الثلاثاء، 20 ديسمبر، 2016

نصوص تراجم نادرة لمتأخري الشافعية من كتاب مرْشِد الأنام إلى برِّ أُمّ الإمام = شرح كتاب الأم للشافعي

نصوص تراجم نادرة لمتأخري الشافعية
من كتاب «مرْشِد الأنام إلى برِّ أُمّ الإمام» = «شرح كتاب الأم للشافعي»
تأليف العلامة السيد أحمد بك الحسيني المصري (ت 1332هـ)
بقلم/ د. محمد أبوبكر باذيب
لم نزل نسمع عن كتاب (مرشد الأنام لبر أم الإمام)، للعلامة السيد أحمد بك الحسيني (ت 1332هـ). وأن هناك من يعمل عليه، ولكن للأسف لم تنهد لخدمة هذا الكتاب القيم المفيد، ولو حتى خدمة مقدمته المهمة المشتملة على تراجم الشافعية المتأخرين، من معاصري المؤلف المذكور. وهذا تقصير كبير، نرجو أن يتم تلافيه في قادم الأيام إن شاء الله.
مما لفتَ نظري أن باحثين معاصرين للمؤلف، حتى من غير المسلمين، رجعوا الى كتابه المذكور، فهذا يوسف سركيس (ت 1351هـ) في كتابه الشهير «معجم المطبوعات العربية والمعربة»، يقول عن الكتاب ومؤلفه: «له سوَى الكتُب المطبوعة، مصنّفٌ جليلٌ في أربعة وعشرين مجلداً، أودعَ في دار الكتُبِ المصرية، موسُوماً بـ«مرشد الأنام لبر أم الإمام»، وهو شرحٌ على قسم العبادات من كتاب «الأم» للإمام الشافعي»(1).
وفي ثنايا «معجم» سركيس ما يفيد أنه رجع إلى «مرشد الأنام» رجوعاً مباشراً، ونقل عنه بدون واسطة، فقد نقل عنه ترجمتين لعالمين شافعيين معاصرين، كما رجع إليه في ترجمة أحد فقهاء الشافعية الكبار، ممن تولى مشيخة الأزهر.
النص الأول
في ترجمة مفتي الشافعية بمكة المكرمة، السيد العلامة أحمد زيني دحلان، المتوفى سنة 1304هـ. فقال: «أحمد بن زيني بن أحمد دحلان، المكي. مفتي السادة الشافعية بمكة المشرفة، وشيخ الإسلام. ولد في حاضرة الحجاز، وتولي الإفتاء للشافعيين، واشتغل بالعلوم مدةً. وفي زمانه أنشئت في مكة أول مطابعها، فكان المترجم متولياً نظارتها، ونشر فيها تآليف من قلمِه، غير التي طبعت في القاهرة.
قال فيه أحمدُ الحسيني: «بعد أن ظهر (المترجَم) على طلبته بالمسجد الحرام آيةُ النجَابة، وحثهم على تعليم الطلبة، انتقلَ إلى تعليم أهل البراري والقفار، من أرض الحجاز والشام واليمن، وصار يذهب بنفسه إليهم، ويتردد عليهم، ويرسل إليهم من يعلمهم»(2).
النص الثاني
نقل ترجمة شيخ الأزهر، العلامة الشيخ عبدالرحمن الشربيني (ت 1326هـ)، برمتها من «مرشد الأنام». قال فيها: «قَال العلامة المرحوم أحمد الحسيني في كتابه «مرشد الأنام» (مخطوط): «الشيخ عبد الرحمن الشربيني علامة عصره وفريد دهره الذي لم يكن له شريك في وقته. شيخ الشيوخ، وقدوة الأكابر، وصاحب التصانيف، ورب التحقيق والتدقيق، وكان فريداً في التقوى والصلاح». وبعد أن عدد الحسيني مؤلفات المترجَم، قال: «والحقُّ يقالُ، وإن كان بيني وبينه خلافٌ في بعض المسائل، لم نتفق عليها، لكنه كان وحيد دهره، بعد شيخنا العلامة الإنبابي. تولي مشيخة الأزهر سنة 1322، بعد أن عُرِضت عليه مراتٍ عديدةً، واستقال منها سنة 1324»(3).
النص الثالث
رجع إليه في ترجمة العلامة حسن العَطار (ت 1250هـ). ولعله استفاد الترجمة منه، فأنقلها للفائدة، قال سركيس: «حسن بن محمد العطار، الشافعي المصري، شيخ جامع الأزهر. ولد في القاهرة في حدود سنة 1190(4). ونشأ بها في حياطة أبيه الشيخ محمد كتن، وسمع من أهله أنه مغربيُّ الأصل، ورد بعض أسلافه مصر واستوطنها، وكان أبوه عطاراً، استخدم ابنه أولاً في شؤونه، ثم رأى منه رغبةً في العلوم فساعده على تحصيلها.
فاجتهد في إحراز المعارف وأخذ من كبار مشايخ الأزهر، كالشيخ الأمير، والشيخ الصبان، وغيرهما. حتى نال منها قسطا كبيراً. فلما كان هيجان الفتن بدخول الفرنساوية مصر، داخله الخوفُ ففر إلى الصعيد كجماعة من العلماء. عاد بعد أن حصل الامن واتصل بناس من الفرنساوية فاستفاد منهم الفنون الشائعة في بلادهم وأفادهم اللغة العربية.
ثم ارتحل إلى الشام، ودخل دمشقَ، وتجول في بلاد كثيرة، ثم رجع إلى مصر، فأقر له علماؤها بالسبق، وتولي التدريس في الأزهر سنة 1246 إلى آخر سنة من حياته.
نقل عن الشيخ محمد شهاب الثناء: أنه كان يقولُ: إن الشيخ العطار كان آيةً في حدَّة النظر، وشدة الذكاء، ولقد كان يزورنا قبلاً في بعض الأحيان، فيتناول الكتاب الدقيق الخط، الذي تعسر قراءته في وضح النهار، فيقرأ فيه على نور السراج وهو في موضعه، وربما استعار مني الكتاب في مجلَّدين، فلا يلبث عنده إلا الأسبوع أو الأسبوعين، ويعيده إليَّ، وقد استوفى قراءته، وكتب في طُررِه على كثير من مواضعه».
الهوامش:
1- سركيس، يوسف إليان، معجم المطبوعات العربية والمعرَّبة، جـ1 (القاهرة: مطبعة سركيس، 1346هـ/ 1928م)، 383.
2- سركيس، جـ2، 990.
3- سركيس، جـ2، 1110.
4- سركيس، جـ2، 1335.
5- علق سركيس في الهامش بقوله: «كذا ورد في كتاب «مرشد الأنام»، الذي ألفه المرحوم أحمد بك الحسيني، ولم يزل مخطوطاً». جـ2، 1335.


* * *

الأحد، 27 نوفمبر، 2016

كلمة فخامة السلطان / علي عبدالكريم العبدلي (خاتمة سلاطين لحج العبادل) لكتابي عن الأستاذ أحمد عمر بافقيه رحمه الله


كلمة فخامة السلطان / علي عبدالكريم العبدلي(*)
(خاتمة سلاطين لحج العبادل)


لكتابي عن الأستاذ أحمد عمر بافقيه رحمه الله




(1)
لقد اطلعتُ على هذا المؤلَّفِ الرَّائِع، وهو ترجمةٌ لحياةِ صديقٍ حميم، ومن أعزِّ الأصدقاء الذين زاملتهم، وقد دامت زمالتنا هذه نيِّفا وخَمسين عاما، ما وجدتُ فيها منه إلا الإخلاصَ والمودةَ والأمانةَ والصدقَ، والإيمانَ العميق بالمبادئ والمعتقدات التي اعتنقها، والتي عانى فيها الكثيرَ من الجهد واحتمالِ المكَاره النفسيةِ والجسمانية، من: تهديدات، ووعيد، ونفي، وهجرةٍ متكررة، ومع كل هذا؛ لم يكن لينثنيَ أو يلينَ، بل ظل صابراً مثابرا، ومناضلا من أجلها.
على أنني أود أن أنوه عن إعجابي الشديد بغزارة اطلاع المؤلف، واقتداره في اقتناص المعلومات وجمع الوثائق، والبحث الحثيث للحصول عليها، مع أمانة في النقل والتوثيق، مثله في ذلك مثل خبير الجواهر الذي ينتقي الأحجار الكريمة فيختار منها أصدق أنواعها وأجودها، والشخص موضوع هذا الكتاب يدل على حسن الاختيار، فقد اختار المحرر أن يقدم لنا تاريخ جوهر فريد من الجواهر، اختاره عن دراية ومعرفة، مما اطلع عليه من سير الرجال وتاريخهم وسلوكهم.

(2)
لقد عرفت صاحب هذه السيرة معرفة وثيقة طوال زمالة أربع وخمسين سنة، فعرفت فيه الإخلاص، والمثابرة، وغزارة المعلومات، والصبر على المكاره واحتمالها، فقد كان إيمانه بقوميته العربية واضحا مما اختاره عند أول اختبار له (في هجرته الأولى إلى سنغافورا)، فقد اختار اسما لجريدته التي أصدرها هناك، فسماها (العرب)، تأكيدا لانتمائه، وإبرازا لقومه هناك، ونصرة لقوميته التي آمن بها.
وأذكر فيما أذكر: أننا لما كنا في القاهرة بعد نفي الإنجليز لنا، أننا زرنا الحاج أمين الحسيني القائد والزعيم الفلسطيني الذائع الصيت، مفتي فلسطين، فلما قدمت إليه الأخ أحمد عمر بافقيه تذكره فورا، وقال: ألست أنت من كان يصدر "صحيفة العرب" في سنغافورا؟ لقد كنت أقرؤها كثيرا، وأقرأ دفاعك عن قضية فلسطين، وكانت في وقتها معلومة جديدة لي، رغم زمالتنا في العمل الوطني، ودليلا على عدم اهتمام زميلنا طيب السيرة على التفاخر بما عمل أمام الناس.

(3)
وأما صبره على المكاره؛ فقد تحمل السجن ثلاث مرات، مرة على عهد الهولنديين في إندونيسيا، ومرة على الاحتلال الياباني في تلك البلاد، ومرة ثالثة عندما عاد إلى وطنه مسقط رأسه حضرموت، وفي كل المرات لم يتزعزع، ولم ينحرف عما آمن به، فقد كانت الحرية هي هدفه الأسمى.
لكنه بعد هذه السجون اكتسب غريزة عدم الاستسلام، وعدم العودة إلى السجون مهما كان الأمر، فحين حاول الاستعمار اعتقال زعيم الرابطة السيد محمد علي الجفري، فاعتقل أخوه السيد عبدالله علي، واحتل الجيش البريطاني سلطنة لحج، آثر زميلنا صاحب السيرة عدم تسليم نفسه حين بلغه نية الاحتلال البريطاني اعتقاله، فشد الرحال متجها إلى تعز، وقد جاء ليخبرني بما عق النية عليه، واستعان بي لتدبير أمور سفره في هجرته إلى تعز، والتي رافقه فيها الزميل قحطان الشعبي، وقد استعنت بكوادر الرابطة في لحج لترتيب أمور الرحلة، والتي تمت بكل سرية وكفاءة.

(4)
لكن الأمور في تعز لم تناسبه هناك، حيث إنه تعود على أن يعيش في بلاد تتحكم فيها قوانين وأنظمة وضوابط لم يجدها متوفرة له في تعز، فهاجر هجرته الثالثة إلى القاهرة، حيث كان للرابطة مكتب يتولى شئونها السياسية، وشئون بعثاتها الطلابية والإعلامية، فتولى شئون الإعلام فيه، وأصدر نشرة إعلامية، وكانت تصدر حسب ورود المعلومات من مناطق الجنوب، كما تولى نشر البيانات الرابطية.
وساهم في إلقاء الأحاديث من ركن الخليج والجنوب، الذي يذاع من إذاعة صوت العرب، وشارك في الاجتماعات والندوات الرابطية، وكذلك في الندوات والمؤتمرات العربية التي تدعى إليها الرابطة في مصر أو غيرها من الأقطار العربية أو غير العربية.
وهكذا ؛ قضى حياته: مناضلا، مؤمنا، صادقا، دءوبا، يكره التضليل، وينفر من الدعايات الكاذبة، والدعوات المزيفة.


صورة للسلطان علي أثناء زيارة بينية قام بها الى سيئون
عاصمة الدولة الكثيرية في الخمسينات الميلادية


(5)
وأذكر فيما أذكر، عن صدق أخوته، وعدم التفريط في إخوانه وحزبه وقومه تحت أسوأ الظروف، وفي كل الظروف: أنه في أحد اجتماعات مكتب الجنوب العربي في القاهرة، اشتد النقاش وبالأخص بيني وبينه- حول نقطة خلاف، فارتفع الصوت، واشتد الجدل بيننا، حتى كاد يخرج عن قواعد التفاهم الأخوي والنقاش، ثم هدأ عندما انفض الأمر.
وعدت إلى بيتي وأنا أشعر بالندم والخزي إذ سمحت لنفسي أن أتدحرج إلى مستويات لا تليق بنا الاثنين، فقررت أن أتجه إليه في منزله للاعتذار عما بدر مني، فاستقليت سيارتي، وبادرت بالذهاب إليه على وجه السرعة، خوفا من أن تراوده الوساوس، وتأخذ الأمور بيننا مأخذ الخصومة.
وحين وصلت إلى منزله وجدته يتهيأ للتوجه إلى منزلي، وعنده نفس الشعور بوجوب الاعتذار والندم، والإحساس بالذنب، وتحميل نفسه الخطأ، فتقابلنا وتعانقنا، وتبادلنا الاعتذار، تسبقنا دموعنا على الخدين! 
هكذا كان رحمه الله، وهكذا تكون الأخوة والأخرق الكريمة، ولو تركت لقلمي العنان لانساب يسجل ويسطر عن مكارم الأخلاق التي عاش بها والتزمها زميلنا الكريم إلى ما لا نهاية، لكنني أود أن أترك المجال للمحرر البارع الذي تجشم الكثير، وبذل الكثير من وقته الأكثر، لينشر وينثر عبير هذه السيرة العاطرة على الملأ.

السلطان علي (يسار الصورة) في منزل الأستاذ بافقيه رحمه الله
يعوده في مرضه الذي توفي فيه




(6)
وأما هجرته الرابعة والأخيرة؛ فقد كانت إلى مدينة جدة، وذلك عندما اتجهت الأمور في وطنه بعد الاستقلال نحو التدهور والانحدار، والديكتاتورية، والإرهاب الحكومي، والبطش الأعمى، مما لا يتناسب وأجواء الحرية الديمقراطية التي كان يتصورها وينشدها لبلاده في ظل الاستقلال.
وبعد رحيل الاستعمار، ظل قلما مُصْلَتا ومسلَّطاً على ذلك الوضع من جدة، التي كانت الملاذ الآمن لكثير من القوى والجماعات والخلطاء، حتى صعب التمييز بين الغث والسمين، والصادقين والمدعين .
ولكن ! وبعد سقوط الأحكام الشمولية عالميا ومحليا، كان زميلنا قد بلغ نهاية مشوار العمر، فتوفاه الله في جدة، تاركا لنا عاطر الذكرى، والحسرة على فقدان المكارم، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، ورضي عنه وأرضاه.

السلطان / علي عبدالكريم العبدلي
جدة في : 5 / 12/ 1427هـ


الهوامش:


(*) السلطان علي بن عبدالكريم بن فضل العبدلي، آخر سلاطين منطقة لحج الواقعة بقرب مدينة عدن، جنوب اليمن، والتي كانت تعرف بالمحمية الغربية في عهد الاستعمار البريطاني، تبعد لحج عن عدن مسافة (24 ميلا) إلى الشمال الغربي. ولد في أكتوبر 1922م (= صفر 1340هـ)، تخرج من كلية الملكة فكتوريا (كلية الأمراء) بالقاهرة، وكان متفوقا في دراسته، تولى الحكم في لحج سنة 1952م (= 1372هـ)، وهو السلطان الخامس عشر من سلاطين لحج العبادلة، وظل في الحكم إلى أن نفاه الإنجليز من بلاده وسحبوا الاعتراف به في يوليو 1958م (= ذو الحجة 1377هـ)، يسكن حاليا مدينة جدة، وينتقل إلى القاهرة في كل صيف.

التعريف بكتاب (الخطط المكية) للمؤرخ أحمد الحضراوي المكي والتنبيه على أوهام بعض المؤرخين

التعريف بكتاب (الخطط المكية) للمؤرخ أحمد الحضراوي المكي
والتنبيه على أوهام بعض المؤرخين

بقلم/ د. محمد أبوبكر باذيب


(الخطط المكية)، عنوان كتاب من تأليف أحمد بن محمد الحضراوي، المؤرخ المكي (ت 1327هـ/ 1908م)، نسبه إليه كل من تلميذه عبدالستار الدهلوي(1)، وعبدالوهاب الدهلوي(2)، والسنيدي(3)، وكشميري(4). وذكر عبدالستار الدهلوي أن الحضراوي كان يقوم بتأليف هذا الكتاب أثناء تحريره لترجمته، قال:" وهو مشغولٌ بجمعِه في تاريخنا هذا"(5). ثم عقب ذلك بذكر وفاته، مما يشعر أنه كان من أواخر مؤلفاته.
عبدالوهاب الدهلوي، في مقاله عن المؤلفات في تاريخ الحرمين، تحدث عن مضمون الكتاب بقوله: "وهي [كذا] على طريقة (الخطط) للمقريزي. فصل فيها جغرافية مكة المكرمة، في مجلدين كبيرين. كانت موجودة لدى أسرته بمكة، ثم فرطوا فيها، واشتراها من لا أعرفه"(6). ونوهت الباحثة كشميري بأن الذي باع الكتاب هو محمد سعيد الحضراوي(7).
ومما ينبغي التنبيه عليه، أن باحثين معاصرين، من مؤرخي مكة المكرمة، هما عاتق البلادي، وعبدالله المعلمي، نسبا هذا الكتاب إلى محمد سعيد الحضراوي (ت 1326هـ/  1907م)، وهو ابن المؤرخ أحمد الحضراوي، مؤلف الكتاب. الذي ثبتت نسبة الكتاب إليه، كما هو في ترجمته لمعاصره عبدالستار الدهلوي.
وسبب هذا التوهم، هو سياق كلام الدهلوي في (فيض الملك)، فإنه قال في ترجمة أحمد الحضراوي: "وله ابن فاضل أديب، حفظه القريب المجيب"(8)، وسرد بعد هذه العبارة مؤلفات صاحب الترجمة، أحمد الحضراوي، حتى انتهى إلى ذكر وفاته، وأرخها في سنة 1326هـ/ 1907م.
ثم جاء عبدالله غازي، فترجم لأحمد الحضراوي في (نظم الدرر)(9)، ونقل عن (فيض الملك) للدهلوي، ولكنه خالف في سياق الترجمة، فإنه بعد أن ذكر مؤلفات أحمد الحضراوي، عرج على ذكر ابنه محمد سعيد، ثم عاد إلى ذكر المؤلفات مرة أخرى، فذكر كتاب (الخطط) في السياق الثاني، مما يوقع القارئ في توهم أنها مؤلفات الابن محمد سعيد، بينما الدهلوي ذكرها كلها في سياق مؤلفات الأب!.
وهكذا، فقد جاء الزركلي، وترجم لمحمد سعيد الحضراوي في (الأعلام)(10)، واعتمد فقط على كتاب (نظم الدرر)، فنقل سياق كلام غازي، الذي فيه ذكر (الخطط المكية) في سياق الكلام عن محمد سعيد الحضراوي، فنسب الكتاب إليه، وتتابع الناس بعد الزركلي، معتمدين عليه، وتواردوا كلهم على هذا الخطأ. بدءا بعمر كحالة في (معجم المؤلفين)(11)، وانتهاء بعاتق البلادي في (نشر الرياحين)(21)، وعبدالله المعلمي في (أعلام المكيين)(13).


الخميس، 12 مايو، 2016

المفاضلة بين ألفيتي العراقي والسيوطي في مصطلح الحديث النبوي

المفاضلة بين ألفيتي العراقي والسيوطي في مصطلح الحديث النبوي

وردني هذا السؤال بتاريخ 6/5/2014م
(
السلام عليكم. أيهما أحسن حفظ ألفية العراقي أم السيوطي من حيث المعلومات التي تتضمنها كلا منهما؟)
فوضعته في بعض مجموعات الواتساب، وقلت: (ليفد من لديه افادة).
فكان ممن تفاعل مع السؤال، وأجاب إجابة موفقة، أخي البحاثة المفيد، الشيخ د. عادل الشعيبي الأحسائي، نزيل بريطانيا حالياً.
فقال وفقه الله:
(السيوطي افضل.
سمعت ذالك من شيخنا الدكتور أحمد معبد عبد الكريم في إحدى دروسه بالأزهر.
مما لاشك فيه أن كلا الألفيتين في غاية الإتقان، وكل منهما تسد مسد الأخرى جملة. وسوف أركز على عدة محاور:
1-
العراقي من أئمة الحديث المبرزين فيه والسيوطي عالم بالحديث وغيره، ولكن رتبة العراقي مقدمة في هذا الفن.
2-
العراقي في ألفيته نظم مقدمة ابن الصلاح وزاد عليها، فهو بذل جهدا في نظم كتاب في مصطلح الحديث، لذا قال: نظمت فيها ابن الصلاح أجمعه...وزدتها قولا تراه موضعه، بينما السيوطي لم يتعب كثيرا فهو أعاد صياغة ألفية العراقي وزاد عليه، وأحيانا يكرر بعض عبارات العراقي، لذا ألفها في 5 أيام فقط ، قال السيوطي: نظمتها في خمسة الأيام... بقدرة المهيمن العلام
3-
زيادات السيوطي أكثر من زيادات العراقي.
4-
عبارات السيوطي أسهل نسبيا، ولقد قال : فائقة ألفية العراقي...في الجمع والايجاز واتساق . ولقد قال السيوطي في ألفيته في النحو: فائقة ألفية ابن مالك. فنظم السيوطي فيه سلاسة أكثر فيسهل حفظه، مع أن العراقي متفنن في النظم، وعباراته جميلة رصينة قوية.
5-
منظومة العراقي أقعد في الفن في نسبة الأقوال وضرب الأمثلة.
6-
أهل الحديث اعتنوا بشرح ألفية العراقي أكثر، فشرحها مؤلفها وعلى الشرح حاشية ابن قطلوبغا، والبقاعي في النكت الوفية، والنكت لابن حجر، وحاشية الحلبي، وشرحها ابن العيني والسخاوي في فتح المغيث والشيخ زكريا الأنصاري في فتح الباقي وأمير بادشاه والمناوي والأجهوري والدمنهوري وابن كيران والبطاوري ، بل توجد عشرات الشروح والمختصرات والحواشي.
أما ألفية السيوطي فشرحها السيوطي نفسه ولم يكمله وقد طبعت في رسالة ماجستير في 3 مجلدات بتحقيق باحث إندونوسي، وشرحها العرضي والقلقشندي والترمسي ومحمد بن عبدالرسول البرزنجي وأبوبكر الأهدل وابن كيران وأحمد شاكر ومحمد محي الدين عبدالحميد ومحمد آدم الأثيوبي واليعقوبي الموريتاني ومحمد أمين الهرري، ولصالح الفلاني
ومحمد بن حافظ العلوي وأحمد بن دهاق العلوي تعليقات عليها.
فيظهر لي والله أعلم أن ألفية العراقي أولى بالحفظ والاعتناء، ولكن من عرج على ألفية السيوطي فقد حقق القصد والمرام، وليس عليه ملام.
وكتب مقرظا على جوابه أخي الشيخ الأديب الألمعي، عبدالرحمن الشنقيطي، قائلا:
لقد أفاد الفاضل الشُّعيبي ** فيما أتاه لا رمي بالعيب
حرَّر في جوابه تحريرا ** أبان أنّ ذلك النحريرا
ممكَّنٌ في فنه مقدّمُ ** وكمْ له من سلف تقدموا
حياكَ موﻻك الكريمُ العادل ** ودمت في ثوب العوافي رافلُ
كلاهما قد حققا المقاما ** وبلغا الذروة والتماما
وفصَّلا وحرَّرا الأحكاما ** وأبدعا نسجا لها نظاما
ومن حوى إحداهما تسامى ** وحقق المقصود والمراما
واستوعب الفن بها تماما ** وربما كان بها إماما
والشيخ باذيب الحبيب العلم ** دوما يجود بالعلا ويُكرم
عمدة أهل العلم والتسديد ** لاسيما في اليمن السعيد



الاثنين، 2 مايو، 2016

فائدة عزيزة: عن موقف الشيخ الرملي الصغير (ت 1004هـ) من كتاب «تحفة المحتاج» لابن حجر الهيتمي المكي (ت 974هـ)

فائدة عزيزة: عن موقف الشيخ الرملي الصغير (ت 1004هـ) من كتاب «تحفة المحتاج» لابن حجر الهيتمي المكي (ت 974هـ)

وقفت على مصورة نسخة مغربية قيمة من كتاب (تهنئة أهل الإسلام ببناء بيت الله الحرام)، للعلامة الشيخ البرهان إبراهيم الميموني المصري. المتوفى سنة 1079. كتبت بخط مشرقي. محفوظة في الخزانة الحمزاوية برقم 106.. وعليها خطه. وإجازةٌ منه لمالكها المغربي. وهو الشيخ العلامة أبوسالم العياشي، الذي ذكر شيخه الميموني ولقاءه به في رحلته الشهيرة «ماء الموائد».
كتب العياشي بخطه مانصه: (سمعت خطبة هذا التاليف المبارك على مؤلفه. فسح الله في مدته. وعمنا ببركته. وأجاز لي سائره. وسائر مروياته. عشية يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من ربيع النبوي. عام خمس وستين وألف. .... بالقاهرة المعزية).



وكتب الشيخ الميموني تحت النص السابق قوله: (قد تشرفت بمذاكرة صاحب هذا الخط. وأرجو من كرم الله تعالى أن يلحظني وذريتي ببركته. وقد أجزته بجميع هذا الكتاب، وجميع ما يجوز لي روايته. سائلاً منه أن ﻻ ينساني ووالدي وذريتي من دعائه الصالح في كل وقت فالح.
كتبه /  الفقير إبراهيم الميموني. مؤلفه).



محل الشاهد:
فوق العبارة السابقة، كتب مالك الكتاب بخطه المغربي هذه الفائدة العزيزة، وهي نقل تاريخي نفيس، يستفاد منه فوائد متعددة:
(حدثني شيخُنا الشيخ إبراهيم الميموني. قال:
سمعتً من شيخنا الشنواني. قال:
كنتُ جالساً مع ابن حجر الهيتمي تجاه الكعبة. فجاء إنسانٌ. فقال: إن الشيخ محمدَ الرمليَّ انتحل «شرْحَك» على «المنهاج»، ونسبه لنفسه.
قال: فسجد الشيخُ ابن حجر شكرا لله.
فقال: والله لقد كنتُ أرغب أﻻ ينسب لي من هذا العلم شيئ. فإن مرادي [كلمة غير واضحة] من عندي. وماحصلته من هذه العلوم للناس لينتفعوا بها. وإذا حصل ذلك ما أبالي بمن انتحله). انتهى

نقل ذلك وحرره / محمد باذيب
بتاريخ الخميس 7 شوال 1436


الأربعاء، 27 أبريل، 2016

لقائي بشيخنا الإمام العلامة الداعية مولانا السيد أبي الحسن الندوي، رحمه الله في شهر ذي الحجة 1415هـ

لقائي بشيخنا الإمام العلامة الداعية
مولانا السيد أبي الحسن الندوي، رحمه الله
في شهر ذي الحجة 1415هـ
بقلم/ د. محمد أبوبكر باذيب




كان ذلك الفتى ذو الخمسة عشر ربيعاً لا يفتأ يطالع كتب أعلام عصره، ويعيش أحلاماً وردية بلقاء العديد منهم، لكونهم لا يزالون على قيد الحياة وقتها .. كان اسم علي الطنطاوي، وعبدالفتاح أبوغدة، وأبوالحسن الندوي، وغيرهم من الأكابر، يرن في أذنيه، ويلتمع أمام عينيه. وكانت مكتبة المأمون، التي تعد وقتذاك من أكبر مكتبات مدينة جدة، تزخر بمؤلفاتهم، ولم يكن يحول شيء أمامه دون الوصول إليها، فقد كان موظفاً فيها، يطالع الكتب ليل نهار في وقت عطلته المدرسية.

تمر السنوات، وينتقل من المرحلة المتوسطة إلى المرحلة الثانوية، وهو طالب بعدُ في مدارس الفلاح بجدة، وأشياخه في تلك المدرسة العريقة، منهم من هو تلميذ لبعض الأعلام، فقد كان شيخه وأستاذه العالم القدوة عدنان كامل السرميني، رحمه الله، كثيراً ما يحدثه عن أستاذه أبوغدة، وعن أستاذيهما الكبير راغب الطباخ، علم حلب البارز ومؤرخها الفذ.



لقد كان اللقاء بالشيخ الطنطاوي متاحاً وميسوراً، فمكتبة المأمون ما هي إلا ملكٌ لأسباطه، أبناء بنته. كما أن الأستاذ مجد مكي كان يستصحبه معه كل أربعاء غالباً إلى مجلسه مع الشيخ، فكان ذهابه ومجيئه إلى منزل الشيخ متواصلاً.



وأما الشيخ أبوغدة، فقد كان ينزل مكة المكرمة وجدة ضيفاً كريماً على بعض طلابه، وفي تلك السنوات، كان قد أكثر الترداد على جدة، يزور مشايخ حضرموت، من السادة آل باعلوي، وغيرهم من أهل العلم كالشيخ العلامة الناخبي، رحمه الله. ليتصل بأسانيدهم، ويلتقي بأعلامهم،



فكان أن زار شيخه العالم الصالح السيد حامد بن علوي بن طاهر الحداد (ت 21 ذي الحجة سنة 1415هـ)، ولكن فاته ذلك اللقاء، فأخبره شيخه خبر الزيارة، وأطلعه على ثبت الشيخ الكوثري، الذي أهداه محققه الشيخ أبوغدة له في تلك الزيارة. وحفَّزه على لُقْيا الشيخ وأخذ الإجازة منه. فتم اللقاء أولا في مكة، ثم في جدة في منزل العلامة الأستاذ الجليل العلامة السيد محمد الشاطري، رحمة الله على الجميع.
إذا؛ فقد تم اللقاء بالجبلين الكبيرين، وبقيت أمنية لقاء الثالث منهم حلماً يراود الفتى .. فطفق يدبج المراسلات، ويبعث الرسائل عبر البريد إلى عنوان الندوة في الهند .. لعل وعسى أن تظفر إحدى تلك الرسائل بالمثول بين يدي الشيخ الندوي!.
وذات يوم؛ إذا بخبر سعيد ينمى إلى سمعه وعلمه، أن الشيخ الندوي قادم للحج في تلك السنة، 1415هـ. كان خبراً سعيداً حقاً، سيتحقق حلمه أخيراً. واستعد نفسيا وروحياً لذلك اللقاء المنتظر، وعاد يطالع كتب شيخه المحبوب من جديد، فقد اجتمع لديه وقتذاك جل ما في مكتبات جدة من مؤلفات الشيخ، فإن غرامه به دفعه إلى البحث عن كل مؤلفاته، كبيرها وصغيرها. وما لم يجده يباع، يطلبه بالتصوير الضوئي، حتى أن كتاب «نزهة الخواطر» لوالد الشيخ الندوي صور أجزاء منه ليربط سلسلة أخذ الشيخ من طريق أبيه وشيوخه الهنود الذين لا تتوفر تراجمهم في المصادر العربية المعروفة.
أما كتاب «شخصيات وكتب» فكاد يحفظه عن ظهر قلب، وكذلك «ربانية لا رهبانية» كم كرر قراءته، وكم سالت دموعه وهو يتعرف على شخصية العارف الرباني مولانا الشيخ فضل الرحمن الكنج مرادآبادي، وكم تاقت نفسه إلى العيش في رحاب (دارة علم الله الحسيني) في راي بريلي، حيث آل الحسني عشيرة شيخه الذي أحبه وتعشق أخلاقه وسيرته على البعد.



وفي ذات سحر، وقد تشبعت نفسه بحميا اللقاء المرتقب، وتملك أحاسيسه تملكاً قوياً، قام وخط بيده أبياتاً على سجيته، وركب ألفاظها ونمقها بحسب ما استطاع، ليقدمها هديةً أمام شيخه المحبوب، عساها أن تشفع له عنده، ليتعرف من خلالها على لواعجه الشديدة، ومشاعره الجياشة .. فكانت هذه الأبيات، أبقيتها على هيئتها ولم أغير منها حرفاً أو تركيباً، لتكون شاهدة على زمن مضى. ولأنها قد تشرفت بأن استمع لها الشيخ أبوالحسن وأثنى عليها وعلى قائلها، فكان ذلك إيذاناً بقبولها إن شاء الله، وله الحمد ..
الأبيات:
هبُّوا بني قَومي ولبُّوا دَعْوتي ** وقِفُوا بإجْلالٍ لشَيخِ الندْوةِ
حيُّوا معي شيخَ العلُوم بعَصْرنا ** السيِّدَ النّدْوي سليلَ العتْرةِ
هذا أبُوحسَنٍ عليٌّ شيخُنا ** هذا إمامٌ من رِجَال الدعوةِ
من قامَ للدِّينِ الحنيف مجاهِداً ** ومناضِلاً بالقَولِ ثم بحكمَةِ
قد سارَ في درْبِ الحياة مكَافِحاً ** يسْعَى بجِدٍّ سائراً بعزيمَةِ
قدْ أخلصَ النياتِ في أعْماله ** ومضَى إلى ساحِ الجهادِ بعَزْمةِ
فجِهادُه في نصْرِ دينِ محمّدٍ ** وكفاحُه في لم شعْثِ الأمةِ
بيراعِه سالتْ دماءُ محابرٍ ** وغزَا ميادينَ العلُومِ بفكرةِ
قلمُ الحكيم إذا انبرَى لكتابةٍ ** يضْفِي على الأفهامِ نُورَ بصيرةِ
يا شيخَنا النّدْوي إليكَ تحيةً ** يا أيها السَّاعي لنصْرِ السُّنةِ
يا أيها الداعي مقامُكَ رافعٌ ** لا يستطاعُ بلوغُه بسُهولةِ
فجهودكُم مشكورةٌ في سعيكُم ** ونضالكُم في شأن عزِّ الملةِ
أرجُو إلهي أن يطيل بقاءكُمْ ** ويمدَّكَ الرحمنُ منه بصحّةِ
ويعينك المولى على نشْر الهدَى ** ويقرَّ أعينكُم غداً في الجنةِ
هذي قَوافينا أتتْكَ كسيرةً ** تمشي على عوَجٍ إليك وعرْجَةِ
لا يستطيعُ المادحون وفاءَكُم ** بالشِّعر، فاقْبلها على ذي العِلّةِ
قد تمَّ نظْمي فجْرَ يوم فاضلٍ ** في بكرَةِ التاسعِ من ذي الحجّةِ
في ظُلمَة الليل البَهيمِ كتبتُها ** سَحَراً وهذا بعْضُ حقِّ أحبَّتي

بعد انقضاء موسم الحج الشريف، بلغني أن فضيلة السيد يتهيأ للسفر، وكان قد تكلم في مقر رابطة العالم الإسلامي في مؤتمر عقد في ذلك العام، وعلمت أنه نازل في منزل تلميذه الشيخ الدكتور عبدالله عباس الندوي، بمكة. فتحركت إليه بسيارة والدي من جدة إلى مكة، بحثت عن منزل الدكتور عبدالله، فدللت عليه، وكان يقع في تقاطع شارع المنصور مع الستين، تحت الجسر (الكوبري) الذي يعلو شارع المنصور. وبعد الاستئذان، دلفت إلى بهو الدار، فوجدت الشيخ رحمه الله تعالى، جالساً على سرير، وبين يديه عدد من الفضلاء، فيهم صاحب الدار، ورجل من طرف الرابطة، كان يسمعه تسجيلاً لكلمته التي ألقاها صباح ذلك اليوم في الرابطة، حفظت منها قوله: «إن جمعنا هذا، المبارك، لئن كان قصيراً في القامة، فهو كبير في القيمة»، أو كلمة نحوها.



ثم إنه التفت نحوي متبسماً، ورحب بقدومي، وسألني عن طلبي، فتلعثمت، ثم قلت له: إنني جئت من جدة للسلام عليه، وأخبرته بما كنت بعثته إليه من رسائل، فقال: لعل رسالتك قد وصلتني، ولكن اعذرني فلعل الوقت لم يتح لي لأرد عليك. فقلت له: إنني كتبت أبياتاً لما علمت بقدومك، وهاهي معي. فأشار علي أن ألقيها على سمعه. فألقيتها واقفاً. ثم جلست. وكنت قد أضفت لها أثناء جلوسي بين يديه، بيتاً قلت فيه:
أنتُم كرامٌ لن ترُدُّوا سَائلاً ** يرجُو بصِدْقٍ منحَكُم لإجازةِ
فهشَّ لي وبش، رحمه الله. وأثنى خيراً. فلما رأيتُ سروره وابتهاجه، بادرته بطلب القراءة عليه لأوائل الكتب الستة، فرحب بذلك، فأخرجت كتبا «الأوائل السنبلية»، فناداني للجلوس بجواره على السرير، فاستحييت، فأصرَّ وأكَّدَ عليّ.
وقال لي: إنما نحن نكرمُ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجلست إلى جواره. وطلبت منه أن يسمعني المسلسل بالأولية، ففعل، وهو يرويه عن شيخه حيدر حسان خان الطونكي، عن الشيخ حسين بن محسن الأنصاري اليماني، بسنده المعروف، عن أحمد الشوكاني عن أبيه القاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني. وقرأت عليه أوائل الكتب الستة، وأول الموطأ.



وبعد تمام القراءة عليه، طلبت منه الإجازة، فمد يديه وصافحني، وفعلت مثله، صافحت بيدي كلتيهما، على حسب المعتاد عند ساداتنا مشايخ الهند والسند. وتلفظ لي بالإجازة الشريفة، بجميع مروياته، فقبلتها، وقبلت يده. ثم إنه نادى بحقيبة صغيرة، فأحضرت له، فاستخرج منها ورقة طويلة مطبوعة، فيها نص إجازته، وهي التي طبعت فيما بعد وحققها تلميذه أخونا العالم المطلع البحاثة د. محمد أكرم الندوي بعنوان «نفحة الهند واليمن في أسانيد الشيخ أبي الحسن». فكتب اسمي في موضع اسم المجاز بيده الكريمة، ثم وقعها، وناولنيها، فلهي، والله، عندي من أجل المغانم، وأعظم المكاسب في هذه الحياة.
ثم إن أهل الدار كانوا قد هيأوا للشيخ وضيوفه طعاماً، فدعوه للقيام إلى السفرة، فأردت أن أستأذن وأعود أدراجي، فأبى علي، وأخذ بيدي، وأجلسني في الصحن أمامه، وكان يغرف لي الطعام، بل وألقمني وأطعمني وسقاني بيده الكريمة الشريفة.
وبعد الانتهاء من تناول الطعام، وغسل الأيدي، استأذنته في العودة إلى أهلي، فزودني بدعوات صالحات مباركات، وغادرته ولسان حالي يقول:
ودّعتُه وبودِّي لو يفارِقُني ** صَفْوُ الحياةِ وأني لا أودِّعُه
فبكيت، وسالت دموعي، كما هي سائلة في هذه اللحظات وأنا أسطر هذه الكلمات، فوقف سيدي الشيخ عند الباب، واحتضنني، وعانقني عناق الأب الحنون، وقال لي بصوت سمعه من كان معنا: أنت ندوي منا. أنت ندوي منا!.
ولم تزل ذكرى ذلك اللقاء
وحلاوته تعاودني كل حين، فالحمدلله على ما أكرم وأنعم، وعلى ما وفق للقاء الرجال الأكابر، نسأل الله تعالى كما جمعنا بهم في هذه الدار، أن لا يفرق بيننا في تلك الدار، وأن يرزقنا شفاعة نبيه المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما تعاقب الليل والنهار.
وبعد؛
فهذه السطور، كتبتها هذه الليلة، واستخرجتها من دفتر قديم، نزولا على رغبة أخ حميم، وصديق كريم، هو الأستاذ حذيفة علي الندوي، الذي هو على أعتاب تخرجه من ندوة العلماء، وكان قد رافقني وصحبني أيام زيارتي الأخيرة للندوة في عام 2013م، حينما لكهنو قبيل مغادرتي عائداً بعد انقضاء مدة دراستي في جامعة عليكرة الإسلامية. فله مني خالص الشكر والتقدير، وأسأل الله تعالى أن يبارك فيه، وأن يوفقه للانتصاب في محراب الدعوة، وخدمة أمته الإسلامية، في بلده الأصلي الهند، وفي مقامه ومسقط رأسه في بريطانيا، وفقك الله يا حذيفة، وأخذ بيدك أنت وزملاؤك إلى ما فيه خدمة دين الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.



والى السادة الأكارم، والمشايخ الأجلاء في دار العلوم ندوة العلماء، كل التحيات، وخالص الأشواق والأمنيات، أرفعها إلى مقام أشياخنا مولانا الشيخ محمد رابع الحسني، والشيخ محمد واضح رشيد، والشيخ سلمان الحسيني، ومولانا العلامة سعيد أحمد الأعظمي الندوي، وكل من عرفتهم في تلك الدار العامرة، والندوة الفاخرة، لا زالت باذخة شامخة، ولا زال أهلها والقائمون عليها يرفلون في حلل التقى والاستقامة، متحلين بحلى الفخامة، متشحين بأردية العز والكرامة، آمين، في عافية وسلامة.



الأحد، 14 فبراير، 2016

حُداة الرسول صلى الله عليه وسلم

حُداة الرسول r

إعداد/ د. محمد أبوبكر باذيب

الحُداةُ جمع حادٍ، يقال: حَدا الإبِلَ، وحَدا بها، يحْدُو حدْواً وحُداءً، ممدود: زجَرها خلفَها وساقَها. قال الجوهريّ: "الحدْوُ: سَوقُ الإبل، والغناءُ لها"(1). والحدْوُ عادة عربية أصيلة قديمة، لها تاريخها وأدبياتها.
ابن رشيق القيرواني (ت 463هـ/ 1071م)، تحدث في كتابه (العمدة) عن تاريخ ظُهور تلك العادة عند العرب، وجعل أصلَ الحُداء وجهاً من أوجه الغناء العربي قديماً، يسَمّى النصَب، قال: "غناء العرب قديماً على ثلاثة أوجه: النصب، والسناد، والهزج. فأما النصَبُ فغناءُ الركبان والفتيان، قال إسحاقُ بن إبراهيم الموصلي: وهو الذي يقال له المرائي، وهو الغناء الجنابي. اشتقه رجلٌ من كلبٍ، يقال له: جناب بن عبد الله بن هبل، فنسب إليه. ومنه كان أصلُ الحداء كلِّه، وكله يخرجُ من أصلِ الطويل في العَرُوض"(2). ونقلَ عن بعض مؤلفي الكتب القدماء، أن أولَ من أخذَ في ترجيعه الحداءَ هو الجدُّ الجاهليُّ مُضَر بن نزار؛ ذلك أنه سقطَ عن جملٍ فانكسرت يده، فحملُوه وهو يقول: "وايداه، وايداه". فأصغَت الإبل إليه، وجدَّت في السير، فجعلت العربُ مثالاً لقوله: هايدا هايدا، يحدُون به الإبل(3). وقيل: بل كان أولَ من حدَا هو رجلٌ من مضر(4).
خبرُ حداء مضر بن نزار، رُويَ مرفوعاً إلى النبي r، فرواه، من الأدباء، أبوزيد القرشي (ت 170هـ/ 786م) في (جمهرة أشعار العرب)، بسنده إلى محمد بن إسحاق، قال: "قدم قيس بن عاصم التميمي على النبي، r، فقال يوماً، وهو عنده: أتدري يا رسول الله، من أول من رجز؟ قال: (لا!). قال: أبوك مُضَر، كان يسوق بأهله ليلةً، فضربَ يدَ عبدٍ له، فصاح: وايداه! فاستوثقت الإبلُ ونزلت، فرجز على ذلك(5). وذكره بدون سند من علماء العربية كثيرون، منهم الزمخشري في (ربيع الأبرار)(6)، ونقله ابن رشيق في (العمدة) عن ابن قتيبةَ، والزبير بن بكار(7)، وكذلك فعل الأبشيهي في (المستطرف)(8).
مصطفى صادق الرافعي، بعد أن نقل كلامَ ابن رشيقٍ المتقدم، وخبر حداء مضر بن نزار، قال: "وقالوا في أصل الحُداءِ غير ذلكَ، ولكنهم لم يرجعوه إلى ما قبلَ زمن مضر. وهي أقوالٌ لا دليل عليها، وإنما جاءوا بها تأويلا للفْظِ الحداء عند العرب"(9). وهذا القول من مصطفى الرافعي، بأنها أقوالٌ لا دليل عليها، لا يقبل بإطلاقه. فالحديث الذي أورده ابن رشيق، نقلاً عن ابن قتيبة والزبير ابن بكار، تقدَّم أنه أخرجه، من علماء العربية، أبوزيد القرشي، في (الجمهرة) بسند ضعيف، لوجود ابن إسحاق. كما أخرجه البيهقي (ت 458هـ/ 1066م) في (السنن الكبرى)، مرسلاً عن عكرمة، من غير طريق ابن إسحاق. وفيه: أن النبي r كان يستنصتُ الحداة. فعن عكرمة، قال : كان رسول الله r يسير إلى الشام، فسمع حادياً من الليل، فقال: (أسرعُوا بنا إلى هذا الحادي). قال : فأسرعوا، حتى أدركوه(11). ورواه البزار، من حديث ابن عباس، من طريق عكرمة(12). وروي، مرسلاً، عن مجاهد، أخرجه ابن أبي شيبة وغيره(13). وأخرجه ابن سعد في (الطبقات) مرسلا عن طاوس(14)، وابن الجوزي في (تلبيس إبليس) من طريق أبي البختري(15).
يستفاد مما سبق أن خبر حداء مضر روي مرسلاً عن مجاهد وعكرمة وطاوس، وروي مرفوعاً إلى النبي r وتكُلِّمَ في سنده. والشاهدُ أن علماء اللغة لم يتفردوا به، بل سبقهم المحدثون في مصنفاتهم بأسانيدهم. فالخبر له أصلٌ، وإن كان ضعيفاً ومتكلماً فيه.
النبي r كان يعجبه الحدو، واتخذ لنفسه حداةً يحدون له في أسفاره وغزواته، ووردت أحاديث وأخبار نبوية عديدة في ذكر حدوهم، ومجرياتهم مع الرسول r. وكانوا ثلاثةً، ذكرهم ابن قيم الجوزية قائلاً: "فصلٌ في حداته الذين كانوا يحدون بين يديه r في السفر: عبد الله بن رواحة، وأنجشة، وعامر بن الأكوع"(16).
فأما عبدالله بن رواحة، t، فهو من قدامى حداة النبي r. أخرج النسائي في (السنن) عن عمر t، قال: قال رسول الله r لعبد الله بن رواحة: (لو حركْتَ بنا الركاب). فقال: قد تركتُ قولي. قال له عمر: اسمع وأطع، قال:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
فقال رسول الله r: (اللهم ارحمه)، فقال عمر: وجبت(17). ولم يأت في روايات الحديث تحديد الزمن الذي قال فيه ابن رواحة ذلك الشعر، وفي رواية عن عبد الله بن رواحة: أنه كان مع رسول الله r في مسير له ...، الحديث(18)، فأبهم المكان والزمان.
روايات أخرى تفصح عن أن حدو ابن رواحة السابق، كان في وقت سابق لغزوة الأحزاب، وقبل حفر الخندق بمدة. ففي (صحيح البخاري) عن البراء، t، قال : لما كان يوم الأحزاب، وخندقَ رسول الله r، رأيته ينقل من تراب الخندق، حتى وارى عني الغبارُ جلدةَ بطنِه، وكان كثير الشعر. فسمعته يرتجز بكلماتِ ابن رواحة، وهو ينقل من التراب، يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ** ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ** وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا ** وإن أرادوا فتنة أبينا
قال: ثم يمد صوته بآخرها(19).
وكان ابن رواحة، t، هو الحادي بين يدي النبي r في عمرة القضاء، عند دخولهم مكة المكرمة. روى الترمذي والنسائي، من حديث أنس، رضي الله عنه، أن النبي r دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه، وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ** اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله ** ويذهل الخليل عن خليله
فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله r، وفي حرم الله عز وجل، تقول الشعر!. قال النبي r: (خل عنه، فلهو أسرع فيهم من نضح النبل)(20).
الترمذي قال عن الحديث: إنه "حسنٌ صحيحٌ، غريبٌ من هذا الوجه"(21). ثم تعقب ذلك بما ورد في رواية أخرى: أن الذي كان بين يدي النبي r لما دخل مكة في عمرة القضاء، هو كعب بن مالكٍ. قال الترمذي: "وهذا أصح عند بعض أهل الحديث؛ لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤتة، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك"(22).
وإنما خصص الترمذي صحة الرواية ببعض أهل الحديث، لأن الأكثر على أن عمرة القضاء كانت في ذي القعدة من السنة السابعة من الهجرة/ 628 ميلادية، ووقعة مؤتة كانت في جمادى الأولى من السنة الثامنة/ أغسطس 629م. فوجود ابن رواحة مع النبي r في عمرة القضاء على قول الجمهور لا ريب فيه. ففي (صحيح ابن خزيمة) من حديث أنس، t، بسند صحيح، أن رسول الله r دخل مكة معتمراً قبل أن يفتحها(23). فلم يذكر عمرة القضاء هنا. وهناك رواية أوضح مما سبق، فيها تصريح بكون عمرة القضاء سنة 7هـ/ 628م. قال أبونعيم في (معرفة الصحابة) يذكر مناقب ابن رواحة t: "له في الإسلام المناقب المذكورة، والأيام المشهورة. كان حارس النبي r وشاعره، أرجز بين يدي النبي r حين دخل مكة معتمرا في عمرة القضاء"(24).
وأخرج الطبراني، وأبونعيم، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله r حين دخل مكة في تلك العمرة. [زاد أبونعيم: يعني عمرة القضاء في ذي القعدة من سنة سبع]، دخلها وعبد الله بن رواحة الأنصاري آخذ بخطام ناقته، وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ** إني شهيدٌ أنه رسوله
خلوا فكل الخير في رسوله ** يا رب إني مؤمن بقيله
أعرفُ حقَّ الله في قبوله ** نحن قتلناكم على تأويله
كما قتلناكم على تنزيله ** ضرباً يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليلَ عن خليله(25)
وهي هنا أكمل مما ورد في مصادر أخرى. وقد انتقد ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) عبارةَ الترمذي المتقدمة، بقوله: "قلت وهو ذهول شديد وغلط مردود. وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك، مع وفور معرفته!. ومع أن في قصة عمرة القضاء اختصام جعفر وأخيه علي، وزيد بن حارثة، في بنت حمزة، كما سيأتي في هذا الباب. وجعفر قتل، هو وزيد وبن رواحة، في موطن واحد، كما سيأتي قريباً. وكيف يخفى عليه، أعني الترمذي، مثل هذا. ثم وجدت عن بعضِهم: أن الذي عند الترمذي من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة. فإن كان كذلك؛ اتجَه اعتراضُه، لكن الموجود بخط الكَرُوخي، راوي الترمذيِّ، ما تقدم"(26). قال الصالحي: "وكذلك رأيتُه في عدة نسخ من (جامع الترمذي)"(27).
ثاني الحداة، هو عامر بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن قشير الأسلمي، المعروف بابن الأكوع، وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع(28). لا كما جاء في كتاب (زاد المعاد) لابن القيم، أن سلمة هو عم عامر، بل العكس هو الصحيح(29). ويقال: أخوه. ولا تنافي بينهما، لأنه عمّه وأخوه في الرضاعة. وهو ممّن بايع تحت الشجرة(30).
حدا عامر بن الأكوع للنبي r في غزوة تبوك. أخرج البخاري في (صحيحه) عن سلمة بن الأكوع، قال: خرجنا مع النبي r إلى خيبر، فسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر: يا عامرُ، ألا تسمعنا من هنيهَاتك!. وكان عامر رجُلاً شاعراً، فنزل يحدو بالقوم(31).
والرجز، كما في رواية سلمة:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ** ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداءً لك ما أبقينا ** وثبت الأقدام إن لاقينا
وألقينْ سكينةً علينا ** إنا إذا صيح بنا أبينا
وبالصياح عولوا علينا(32)
والاختلاف في ضبط كلمات هذا الرجز كثير، لا تكاد رواية تتفق مع الأخرى. وتلك الأبيات التي ارتجز بها عامر، t، قديمةُ الإنشاء، ففي (صحيح البخاري) أنها سُمِعت على لسان النبي r يوم الأحزاب، روى البراء، t، قال: رأيت رسول الله r يوم الأحزاب ينقل التراب وقد وارى التراب بياضَ بطنه، وهو يقول: (لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا. فأنزل السكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الألى قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا)(33).
وفي رواية عند أحمد، عن نصر بن دهر الأسلمي، أن الذي طلب من عامر الحداء هو رسول الله r، قال لعامر: "انزل يا ابن الأكوع، فاحْدُ لنا من هُنيَّاتك"(34). لكن حداء عامر بن الأكوع، كان سبباً لسؤال النبي r عنه، ففي (صحيح البخاري) وغيره، أن رسول الله r قال: "من هذا السائق؟". قالوا: عامر بن الأكوع. قال: يرحمه الله. قال رجلٌ من القوم: وجبتْ يا نبي الله، لولا أمتعتنا به!(35). وهذه الرواية تؤيد أن الذي طلب من عامر أن يحدو هو رجل كان في جيش المسلمين، وليس رسول الله r نفسه كما في رواية أحمد المتقدمة.
ترحُّمُ النبي r على عامر، كان مشعراً بقرب أجله، ولهذا قال الصحابي الذي سمع الترحم: وجبت يا نبي الله. قال ابن بطال: "فهِمَ من دعاء النبى r لعامر بالرحمة، أنه يستشهدُ فى تلك الغزاة ويكون من أهل الجنة"(36). وقال النووي في (شرح مسلم): "كان هذا معلوماً عندهم، أن من دعا له النبي r هذا الدعاءَ في هذا الموطن استشهد"(37). وقال ابن حجر العسقلاني: "قوله: (قال: يرحمه الله). وفي رواية إياس بن سلمة، قال: (غفر لك ربك). قال: وما استغفر رسول الله r لإنسان يخصه إلا استشهِدَ. وبهذه الزيادة يظهر السرُّ في قول الرجل: لولا أمتعتنا به!"(38).
وكان لموت عامرٍ في غزوة تبوك قصة، رواها ابن أخيه سلمة بن الأكوع، قال: فلما تصافَّ القومُ، كان سيف عامر قصيراً. فتناول به ساقَ يهوديّ ليضربه، فرجع ذبابُ سيفه، فأصاب عين ركبة عامر، فماتَ منه. فلما قفلوا سمعت نفرا من أصحاب رسول الله r يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. قال سلمة: رآني رسول الله. وفي رواية: فأتيت رسول الله r وأنا أبكي. قال: (ما لكَ؟). قلت له: فداك أبي وأمي، زعمُوا أن عامراً حبِطَ عملُه. قال: (من قال؟). قلتُ: فلان وفلان، وأسيد بن الحضير الأنصاري. قال النبي r: (كذب من قاله، إن له لأجرين)، وجمع بين إصبعيه، (إنه لجاهدٌ مجاهدٌ، قلَّ عربيٌ مشَى بها مثله)(39)، زاد في رواية: (وإنه ليعوم في الجنة عَومَ الدعمُوص)(40).
ودفن عامر في قبر واحد مع محمود بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة ، أخو محمد بن مسلمة الأنصاري، في موضع يقال له الرجيع، في غار هناك(41).
ثالث الحداة، هو أنْجَشة، بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم وبالشين المعجمة، كان عبداً أسودَ(42)، وقال البلاذريّ: كان حبشيا، يُكنى أَبا مارية(43). وكان حسَن الصّوت بالحداء(44). وكان، t، يحدو بأزواج النبي r(45). وكان إذا حدا أعنقت الإبل(46).
قال أنس: فحدا بأزواج النبي r في سفر(47)، وفي رواية: في مسير له(48). وقيل: كان ذلك في حجة الوداع(49)، فأسرعت الإبل. قال أنس، t: أتى النبي r على بعض نسائه، ومعهن أم سليم، فقال: (ويحك يا أنجشةُ!. رويدكَ سوقاً بالقوارير). قال أبو قلابة، من رواة الحديث: فتكلم النبي r بكلمةٍ، لو تكلم بعضُكم لعبتموها عليه، قوله: (سوقك بالقوارير)(50).
وفي رواية عند أحمد: بينما رسول الله r يسير وحاد يحدو بنسائه، فضحك رسول الله r، فإذا هو قد تنحى بهن(51)، وفي رواية: فكان نساؤه يتقدمن بين يديه(52)، قال: فقال رسول الله r: (يا أنجشة، ويحك، ارفق بالقوارير)(53).
البغوي فسر المراد بالقوارير على وجهين: الوجه الأول، أنه أمره بالرفق بالنساء. فشبههن بالقوارير، لضَعف عزائمهن، والقوارير يسرع إليها الكسر. وكان أنجشة في سَوقه عنفٌ، فأمره أن يرفق بهن في السَّوق، كما يرفقُ بالدابة التي عليها قوارير. والوجه الآخر: وهو أن أنجشة كان حسن الصوت بالحداء، فكان يحدو لهن، وينشد من القريض والرجز ما فيه تشبيب، فلم يأمن أن يقعَ في قلوبهن حداؤه، فأمر بالكف عن ذلك، وشبه ضعف عزائمهن، وسرعة تأثير الصوت فيهن بالقواريرِ في سرعة الآفة إليها(54).
الوجه الثاني الذي ذهب إليه البغوي، له شاهد قوي عند الحاكم في (المستدرك) من حديث أنس، قال: كان البراء بن مالك رجلا حسن الصوت، فكان يرجز لرسول الله r في بعض أسفاره، فبينما هو يرجزُ إذ قاربَ النساءَ. فقال له رسول الله r: (إياك والقوارير)، قال: فأمسك. قال محمد: كره رسول الله r أن تسمع النساء صوته(55).
ومن حداة النبي r، وهو رابعهم، البراء بن مالك، وهو أخو أنس بن مالك لأبيه، قاله أَبو حاتم(56). فعن أنس، t: أن البراء بن مالك كان يحدو بالرجال، وكان أنجشة يحدو بالنساء(57). وروى الحاكم في (المستدرك)، عن أنس بن مالك: كان البراء بن مالك حسن الصوت، وكان يرجزُ لرسول الله r في بعض أسفاره، فقال له: (إياك والقوارير)، فأمسَك(58).

خلاصة البحث:
-       أن حداة النبي صلى الله عليه وسلم الذين أبثتهم البحث أربعة.
-       يتفق البحث في أسماء ثلاثة من الحداة وردت أسماؤهم في كتاب (زاد المعاد) لابن القيم، ويخالفه في الرابع.
-  ذكر مؤلف (زاد المعاد) من الحداة: سلمة بن الأكوع، والبحث لم يثبت كون سلمة حادياً، ولم يقف الباحث على رواية تثبت حداء سلمة. فتم استبعاده، وإضافة البراء بن مالك بدلا عنه، لثبوت اسمه في الروايات المثبتة في المصادر التي تم الاطلاع عليها.
-  وقع في الطبعات المتداولة لكتاب (زاد المعاد) وصف سلمة بن الأكوع أنه عم الحادي عامر بن الأكوع، وهذا غير صحيح. بل الصواب عكسه، فعامر هو عم سلمة، رضي الله عنهما.

وفي ثنايا البحث فوائد أخرى تنظر فيه، والحمدلله أولا وآخراً، وصلى الله وسلم على عبده سيدنا محمد وآله وصحبه.