منه إجازة.
20- الحبيب الأديب علوي بن محمد المحضار، المتوفى بالقويرة سنة 1378هـ، حضر مجالسه وله منه إجازة.
21- الحبيب العلامة عبدالله بن عمر الشاطري، المتوفى سنة 1361هـ، أخذ عنه بتريم.
أخذي عنه: أجازني مرات متعددة، وقرأت عليه، قراءة درس وتحقيق، باب الصيام من كتاب «مواهب الديان» لجده الأعلى الشيخ سعيد باعشن، في مسجده ، ابتدأت فيه عشية الثلاثاء 5 رمضان 1425هـ، وختمت الباب عشية الأربعاء 20 رمضان من العام نفسه. كما سمعت عليه بعض «رياض الصالحين»، وقرأت عليه «ثلاثيات البخاري» أكثر من مرّة، وقرأت وسمعت عليه أجزاء من بعض المتون كمتن «السفينة»، ومنظومة «الزُّبَد»، وغيرها. وزاره معي عدد من طلبة العلم والمشايخ، وأجازهم.
صفات الشيخ ومزاياه
أجيال تلو أجيال، عرفت الشيخ محمد باعشن، إماماً وخطيباً في مسجد طريق مكة، كان رحمه الله جهوري الصوت، ذا نغمة محببة في القراءة، يتلو كتاب الله على طريقة وأداء قراء حضرموت، وكان كثيرون يقصدون مسجده للتلذذ بسماع تلك النغمة الجميلة، التي تسلب العقول. وكان صاحب خشوع وحضور قوي في الصلاة.

وكان رحمه الله يطرز خطبه ومجالسه بمواعظ مفيدة، خصوصاً توجيهاته الفقهية للمصلين، فكانت خطبه الجمعية عبارة عن دروس فقهية مكثفة، ولا يترك مناسبة دينية سنوية إلا ويذكر الناس بأحكامها وفضائلها. ولا ينسى المصلون خلفه تنبيهه على أمور مهمة يخل بها بعض المصلين قد تؤدي إلى بطلان صلاتهم. فما كان أحرصه على صحة عبادة وصلاة من يأتم به، لله دره من رجل كان يحب الخير للناس كلهم.
وكان رحمه الله صريحاً، لا يحابي ولا يداهن، ولا يخشى في الله لومة لائم. وكان مشهوراً بتمسكه بمعتمد مذهب إمامه الشافعي رحمه الله، فكان لا يترك الجهر بالبسملة، ولا القنوت في صلاة الفجر، ومن المواقف الطريفة التي يذكرها ملازمو مسجده، أن شخصاً محتسباً أتاه يوماً إلى المسجد، وكلمه أمام الناس عن إصراره على الجهر بالبسملة على خلاف السائد في مساجد جدة، فما كان منه إلا أن أجابه بجواب مسكت، ولم يعد الرجل بعدها إلى الإنكار.
وكان كثيراً ما يرشد الناس إلى العمل بالسنة، ويعنف من يراه متهاوناً بها، فكان إذا ختم خطبته، وهمَّ بالنزول من على المنبر، يهبُّ بعض الناس وقوفاً استعداداًَ للصلاة، فكان يعنفهم، ويقول لهم: قد خالفتم السنة. لا تقوموا إلا بعد إقامة الصلاة، اتركوا العجلة.
من أهم مزاياه رحمه الله، عصاميته، وشدة شكيمته، وقيامه في كل شئونه الخاصة بنفسه، فكان الناس إذا رأوه في الطريق حاملاً شيئاً من أغراضه الخاصه يتسابقون الى حملها عنه، فيرفض البتة، ولا يمكن أحداً من حمل شيء مهما كان وزنه. كما كان يربي غنيمات في حوش منزله، يشرب من لبنها، ويأكل لحمها، ولا يشتري ذلك من السوق على الإطلاق.



وكان يواسي أقاربه وذويه، ويراسل من بعد منهم ويتفقد أحوالهم.
وكان يحج كل سنة الى أواخر عمره، سيراً على قدميه، يطلع الى عرفات في اليوم التاسع صائماً، ويفطر في عرفات، ثم يكمل حجه منفرداً، ولا يتقيد بحملات الحج، وربما يرافقه بعض جيران مسجده في بعض السنوات، ولم يتوقف عن الحج إلا في سنوات قليلة قبيل وفاته، بسبب إصابة في رجله، منعته من كثرة المشي.
وكان رحمه الله شديد التواضع، كثير الشفقة على المساكين والفقراء. زاهداً في الدنيا ومتاعها، متقللا منها الى الغاية، مع أنه من بيت يسار ولو شاء لسكن أفخم القصور، وركب أفره المراكيب، ولكنه كان من العباد الفطنا، الذين طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا. كان قدوة في كل شئونه، وقد أتعب من بعده، رحمه الله.
وفاته
لم ينفك شيخنا، رحمه الله تعالى، عن ملازمة مسجده، وما كانت تفوته فيه فريضة واحدة طيلة عقود من الزمن، فضرب بذلك أروع الأمثلة، وأرفعها. فكأنه حمامة لا تبرح المسجد، لا يراه الناس إلا ماشياً من أو إلى المسجد. وإذا دخل بيت الله اشتغل بالذكر والتلاوة والإقبال على الله، وقلَّما يتكلم مع الناس في الشئون العامة. متباعداً عن كل ما يشغله عن عبادته وتوجهه. وفي يوم وفاته، فجر يوم الأحد، الثامن من شهر رمضان المبارك سنة 1438هـ، خرج من بيته بعد أن تسحَّر وأمسكَ، يسير إلى المسجد كعادته، قبيل الأذان، وعندما حاذى المسجد، وأراد أن يقطع الشارع (طريق مكة النازل)، إذا بسائق متهور كان يقود سيارته بسرعة كبيرة، ولم يتنبه لمرور الشيخ وقطعه الشارع، فكان ذلك الحادث الأليم، الذي أردى ذلك الشيخ الصالح، ولم يتحمل جسده النحيل تلك الصدمة القوية، ففاضت روحه في حينها إلى بارئها، ولقي ربه متطهراً صائماً مقبلاً على العبادة، ماشياً إلى بيت من بيوت الله، فيالها من خاتمة حسنة. وكان قد صلى بالناس العشاء والتراويح كاملة في تلك الليلة. وكان المصلون قد سمعوه فيما مضى من الليالي يكرر عليهم حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه». فنرجو أنه قد نالته تلك الفرحتان، ففرح بصومه، وفرح بلقاء ربه. رحمه الله تعالى رحمة واسعة.



أقيمت صلاة الجنازة في مسجده، بعد صلاة العصر، وازدحم الناس للصلاة عليه، واكتظت بهم الشوارع والأماكن المحيطة بالمسجد، وتعطلت حركة المرور. وشيعت الجنازة وسار الناس بها على أكتافهم إلى مقبرة حواء الشهيرة، وكانت جنازة خفيفة، ولم يشعر الناس وهم صائمون بأدنى تعب أو عطش، مع بُعدِ المقبرة عن المسْجد، وأقيمَت صلاةٌ ثانية على الجنازة خارج المقبرة، ثم صلاةٌ ثالثة داخل المقبرة. لقد كان مشهد التشييع مهيباً، لم تشهد مدينة جدة له مثيلاً، وسُمِع بكاءُ الناس عليه أثناء الصلاة والتشييع، فسبحان من وضع المحبة والقبول لأحبابه في قلوب عباده.
أصداء نبأ الوفاة
لم يكد خبر وفاة الشيخ يسري، إلا وانتشرت كتابات كثيرة بأقلام متنوعة، ممن عرفه ومن لم يعرفه، وخصوصاً بعد انتشار بعض الصور التي التقطت له في أواخر أيامه، وقد انحنى ظهره، ونحل عظمه، ودق جسمه، ويرى على تلك الهيئة ماشياً الى المسجد، من غير قائد يقوده، أو مرافق يرافقه. فتأثر الناس كثيراً، وكانت عبرة لمن يعتبر بأحوال الصالحين.



وتوافد الناس للعزاء من شتى الجهات، وتلقت أسرة الفقيد التعازي ممن حضر العزاء، كما اتصل بهم وعزاهم في فقيدهم صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة، ومما قاله لابنه حسين في تعزيته: إن والدكم ممن نعتز بهم، ونفتخر بأمثالهم. بل وأصر نائب أمير مكة، سمو الأمير عبدالله بن بندر بن عبدالعزيز، بنفسه على الحضور شخصياً، لأداء واجب العزاء، فلهم جميعاً ولكل من واسى، من ذوي الفقيد ومحبيه، خالص الشكر على هذه المواساة، وتقبل الفقيد في الصالحين، وغفر لنا أجمعين.

ومما قيدته عنه من الفوائد
* قال رحمه الله: «أوقات استجابة دعاء الصائم كما ورد في الأحاديث: وقتان. الأول: (حين يفطر)، أي: وقتَ الإفطار، وهو المشهور في الروايات. والثاني: (حتَّى يفطر)، كما في بعض الروايات، أي أن وقت الإمساك كله وقت إجابة الدعاء».
* قال رحمه الله: «قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، لم يقل (من)، لأنها تبعيضية، وهي مقامٌ كبير، يعجز عن الوصول إليه أكثر الناس، ولكنه تعالى إنما قال (مع)، لأن المعية متيسرة، وقد ينالها من وفقه الله لها».

ختاماً، هذا جهدُ المقل
والله المسئول أن يتغمد شيخنا الجليل بواسع رحمته، وأن يتجاوز عنه بمنه وفضله
أحسن الله العزاء فيه، وخلفه بخلف صالح في أهله ومحبيه
والله المستعان، وعليه التكلان، ولا بلاغ إلا بالله
والحمدلله أولاً وآخراً

* * *



[1] دكتوراة في أصول الدين (Theology) من جامعة عليكرة الإسلامية بالهند، وأستاذ العقيدة الإسلامية بجامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية بإسطنبول سابقاً، وباحث في موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة، مؤسسة الفرقان.

الاثنين، 29 مايو 2017

تنبيه على نص ساقط في (وفاء الوفا) للسمهودي طبعة مؤسسة الفرقان، تحقيق: د. قاسم السامرائي

تنبيه على نص ساقط في (وفاء الوفا) للسمهودي
طبعة مؤسسة الفرقان، تحقيق: د. قاسم السامرائي

قبر ومشهد سعد بن معاذ الأشهلي، رضي الله عنه
أثناء تحريري مقالاً حول موضع قبر السيدة فاطمة بنت أسد، رضي الله عنها، والخلاف الحاصل بين المؤرخين والرحالة، في كون القبر الذي كان ينسب إليها في أقصى البقيع، إنما هو قبر سعد بن معاذ الأشهلي، رضي الله عنه. فنقل السمهودي عن ابن شبة: أنه أصيب يوم الخندق، فدعا فحبس الله عنه الدم، حتى حكم في بني قريظة، ثم انفجر كله؛ فمات في منزله في بني عبد الأشهل، فصلى عليه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، ودفنه في طرف الزقاق، الذي بلزق دار المقداد بن الأسود، وهي الدار التي يقال لها (دار ابن أفلح) في أقصى البقيع عليها جنبذة، انتهى كلام ابن شبة (جـ1، ص 125).
عقب عليه السمهودي قائلاً: "هذا الوصف صادقٌ بالمشهد المنسوب لفاطمة بنت أسد؛ لكونه بطرف زقاق في أقصى البقيع: وفي شرقيه ناحية بني ظفر وبني عبد الأشهل، فلعله قبره، ولكن وقع الاشتباه في نسبته لفاطمة، رضي الله تعالى عنها، لما قدمناه في قبرها".

الملاحظة:
كلام السمهودي هذا، موجود في طبعة (وفاء الوفا) بتحقيق الشيخ محيي الدين عبدالحميد، الصادرة 1374ه/ 1955م (جـ3، ص 915)، والطبعات الأخرى المصورة عنها. لكنه سقط من طبعة الفرقان التي بتحقيق قاسم السامرائي، فليعلم، ومحله منها في (جـ3، 299).

كتبه محمد باذيب
الاثنين 3 رمضان 1438هـ

الثلاثاء، 24 يناير 2017

التنبيه على إشكال تاريخي في مطبوعة كتاب (أخبار مكة) للفاكهي وأنه لم يكن لخالد بن الوليد، رضي الله عنه، دار بمكة

التنبيه على إشكال تاريخي في مطبوعة كتاب (أخبار مكة) للفاكهي
وأنه لم يكن لخالد بن الوليد، رضي الله عنه، دار بمكة
والثابت عند المؤرخين أن داره كانت بالمدينة

بقلم/ د. محمد أبوبكر باذيب

دار تاريخية لخالد بن الوليد، رضي الله عنه، ذكرت في (أخبار مكة) للفاكهي (ت نحو 280هـ/ 893م) مما يشعر أنها كانت بمكة المكرمة، وأنها كانت تقع ضمن رباع بني سهم بن عمرو بن هصيص(1). وهذا نص كلامه: "ولهم [أي: بني سهم بن عمرو] دارُ قيسِ بن عدي، جدِّ ابن الزِّبَعْرَى. وهي الدارُ التي كانت اتُّخِذت متوضَّياتٍ، ثم صارت ليعقوب بن داود المطبّقي، ثم صارت لزبيدة. وكان يقال لها: دار أيوب، وكان أيوبُ قيماً عليها. وهو رجل من بني سهم. ويقالُ: إن هذه الدارَ كانت لخالد بن الوليد، رضي الله عنه"(2). ما تقدم عن الفاكهي، يخالف المشهور من أن دار خالد، t، كانت بالمدينة المنورة، وهي التي عرفت بعد موته بدار أيوب بن سلمة(3)، وتناقلها الورثة من بعده.
ما ورد في كتاب (أخبار مكة) للفاكهي، يخالف تماماً ما جاء في (تاريخ) الأزرقي (ت نحو 250هـ/ 864م) الذي تحدث عن رباع بني سهم، وعدد بعض معالمها، فذكر منها "دار قيسِ بن عدي، جدِّ ابن الزِّبَعْرَى. وهي الدارُ التي كانت اتُّخِذت متوضَّياتٍ، ثم صارت ليعقُوب بن داود المطبَّقي"(4). نعم؛ وثمة دار لعمرو بن العاص، ذكرها الأزرقي في تلك الرباع، رباع بني سهم، كانت تقع دون دار عفيف التي كانت في السويقة(5)، سيعرَّجُ عليها فيما يأتي.
فنجد أن الأزرقي لم يذكر لخالد بن الوليد داراً بمكة على الإطلاق، كما أنه توقف عن ذكر مآل دار قيس بن عدي، فيما بعد يعقوب المطبقي، بينما الفاكهي زاد عليه ذكر انتقالها إلى ملك أيوب السهمي المخزومي. وهذا مما انفرد به الفاكهي. لأن الباحث، بحسب المصادر المتاحة، لم يجد لأيوبَ بن سلمة السهمي المخزومي ذكراً في كتاب الأزرقي البتة، بل ولا في تراجم المكيين.
بالنظر في كتب الرجال، يتضح أن أيوب السهمي المخزومي، أيوب بن سلمة المخزومي، أبا سلمة المديني. كذا في (التاريخ الكبير) للبخاري(6)، وكذلك سماه ابن حبان في (الثقات)، وقال: "من أهل المدينة"(7)، ونسبه في (الجرح والتعديل) مدنياً أيضاً(8). ورفع أبو نعيم نسبه في (معرفة الصحابة) فسماه: أيوب بن سلمة بن عبدالله بن الوليد المخزومي، وروى من طريقه حديثاً عن أبيه، عن جده(9)، وهو كذلك في (تاريخ الطبري)(10)، و(تاريخ دمشق)(11)، وفيه: "ولد بدمشق، وسماه معاويةُ أيوبَ، ثم سكَن المدينة"(12). ووقع في مطبوعة (المقاتل) تسميته: أيوب بن سلمة بن عبدالله بن عباس بن الوليد بن المغيرة المخزومي(13)، واسم (عباس) يبدو أنه مقحَمٌ هنا إقحاماً.
الشاهد مما سبق أن أيوب بن سلمة، هو أيوب السهمي المخزومي، الذي ذكره الفاكهي في (أخبار مكة)، وهو مدني قطعاً، وليس من أهل مكة، ولم يسكنها قط. فذكرُه في سياقِ بني سهم المكيين، وأنه ممن تملك عقاراً بمكة، غريبٌ.
وبالمضي إلى مصادر التاريخ المدني، نجد أنّ لأيوب بن سلمة السهمي المخزومي ذكراً فيها، فنجد ابن زبالة (ت 199هـ/ 814م)، وابن شبة (ت 262هـ/ 875م)، وكلاهما يذكرُ دار خالد بن الوليد، الدار المدنية. قالا: وهي بيد بني أيّوب بن سلمة. زاد ابن زبالة: أن أيوب بن سلمة اختصم فيها هو وإسماعيل بن الوليد بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة، يقول أيوب: هي ميراثٌ، وأنا أرثُها دونكم بالقعدد. أي: لأنه أقرب عصوبةً. ويقول إسماعيل: هي صدقةٌ، أي: فيدخل فيها القريبُ، وإن بعُدَ. فأعطيها أيوبُ ميراثاً بالقعدد(14).
قال السمهودي: "لأن أيوبَ المذكور، كما ذكر ابنُ حزم، وارثُ آخرِ من بقيَ من ولد خالد بن الوليد. قال: لانقراض ولد عمه خالد بن الوليد كلهم. قال: وكان قد كثر ولد خالد بن الوليد حتى بلغوا نحو أربعين رجلاً، وكانوا كلُّهم بالشَّام، ثم انقرضُوا كلهم في طاعون وقعَ، فلم يبقَ لأحدٍ منهم عقبٌ"(15).
الفاكهي روى خبر اختصام أيوب بن سلمة وإسماعيل بن الوليد(16)، باللفظ الذي عند ابن زبالة نفسه. ثم قال في تحديد موضع الدار: "وهي مواجهةُ المسجدِ، ليس بينها وبين المسجد إلا الزقاقُ الذي يخرج إلى موضع البطحاءِ، التي قال عمر t: من كان يريد أن يرفثَ، أو ينشد شعراً، فليخرج إلى البطحاءِ. وقد دخلت البطحاء في المسجد"(17). وهذا الوصف إنما يصدق على دار في المدينة المنورة. فقد ورد ذكر دار خالد بالبطحاء عند ابن شبة، في سياق ذكر دور بني مخزوم بالمدينة. قال: "اتخذ خالد بن الوليد بن المغيرة t داره التي كانت بالبطحاء، وهي اليوم الدار التي بين دار أسماء بنت حسين، وبين الخط الذي في دار عمرو بن العاص، وهي بأيدي بني أيوب بن سلمة، من ولد الوليد بن المغيرة"(18). فهذه النصوص كلها، والسياقات التاريخية إنما هي فيما يخص خطط المدينة المنورة، وليس خطط مكة المكرمة.
من الشواهد على اضطراب الكتاب المطبوع من (أخبار مكة) للفاكهي، ما أخرجه ابن زبالة، من طريق اليسع بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، قال: شكى خالد بن الوليد t إلى النبي r ضيق منزله، فقال له: (ارفع البناء في السماء، وسَل الله عزَّ وجلَّ السعة)، أخرجه الفاكهي في (تاريخه)(19)، وابن شبة(20)، وأبوداود في (المراسيل)(21)، والطبراني في (الكبير)(22)، والخطيب في (المتفق)(23)، وابن عساكر(24). قال السمهودي معلقاً على هذه الرواية: "وفي موضعها اليوم مقدم رباط السبيل، وذلك يدل على صغرها، بخلاف غيرها من الدور. ولذلك شكا ضيقها"(25). وكلام السمهودي ينصب على المدينة المنورة لا غير.
ما تقدم، جميعه، إنما هو شواهد تدل على ما ورد في كتاب (أخبار مكة) للفاكهي، من ذكر دار لخالد بن الوليد في مكة المكرمة، مخالف لما في بقية المصادر. بل حتى روايات الفاكهي التي طالعتنا، لا تدل إلا على وصف تلك الدار المدنية، وإن جاء ذلك في سياق الكلام عن مكة ودورها. فلعل نقصاً في النسخ الواصلة إلينا، أو إدراجاً من النساخ وقع بدون تمييز، والله أعلم.

العياشي، المؤرخ المدني المعروف، أكمل التعريف بدار خالد بن الوليد، وعقب على كلام السمهودي بقوله: "أي: في الزقاق الذي نقول له اليوم: زقاق البدور، نسبة للأشراف البدُور، بني حسين. والذي حضرته وأنا طفل، أن الدولة التركية كانت قد بدأت في هدم الدور التي كانت حول المسجد النبوي، لتوسيع الرحبات حوله. وكانت قد شرعت في هدم دار ريطة، وأزالت الطابق الأعلى، كما هدمت ما بعده إلى  الشمال. وفى الهدميات السعودية ظهرت دار خالد بن الوليد في الركن الشمالي الشرقي من زاوية السمان (دار ريطة)، وهى صغيرة جداً. وكان فيها قبة أثرية، مزركشة بالألوان. وأعتقد أن في مكانها اليوم بعض بيت الباكستان. وقد جعل إشارة إليها ما يشبه البرج"(26). وينظر بقية وصف دار خالد بن الوليد فيما تقدم من هذه الموسوعة، تحت عنوان (أيوب بن سلمة، دار)(27)


* تنظر الهوامش والمصادر في المقال الأصلي، موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة، المجلد التاسع. 

الثلاثاء، 20 ديسمبر 2016

نصوص تراجم نادرة لمتأخري الشافعية من كتاب مرْشِد الأنام إلى برِّ أُمّ الإمام = شرح كتاب الأم للشافعي

نصوص تراجم نادرة لمتأخري الشافعية
من كتاب «مرْشِد الأنام إلى برِّ أُمّ الإمام» = «شرح كتاب الأم للشافعي»
تأليف العلامة السيد أحمد بك الحسيني المصري (ت 1332هـ)
بقلم/ د. محمد أبوبكر باذيب
لم نزل نسمع عن كتاب (مرشد الأنام لبر أم الإمام)، للعلامة السيد أحمد بك الحسيني (ت 1332هـ). وأن هناك من يعمل عليه، ولكن للأسف لم تنهد لخدمة هذا الكتاب القيم المفيد، ولو حتى خدمة مقدمته المهمة المشتملة على تراجم الشافعية المتأخرين، من معاصري المؤلف المذكور. وهذا تقصير كبير، نرجو أن يتم تلافيه في قادم الأيام إن شاء الله.
مما لفتَ نظري أن باحثين معاصرين للمؤلف، حتى من غير المسلمين، رجعوا الى كتابه المذكور، فهذا يوسف سركيس (ت 1351هـ) في كتابه الشهير «معجم المطبوعات العربية والمعربة»، يقول عن الكتاب ومؤلفه: «له سوَى الكتُب المطبوعة، مصنّفٌ جليلٌ في أربعة وعشرين مجلداً، أودعَ في دار الكتُبِ المصرية، موسُوماً بـ«مرشد الأنام لبر أم الإمام»، وهو شرحٌ على قسم العبادات من كتاب «الأم» للإمام الشافعي»(1).
وفي ثنايا «معجم» سركيس ما يفيد أنه رجع إلى «مرشد الأنام» رجوعاً مباشراً، ونقل عنه بدون واسطة، فقد نقل عنه ترجمتين لعالمين شافعيين معاصرين، كما رجع إليه في ترجمة أحد فقهاء الشافعية الكبار، ممن تولى مشيخة الأزهر.
النص الأول
في ترجمة مفتي الشافعية بمكة المكرمة، السيد العلامة أحمد زيني دحلان، المتوفى سنة 1304هـ. فقال: «أحمد بن زيني بن أحمد دحلان، المكي. مفتي السادة الشافعية بمكة المشرفة، وشيخ الإسلام. ولد في حاضرة الحجاز، وتولي الإفتاء للشافعيين، واشتغل بالعلوم مدةً. وفي زمانه أنشئت في مكة أول مطابعها، فكان المترجم متولياً نظارتها، ونشر فيها تآليف من قلمِه، غير التي طبعت في القاهرة.
قال فيه أحمدُ الحسيني: «بعد أن ظهر (المترجَم) على طلبته بالمسجد الحرام آيةُ النجَابة، وحثهم على تعليم الطلبة، انتقلَ إلى تعليم أهل البراري والقفار، من أرض الحجاز والشام واليمن، وصار يذهب بنفسه إليهم، ويتردد عليهم، ويرسل إليهم من يعلمهم»(2).
النص الثاني
نقل ترجمة شيخ الأزهر، العلامة الشيخ عبدالرحمن الشربيني (ت 1326هـ)، برمتها من «مرشد الأنام». قال فيها: «قَال العلامة المرحوم أحمد الحسيني في كتابه «مرشد الأنام» (مخطوط): «الشيخ عبد الرحمن الشربيني علامة عصره وفريد دهره الذي لم يكن له شريك في وقته. شيخ الشيوخ، وقدوة الأكابر، وصاحب التصانيف، ورب التحقيق والتدقيق، وكان فريداً في التقوى والصلاح». وبعد أن عدد الحسيني مؤلفات المترجَم، قال: «والحقُّ يقالُ، وإن كان بيني وبينه خلافٌ في بعض المسائل، لم نتفق عليها، لكنه كان وحيد دهره، بعد شيخنا العلامة الإنبابي. تولي مشيخة الأزهر سنة 1322، بعد أن عُرِضت عليه مراتٍ عديدةً، واستقال منها سنة 1324»(3).
النص الثالث
رجع إليه في ترجمة العلامة حسن العَطار (ت 1250هـ). ولعله استفاد الترجمة منه، فأنقلها للفائدة، قال سركيس: «حسن بن محمد العطار، الشافعي المصري، شيخ جامع الأزهر. ولد في القاهرة في حدود سنة 1190(4). ونشأ بها في حياطة أبيه الشيخ محمد كتن، وسمع من أهله أنه مغربيُّ الأصل، ورد بعض أسلافه مصر واستوطنها، وكان أبوه عطاراً، استخدم ابنه أولاً في شؤونه، ثم رأى منه رغبةً في العلوم فساعده على تحصيلها.
فاجتهد في إحراز المعارف وأخذ من كبار مشايخ الأزهر، كالشيخ الأمير، والشيخ الصبان، وغيرهما. حتى نال منها قسطا كبيراً. فلما كان هيجان الفتن بدخول الفرنساوية مصر، داخله الخوفُ ففر إلى الصعيد كجماعة من العلماء. عاد بعد أن حصل الامن واتصل بناس من الفرنساوية فاستفاد منهم الفنون الشائعة في بلادهم وأفادهم اللغة العربية.
ثم ارتحل إلى الشام، ودخل دمشقَ، وتجول في بلاد كثيرة، ثم رجع إلى مصر، فأقر له علماؤها بالسبق، وتولي التدريس في الأزهر سنة 1246 إلى آخر سنة من حياته.
نقل عن الشيخ محمد شهاب الثناء: أنه كان يقولُ: إن الشيخ العطار كان آيةً في حدَّة النظر، وشدة الذكاء، ولقد كان يزورنا قبلاً في بعض الأحيان، فيتناول الكتاب الدقيق الخط، الذي تعسر قراءته في وضح النهار، فيقرأ فيه على نور السراج وهو في موضعه، وربما استعار مني الكتاب في مجلَّدين، فلا يلبث عنده إلا الأسبوع أو الأسبوعين، ويعيده إليَّ، وقد استوفى قراءته، وكتب في طُررِه على كثير من مواضعه».
الهوامش:
1- سركيس، يوسف إليان، معجم المطبوعات العربية والمعرَّبة، جـ1 (القاهرة: مطبعة سركيس، 1346هـ/ 1928م)، 383.
2- سركيس، جـ2، 990.
3- سركيس، جـ2، 1110.
4- سركيس، جـ2، 1335.
5- علق سركيس في الهامش بقوله: «كذا ورد في كتاب «مرشد الأنام»، الذي ألفه المرحوم أحمد بك الحسيني، ولم يزل مخطوطاً». جـ2، 1335.


* * *

الأحد، 27 نوفمبر 2016

كلمة فخامة السلطان / علي عبدالكريم العبدلي (خاتمة سلاطين لحج العبادل) لكتابي عن الأستاذ أحمد عمر بافقيه رحمه الله


كلمة فخامة السلطان / علي عبدالكريم العبدلي(*)
(خاتمة سلاطين لحج العبادل)


لكتابي عن الأستاذ أحمد عمر بافقيه رحمه الله




(1)
لقد اطلعتُ على هذا المؤلَّفِ الرَّائِع، وهو ترجمةٌ لحياةِ صديقٍ حميم، ومن أعزِّ الأصدقاء الذين زاملتهم، وقد دامت زمالتنا هذه نيِّفا وخَمسين عاما، ما وجدتُ فيها منه إلا الإخلاصَ والمودةَ والأمانةَ والصدقَ، والإيمانَ العميق بالمبادئ والمعتقدات التي اعتنقها، والتي عانى فيها الكثيرَ من الجهد واحتمالِ المكَاره النفسيةِ والجسمانية، من: تهديدات، ووعيد، ونفي، وهجرةٍ متكررة، ومع كل هذا؛ لم يكن لينثنيَ أو يلينَ، بل ظل صابراً مثابرا، ومناضلا من أجلها.
على أنني أود أن أنوه عن إعجابي الشديد بغزارة اطلاع المؤلف، واقتداره في اقتناص المعلومات وجمع الوثائق، والبحث الحثيث للحصول عليها، مع أمانة في النقل والتوثيق، مثله في ذلك مثل خبير الجواهر الذي ينتقي الأحجار الكريمة فيختار منها أصدق أنواعها وأجودها، والشخص موضوع هذا الكتاب يدل على حسن الاختيار، فقد اختار المحرر أن يقدم لنا تاريخ جوهر فريد من الجواهر، اختاره عن دراية ومعرفة، مما اطلع عليه من سير الرجال وتاريخهم وسلوكهم.

(2)
لقد عرفت صاحب هذه السيرة معرفة وثيقة طوال زمالة أربع وخمسين سنة، فعرفت فيه الإخلاص، والمثابرة، وغزارة المعلومات، والصبر على المكاره واحتمالها، فقد كان إيمانه بقوميته العربية واضحا مما اختاره عند أول اختبار له (في هجرته الأولى إلى سنغافورا)، فقد اختار اسما لجريدته التي أصدرها هناك، فسماها (العرب)، تأكيدا لانتمائه، وإبرازا لقومه هناك، ونصرة لقوميته التي آمن بها.
وأذكر فيما أذكر: أننا لما كنا في القاهرة بعد نفي الإنجليز لنا، أننا زرنا الحاج أمين الحسيني القائد والزعيم الفلسطيني الذائع الصيت، مفتي فلسطين، فلما قدمت إليه الأخ أحمد عمر بافقيه تذكره فورا، وقال: ألست أنت من كان يصدر "صحيفة العرب" في سنغافورا؟ لقد كنت أقرؤها كثيرا، وأقرأ دفاعك عن قضية فلسطين، وكانت في وقتها معلومة جديدة لي، رغم زمالتنا في العمل الوطني، ودليلا على عدم اهتمام زميلنا طيب السيرة على التفاخر بما عمل أمام الناس.

(3)
وأما صبره على المكاره؛ فقد تحمل السجن ثلاث مرات، مرة على عهد الهولنديين في إندونيسيا، ومرة على الاحتلال الياباني في تلك البلاد، ومرة ثالثة عندما عاد إلى وطنه مسقط رأسه حضرموت، وفي كل المرات لم يتزعزع، ولم ينحرف عما آمن به، فقد كانت الحرية هي هدفه الأسمى.
لكنه بعد هذه السجون اكتسب غريزة عدم الاستسلام، وعدم العودة إلى السجون مهما كان الأمر، فحين حاول الاستعمار اعتقال زعيم الرابطة السيد محمد علي الجفري، فاعتقل أخوه السيد عبدالله علي، واحتل الجيش البريطاني سلطنة لحج، آثر زميلنا صاحب السيرة عدم تسليم نفسه حين بلغه نية الاحتلال البريطاني اعتقاله، فشد الرحال متجها إلى تعز، وقد جاء ليخبرني بما عق النية عليه، واستعان بي لتدبير أمور سفره في هجرته إلى تعز، والتي رافقه فيها الزميل قحطان الشعبي، وقد استعنت بكوادر الرابطة في لحج لترتيب أمور الرحلة، والتي تمت بكل سرية وكفاءة.

(4)
لكن الأمور في تعز لم تناسبه هناك، حيث إنه تعود على أن يعيش في بلاد تتحكم فيها قوانين وأنظمة وضوابط لم يجدها متوفرة له في تعز، فهاجر هجرته الثالثة إلى القاهرة، حيث كان للرابطة مكتب يتولى شئونها السياسية، وشئون بعثاتها الطلابية والإعلامية، فتولى شئون الإعلام فيه، وأصدر نشرة إعلامية، وكانت تصدر حسب ورود المعلومات من مناطق الجنوب، كما تولى نشر البيانات الرابطية.
وساهم في إلقاء الأحاديث من ركن الخليج والجنوب، الذي يذاع من إذاعة صوت العرب، وشارك في الاجتماعات والندوات الرابطية، وكذلك في الندوات والمؤتمرات العربية التي تدعى إليها الرابطة في مصر أو غيرها من الأقطار العربية أو غير العربية.
وهكذا ؛ قضى حياته: مناضلا، مؤمنا، صادقا، دءوبا، يكره التضليل، وينفر من الدعايات الكاذبة، والدعوات المزيفة.


صورة للسلطان علي أثناء زيارة بينية قام بها الى سيئون
عاصمة الدولة الكثيرية في الخمسينات الميلادية


(5)
وأذكر فيما أذكر، عن صدق أخوته، وعدم التفريط في إخوانه وحزبه وقومه تحت أسوأ الظروف، وفي كل الظروف: أنه في أحد اجتماعات مكتب الجنوب العربي في القاهرة، اشتد النقاش وبالأخص بيني وبينه- حول نقطة خلاف، فارتفع الصوت، واشتد الجدل بيننا، حتى كاد يخرج عن قواعد التفاهم الأخوي والنقاش، ثم هدأ عندما انفض الأمر.
وعدت إلى بيتي وأنا أشعر بالندم والخزي إذ سمحت لنفسي أن أتدحرج إلى مستويات لا تليق بنا الاثنين، فقررت أن أتجه إليه في منزله للاعتذار عما بدر مني، فاستقليت سيارتي، وبادرت بالذهاب إليه على وجه السرعة، خوفا من أن تراوده الوساوس، وتأخذ الأمور بيننا مأخذ الخصومة.
وحين وصلت إلى منزله وجدته يتهيأ للتوجه إلى منزلي، وعنده نفس الشعور بوجوب الاعتذار والندم، والإحساس بالذنب، وتحميل نفسه الخطأ، فتقابلنا وتعانقنا، وتبادلنا الاعتذار، تسبقنا دموعنا على الخدين! 
هكذا كان رحمه الله، وهكذا تكون الأخوة والأخرق الكريمة، ولو تركت لقلمي العنان لانساب يسجل ويسطر عن مكارم الأخلاق التي عاش بها والتزمها زميلنا الكريم إلى ما لا نهاية، لكنني أود أن أترك المجال للمحرر البارع الذي تجشم الكثير، وبذل الكثير من وقته الأكثر، لينشر وينثر عبير هذه السيرة العاطرة على الملأ.

السلطان علي (يسار الصورة) في منزل الأستاذ بافقيه رحمه الله
يعوده في مرضه الذي توفي فيه




(6)
وأما هجرته الرابعة والأخيرة؛ فقد كانت إلى مدينة جدة، وذلك عندما اتجهت الأمور في وطنه بعد الاستقلال نحو التدهور والانحدار، والديكتاتورية، والإرهاب الحكومي، والبطش الأعمى، مما لا يتناسب وأجواء الحرية الديمقراطية التي كان يتصورها وينشدها لبلاده في ظل الاستقلال.
وبعد رحيل الاستعمار، ظل قلما مُصْلَتا ومسلَّطاً على ذلك الوضع من جدة، التي كانت الملاذ الآمن لكثير من القوى والجماعات والخلطاء، حتى صعب التمييز بين الغث والسمين، والصادقين والمدعين .
ولكن ! وبعد سقوط الأحكام الشمولية عالميا ومحليا، كان زميلنا قد بلغ نهاية مشوار العمر، فتوفاه الله في جدة، تاركا لنا عاطر الذكرى، والحسرة على فقدان المكارم، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، ورضي عنه وأرضاه.

السلطان / علي عبدالكريم العبدلي
جدة في : 5 / 12/ 1427هـ


الهوامش:


(*) السلطان علي بن عبدالكريم بن فضل العبدلي، آخر سلاطين منطقة لحج الواقعة بقرب مدينة عدن، جنوب اليمن، والتي كانت تعرف بالمحمية الغربية في عهد الاستعمار البريطاني، تبعد لحج عن عدن مسافة (24 ميلا) إلى الشمال الغربي. ولد في أكتوبر 1922م (= صفر 1340هـ)، تخرج من كلية الملكة فكتوريا (كلية الأمراء) بالقاهرة، وكان متفوقا في دراسته، تولى الحكم في لحج سنة 1952م (= 1372هـ)، وهو السلطان الخامس عشر من سلاطين لحج العبادلة، وظل في الحكم إلى أن نفاه الإنجليز من بلاده وسحبوا الاعتراف به في يوليو 1958م (= ذو الحجة 1377هـ)، يسكن حاليا مدينة جدة، وينتقل إلى القاهرة في كل صيف.

التعريف بكتاب (الخطط المكية) للمؤرخ أحمد الحضراوي المكي والتنبيه على أوهام بعض المؤرخين

التعريف بكتاب (الخطط المكية) للمؤرخ أحمد الحضراوي المكي
والتنبيه على أوهام بعض المؤرخين

بقلم/ د. محمد أبوبكر باذيب


(الخطط المكية)، عنوان كتاب من تأليف أحمد بن محمد الحضراوي، المؤرخ المكي (ت 1327هـ/ 1908م)، نسبه إليه كل من تلميذه عبدالستار الدهلوي(1)، وعبدالوهاب الدهلوي(2)، والسنيدي(3)، وكشميري(4). وذكر عبدالستار الدهلوي أن الحضراوي كان يقوم بتأليف هذا الكتاب أثناء تحريره لترجمته، قال:" وهو مشغولٌ بجمعِه في تاريخنا هذا"(5). ثم عقب ذلك بذكر وفاته، مما يشعر أنه كان من أواخر مؤلفاته.
عبدالوهاب الدهلوي، في مقاله عن المؤلفات في تاريخ الحرمين، تحدث عن مضمون الكتاب بقوله: "وهي [كذا] على طريقة (الخطط) للمقريزي. فصل فيها جغرافية مكة المكرمة، في مجلدين كبيرين. كانت موجودة لدى أسرته بمكة، ثم فرطوا فيها، واشتراها من لا أعرفه"(6). ونوهت الباحثة كشميري بأن الذي باع الكتاب هو محمد سعيد الحضراوي(7).
ومما ينبغي التنبيه عليه، أن باحثين معاصرين، من مؤرخي مكة المكرمة، هما عاتق البلادي، وعبدالله المعلمي، نسبا هذا الكتاب إلى محمد سعيد الحضراوي (ت 1326هـ/  1907م)، وهو ابن المؤرخ أحمد الحضراوي، مؤلف الكتاب. الذي ثبتت نسبة الكتاب إليه، كما هو في ترجمته لمعاصره عبدالستار الدهلوي.
وسبب هذا التوهم، هو سياق كلام الدهلوي في (فيض الملك)، فإنه قال في ترجمة أحمد الحضراوي: "وله ابن فاضل أديب، حفظه القريب المجيب"(8)، وسرد بعد هذه العبارة مؤلفات صاحب الترجمة، أحمد الحضراوي، حتى انتهى إلى ذكر وفاته، وأرخها في سنة 1326هـ/ 1907م.
ثم جاء عبدالله غازي، فترجم لأحمد الحضراوي في (نظم الدرر)(9)، ونقل عن (فيض الملك) للدهلوي، ولكنه خالف في سياق الترجمة، فإنه بعد أن ذكر مؤلفات أحمد الحضراوي، عرج على ذكر ابنه محمد سعيد، ثم عاد إلى ذكر المؤلفات مرة أخرى، فذكر كتاب (الخطط) في السياق الثاني، مما يوقع القارئ في توهم أنها مؤلفات الابن محمد سعيد، بينما الدهلوي ذكرها كلها في سياق مؤلفات الأب!.
وهكذا، فقد جاء الزركلي، وترجم لمحمد سعيد الحضراوي في (الأعلام)(10)، واعتمد فقط على كتاب (نظم الدرر)، فنقل سياق كلام غازي، الذي فيه ذكر (الخطط المكية) في سياق الكلام عن محمد سعيد الحضراوي، فنسب الكتاب إليه، وتتابع الناس بعد الزركلي، معتمدين عليه، وتواردوا كلهم على هذا الخطأ. بدءا بعمر كحالة في (معجم المؤلفين)(11)، وانتهاء بعاتق البلادي في (نشر الرياحين)(21)، وعبدالله المعلمي في (أعلام المكيين)(13).