الخميس، 26 سبتمبر، 2013

السيد العلامة علوي بن طاهر الحداد (ت 1382هـ) وإنكاره الخرافات التي كانت جارية في بعض وديان ومناطق حضرموت في عصره (1)



السيد العلامة علوي بن طاهر الحداد (ت 1382هـ)
وإنكاره الخرافات التي كانت جارية في بعض وديان ومناطق حضرموت في عصره





غلب على أذهان بعض الناس، أن علماء حضرموت، ممن يسمونهم (التقليديين)، أو شيوخ الحلقات، أو أن السادة العلويين بالخصوص ومن في محيطهم، لم يكن لهم إنكار أو احتساب في نصح العوام المرتكبين للطوام، وأنهم جميعاً بلا استثناء كانت تروق لهم الأفعال الجاهلية التي يقوم بها البادية عند بعض قبور المشهورين بالولاية والصلاح. وهذا ظن خاطئ.
وإنما سبب انتشار هذا الظن، أو هذا التصور، أن من كتب عن المصلحين والمنكرين، لا يذكر إلا علماء من غير العلويين، كالشيخ باصبرين، أو الشيخ البيحاني، مع أن هذين الشيخين الجليلين إنما تخرجا على شيوخ عصرهما، وأكابر شيوخهما هم من السادة العلويين، أيعقل أن يتخرج عالم فذ على شيخ ذو نهج مختلف؟
ألم يطنب الشيخ البيحاني في مدح شيخه العلامة عبدالله الشاطري، وما رثائيته الحزينة فيه إلا مثال صادق على حسن أدبه مع شيخه ومربيه ومعلمه ..
وقد يكون سبب التركيز على تلك الشخصيات بالتحديد، وجود مؤلفات  مفردة لهم في هذه المواضيع، ولكن .. عدم وجود كتابات لعلماء تريم وغيرها في هذه الأمور لا يعني أنهم لم يكونوا يحتسبون في إنكار المنكر ..
ولنأخذ مثالا صريحا، فالعلامة الجليل، السيد المتبحر في العلوم، علوي بن طاهر الحداد، كتب الكثير من التنبيهات المهمة على تلك المنكرات، في كتابه التاريخي الشهير (الشامل في تاريخ حضرموت ومخاليفها) ..
فيبدو أن الباحثين ومن كتب في موضوع الإصلاح الديني، ومن يحلو لهم أن يطلقوا مصطلح( القبورية)، لم يقفوا على ذلك الكلام الرائق المهم، لهذا العلم الجليل .. فنجدهم لا يذكرونه في أبحاثهم، وكتاب (القبورية) للشيخ أحمد المعلم مثال لذلك. فإنه لم يشر من قريب ولا من بعيد الى جهود السيد الحداد في محاربة الخرافات في حضرموت ..

وإليكم هذه النقولات المهمة من كتاب (الشامل) .. تأملوها جيدا .. وسوف أنشرها تباعاً .. وهي من ترجمة أعددتها للسيد الإمام المذكور، في مقدمة (الشامل) .. أرى أن الواجب والحال يقضي بسرعة نشرها، والدلالة عليها.


كتب/ محمد باذيب

[] آراؤه الدينية:
كأي مؤرخ ناقد بصير، وعالم فقيه متشرع، لم يدع المؤلف العلامة رحمه الله، أي مناسبة تواتيه ليعلق على بعض العادات الدينية التي كان لها انتشار ووجود في المنطقة التي يؤرخ لها، إلا وعلق عليها بما يناسبها، مدحاً أو قدحاً.
1- فنجده يشدد النكير على بعض عادات البدو، مما لا يوافق الشرع. مثل عادة عقد النسب، التي كان يفعلها بعض القبائل،  فقال عنها: «هذه العادة موجودة في وادي حبان وأحور وما والاهما، فيأتي من كان اسم ابنه (سعيد)، مثلاً، إلى قبيلي آخر، (القبيلي: هو أحد أفراد القبيلة ذات العصبية والسلاح)، عنده ابن اسمه (سعيد) أيضاً، ويقول له: إني جئت مناسباً لك، ونريد عقد النسب بيننا على وَلدي وولدك، اللذين يسمّى كل منها بسعيد، ويلزم هذا أن يقبل هذا العرض والطلب، وأن يعقد بينه وبين الطالب عقد النسب، ويلزمه حينئذ القتالُ معه، والدخول معه في الحرب والسلم. وقد لعبَ بعضُ الولاة ونحوهم على ناس من الرعايا بهذه العادة، فاستهلكوا أموالهم، وحكيَتْ لنا عن ذلك حكايات مؤلمة، ولا توجد هذه العادة عند قبائل حضرموت» .
2- كلامه عن نصب المشاهد في مواضع ليست هي بالمقابر، وإنما هي أعلام يطلق عليها اسم شخص مدفون في موضع بعيد عنها، ليتذكروه ويترحموا عليه. فقال عند سياق تاريخ قرية الباقحوم: «وقرية الباقُحُوم؛ فيها الباقحوم، وعندها علَمٌ مشيد بالنّورة، وهم يسمونه: مشهد الحبيب عبدالله الهدار. والمراد به: جدّي ..، وكان في بدايته، بل وفي نهايته، يتردد إلى الأودية الخالية والشعاب، للخلوة والتفرغ للعبادة والذكر. فكان إذا أصعَد إلى الشعب مرَّ بقريتهم، وقد ينزل عندهم. فلما توفي أقاموا له ذلك العلَم ليتذكروه فيقرؤوا له الفاتحة.
ولم أر من تكلَّم على حكم مثلِ هذه الأعلام من فقهاء الشافعيةِ، ومن المقطوع به: أنه إن ترتَّبَ عليها ما يخلُّ بالإيمان، من اعتقاد ضرٍّ، أو نفعٍ، لغير الله تعالى، فلا شكَّ في حرمة إقامتها. وسوف يتعِبُ نفسه من أراد أن يجد لها أصلاً من كتابٍ أو سنةٍ، أو يجعلَها من قسم البدع المطلوبة» .
ما أشد ثباته رحمه الله في هذا الموضع، حيث لم تأخذه العاطفة، ولم يجامل أو يحاب، أو يتكلف أن يأتي بدليل للمشهد الذي أقيم لجده، أبي أبيه، وهذا دليل على عظم تدينه، ووقوفه عند الحدود الشرعية، وعدم خلطه العاطفة بالدين.


(يتبع)

الأربعاء، 25 سبتمبر، 2013

في ذكرى وفاة الإمام الكوثري رحمه الله .. أنعم بعلم الكوثري (قصيدة)



أنعم بعلم الكوثري





غيظاً لبعض المتشدقين الحانقين على الشيخ محمد زاهد الكوثري، قدس الله روحه، ونور ضريحه، وأعلى درجاته في فراديس الجنان .. أقول لهم:

أنعِمْ بعلمِ الكَوثَري ** السَّائغِ العذْبِ الطَّري

هو شيخُنا وإمَامُنا ** فخْرُ الزمانِ الآخِرِ

من ذَا كزاهدَ في الورَى ** اسمٌ كوصْفٍ فاخِرِ

الكوثريُّ المرتضَى **  الجوهريُّ العبقرِيْ

شرِقَتْ به أعداؤُه ** وقنَاتُه لم تكْسَرِ

أعلى منارَ عقيدَةِ الْـ ** ـحَبرِ الهمامِ الأشْعَري

بتصوّفٍ وتعرُّفٍ ** وتلطفٍ وتبحُّرِ

وتذوُّقٍ وتشوقٍ ** وترفُّقِ وتنوُّرِ

رحماتُ ربي دائماً ** تترَى على ذا المقْبرِ

بسوانحٍ ونَوافحٍ ** تهمي وغيثٍ مَاطرِ

نظم / محمد باذيب
اسطنبول

التنازع على العلماء



التنازع على العلماء

هناك ظاهرة أدبية، تدعى التنازع على الشعراء، فالأديب عبدالله الفرج، متنازع عليه هل هو خليجي أم سعودي؟ وكذلك أحمد السقاف، هل هو يمني جنوبي، أم كويتي؟ وعلي باكثير، هل حضرمي أم مصري؟
ولبعضهم كتاب في هذا الموضوع ..

ومن العلماء الدينيين، هناك شخصيات متنازع عليها بين الطوائف والفرق الدينية المختلفة، كالعلامة الحبر، مفتي حضرموت، السيد عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف (ت 1375هـ).




1- فالسلفيون يحتجون به، لوجود آراء سلفية له يرونه خالف بها أهل مجتمعه، وهي مبثوثة في كتبه. ومنها محاضرته عن الفرق بين العمل بعلمه وغير العامل، أعيد نشرها على أنها تمثل فكره السلفي!!.

2- والمتشيعون، يرونه منهم، لوجود خطبة له عنوانها (خطبة الغدير)، ولأبياته الرائية التي بعث بها الى الإمام يحيى، ويرون أنه تنازل فيها بعض الصحابة بأسلوب التورية .. وقد رد عليهم أخونا الشيخ عمر باذيب في كتابه (القلادة) بمقال ضاف جدا، وبين أن سادة حضرموت لم يتناولوا الصحب الكرام يوماً بأدنى كلام يفهم منه ما يروجه (الثوريون اليمنيون) النقامون على حكم ال حميد الدين.
ويحتجون أيضاً برسالته (نسيم حاجر في إمامية المهاجر) وهذه قد سبق أن كتبت عنها مقالاً يوضح رؤيته التي أراد، لا التي يريدها الآخرون.

3- الصوفية الصادقة النقية، وهم أهله وعشيرته وربعه وقومه، وهو لا ينفك عنهم قيد أنملة، وشيوخه كلهم من كبار العارفين، من أبيه الإمام الجليل، مرورا بشيخه الأبر، الى بقيتهم ..

فرويداً رويداً .. إنه ابن عبيدالله، ليس لقمة سائغة لأي أحد. كان فرد زمانه، ونابغة أوانه .. إنه سابق زمانه وعصره .. رحمه الله.
وعلام التصنيف !!
هل نحن في حلبة مصارعة؟
لا أدري!!

التوازن في حياة علماء حضرموت



التوازن في حياة علماء حضرموت

هذه صورة شيخ المشايخ .. العلامة الفقيه القاضي، الشيخ عبدالله عوض بكير (ت 1399هـ)، رئيس المجلس العالي للقضاء بالمكلا، زمن الدولة القعيطية.



كان فقيها محققاً .. تتلمذ على يديه جل مشاهير علماء ساحل حضرموت .. منهم شيوخنا الكرام الأكابر: ابنه القاضي الشيخ عبدالرحمن، الشيخ عبدالله الناخبي، والحبيب القاضي محمد رشاد البيتي، والشيخ القاضي سعيد بالرعية .. وغيرهم كثير. حفظ الله الأحياء ورحم الموتى.
للشيخ عبدالله جهود لا تخفى في اصلاح القضاء في حضرموت، وفي القيام بالاحتساب على بعض الأمور الخلافية، التي يقوم بها العوام، أو من ينتسب للعلم، كضرب الدفوف في المساجد، وإشاعة التوسليات في أعقاب الصلوات أو الختوم .. وكان له رأي أنها لا يجوز الإتيان بها في المساجد، احتراماً وتكريما لبيوت الله من فعل ما ليس متفقا على جوازه. وله فتاوى في هذا الشأن.
وكان عالماً متوازناً ..
فهو من تلاميذ الحبيب العلامة الشهير علي بن محمد الحبشي (ت 1333هـ)، ودرس النحو عليه في رباطه الشهير بسيون، ويعده شيخ فتحه، كما أخذ عن الشيخ عمر بادباه، وهو من الشيوخ العارفين وممن فتح له على يد الحبيب علي الحبشي أيضاً، وقد شاركه سيدي الشيخ عبدالله الناخبي في الأخذ عن بادباه دون شيخ الكل الحبيب علي.
يظهر التوازن جلياً في حياة الشيخ عبدالله بكير .. في أنه كان يحضر حولية شيخه الحبيب علي الحبشي التي تقام في سيون كل سنة، كما كان سيدي الشيخ عبدالله الناخبي يحضرها أيضاً .. 



كان الشيخ عبدالله بكير، يرى ويسمع ما ينشد ويقال في الحضرات، وما يجري فيها .. وكان على صدعه بالحق، ساكتاً عن بعض تلك الأمور، لم يفت فيها بتكفير ولا تفجير .. ولم يصدر منه إلا تلك الفتوى في حق ضرب الدفوف في المساجد (بالخصوص) ..
فليت شيوخ اليوم، خصوصاً الشباب المتحمس للحسبة، ممن يرون في الشيخ عبدالله بكير قدوةً لهم في الإنكار، أن ينهجوا نهجه، فيسكتوا عما يمكن السكوت عنه والتجاوز، ولا يثيروا الناس على بعضهم البعض في أمور ومسائل لهم فيها مندوحة، ويوجد من الأقوال ما يحملهم ..
وهو مع احتسابه، لم يكن يهجر شيوخه أو أقرانه ممن يخالفونه الرأي، ولم يؤسس لنفسه مجلساً دون الآخرين، ولا أفتى بكفرهم وأنهم على ضلال ..
ليتنا نتعلم من أكابرنا.

محمد باذيب