الأربعاء، 9 ديسمبر، 2015

نصيحة الشيخ الصوَّاف للدعاة وطلبة العلم



في مطلع السبعينات الميلادية، كان لفَضيلة الشيخ الداعية الإسلامي محمد محمود الصواف(1) رحمه الله (ت 1413هـ) لقاءٌ مع الملك الشهيد الراحل فيصل بن عبدالعزيز (ت 1395هـ) رحمه الله تعالى، وتحدث معه عن هموم الدعوة الإسلامية، وعن أحوال المسلمين في القارة الأفريقية. 


 صورة الصواف مع الملك فيصل رحمهما الله

فما كان من الملك الشهيد، رحمه الله، وهو الغيور على دينه وأمته، إلا أن أوكل إلىٰ الشيخِ الداعية، مهمةَ القيام بجولةٍ دعوية في ربُوع إفريقيَا، وحمله رسائل لملوك وحكام ورؤساء بعض الدول. وقام الشيخ الصواف بمهمته رحلاته الدعوية خير قيام. ثم بعد تمام تلك الرحلات قام الشيخ بتدوينها وكتابة معظم تفاصيل أحداثها بأسلوب أدبي تاريخي شيق، وخرجت في سفر كبير، قدم له الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ (ت  1405هـ) وزير المعارف في المملكة حينها، ومما جاء في تقديمه:
«لستُ في حاجةٍ لتقديمِ صاحب الفضيلةِ، أخي الشيخ محمد محمود الصوافِ، أو التعريف به، فهو غني عن ذلك، لـمـا عرفه الناس به من الدعوة إلىٰ الله، والدفاع عن دينه، فهو من الرجال القلائل الذين جاهدوا في سبيل الله، وتحملوا الكثير من الأذى في ذلك، شأنه شأن الدعاة في كل زمان ومكان.
وكتابه هذا يأتي عقب قيامه برحلات كثيرة في شرق الأرض وغربها، في إطار الدعوة الخيرة الصادقة للتضامن الإسلامي التي يراد منها تذكير المسلمين بدورهم القيادي والإنساني، وحثهم على تجميع صفوفهم، وتوحيد أهدافهم، والعمل على إثبات وجودهم قوة هائلة تحارب الانحراف والشرك والرذيلة»، الخ.




ماذا قال الصواف!؟
تحدث الشيخ في كتابه عن مواضيع شتى، ومشاهداتٍ عديدة، منها ما شاهدَه من شئون الطرق الصُّوفية وعمَلِها في إفريقيَا، ونقدَ الكثير من السلبياتِ والممارسات الخاطئة التي شاهدها في بعض المناطق، كتب يقول تحت عنوان:
(الطرقُ الصُّوفيةُ في أفريقِيا)
«ما دمتُ قد تكلمْتُ على الطرق الصوفية، فهنا شهادةٌ أحببتُ أن أؤديَها إحقاقا للحقّ، ولوجْه الله تبارك وتعالى، وهي: أن بعضَ هذه الطرق وشيوخَها، قد خدموا الإسلام في أفريقيا، خاصةً غرْبَ أفريقيا، خدمات تذكر لهم وتشكر، لقد استطاعوا بتوفيق الله ثم بجهودهم المبرورة، أن يدخلوا في الإسلام الآلاف المؤلفة من الوثنيين وغير الوثنيين، بل قبائل كاملة نقلوها من الوثنية إلىٰ الإسلام، ولا يكاد يمر يوم جمعة إلا وترى بعد صلاتها العديد من الوثنيين يعلنون إسلامَهم على يد الشيخ، وكذا تجدُ هذا موسَّعاً في صلاة العيدين، وعقب احتفالاتِ المولد النبوي الشريف، التي يعتني بها المشايخ كثيرا، ويعطُونها أهميةً كبرى، ويسهَرون الليالي الطوالَ بالذكرِ والعبادة والثناء على الرسول r وقراءة المدائح النبوية الشريفة.
وعقب هذه الاحتفالاتِ قد تَرى المئات من الوثنيينَ يدخلونَ في الإسلام، حيث تؤثر في نفوسهم هذه المشاهد، فيسارعون إلىٰ الشيخ ويعلنون إسلامهم بين يديه، ثم يسلمهم إلىٰ المريدين يعلمونهم الشهادتين وأركان الإسلام والصلاة، ويفتح لأطفالهم مدارس لتعليم القرآن، وهذا لا شك عمل يشكرون عليه، ولهم الأجر والمثوبة من الله عز وجل، إن كانت أعمالهم ونيَّاتهم صادقة مع الله سبحانه، فالله لا يضيعُ أجر من أحسنَ عملاً.
ولقد ذكرتُ هذا وقصصته على بعض الإخوة عند عودتي من سفري إلىٰ غرب أفريقيا، فقال لي أحَدُ الإخوة من الحاضرين: إنهم لم يصنعوا شيئاً، خرَجُوا من الوثنية ودخَلُوا في الوثنية الصُّوفية!!.
فأسِفْتُ حقا، وثُرْت علَيه، وقلتُ له: اتقوا الله في المسلمين!. ولا تتهموهم بالكفر والوثنية وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله r. ولقد شَهِدتُهم بنفسي، وهم يملؤون المساجد، وخاطبتهم بالإسلام والتوحيدِ الخالص، فقبلوا مني كل ما قلته لهم، بل هتفُوا لـمـا قلتُه لهم، وتمنوا المزيد، وأحَاطوا بي إحاطة السوار بالمعصم، وأكرموني إكرام الأخ لأخيه، والحبيب لحبيبه، على غير أرحام بيننا، ولا أحساب ولا أنساب، ولكنه الإسلام العظيم الذي جمع بيننا، ووحد وجهتنا وقبلتنا، وجعلنا أمة واحدة.
وأنتم أيها الأخ؛ بحاجة إلىٰ أن ترْزَقُوا الحكمةَ في الدعوة، فهي أساسُ كلِّ نجاحٍ، وكل فلاحٍ، ولهذا يقولُ الحق تبارك وتعالى ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾. وأقولها لك صريحةً غيرَ هيَّابٍ ولا وَجِلٍ: إنكم تجنُون على الإسْلامِ بهذا الأسلوبِ، وتبعِدُونَ عنه الناسَ، وعليكُم وزْرُ هذا التجنّي إلىٰ يوم القيامة!. ويا أخي؛ إسْلامٌ خُرَافي خيرٌ من الوثنيةِ الكَافِرَة البَاغية، وإذا كان هؤلاء الشيوخ قد وفقوا بتوفيق الله عز وجل، وأدخلوا هؤلاء الوثنيين في الإسلام، فقد مهدوا لنا الطريق، فلنهذب نحن وننشر بينهم دعوة التوحيد كما تقول، ولنشمر عن ساعد الجد، ونجاهد في سبيل دعوتنا وإسلامنا العظيم.
أمَّا أن يجلسَ أحدُنا على أريكته، ويلزم أولاده وبيته ودنياه، ويهتم بوظيفته ودرجاتها وعلاواتها، ثم يوزع التهم على هذا وذاك من غير تقوى الله ولا مراقبته، ومن غير أن يعلم ما يجري في هذه القارة من تحديات للمسلمين، ومن نفقات خيالية تصرف هنا وهناك، وجهود جبارة تبذلها الإرساليات التبشيرية، وآلاف الرجال، بل جيوش من الرجال، نذروا أنفسهم لدينهم وصليبهم، ومنهم من نذروا أنفسهم لشيطانهم وإمامهم الكافر كالقاديانيين والبهائيين، وكذا الإسماعيليين الآغاخانيين.
فمثل هذا الحكم لا يجوزُ يا أخي، فاتقُوا لله في المسلمين، ولا تتهِمُوهم بالشرْكِ والوثنيَّة، وهم يشهدون لله بالوحدانية، ولمحمد r بالنبوة والرسالة، بل رأيتُ أن حبهم للرسول r يفوق حبهم لأنفسهم وأبنائهم. فهيا بكم إن كان بكم قوة، فجاهدوا في سبيل الله، فالقارّةُ اليوم مفتوحَةٌ لكم، ولكل عاملٍ للإسلام، ولا تكتفوا بالكلام والاتهام، فالله بصير بالعباد، وهو الذي يحكم ما يريد»(2).
أقول؛ رحم الله الشيخ الصواف، فقد قال كلمة حق وإنصاف، مما يدل على اهتمامه بوحدة المسلمين وإبعادهم عن الفرقة، ورحم الله الملكَ فيصل، ذلك الملكُ الحصِيف، فقد عرفَ من يختارُ للقيام بتلك المهمة العظيمة، التي تبعث الأمل في النفوس، بلَمِّ الشمل واتحاد الكلمة، ولكل زمانٍ دولة ورجالُ.

الهوامش:
(1) توفي الشيخ الصواف يوم الجمعة 13 من ربيع الآخر سنة 1413هـ/ 11 أكتوبر 1992م، في مطار إستانبول بتركيا؛ أثناء انتظاره الطائرة التي ستقلّه إلى مكة المكرمة، ونقل جثمانه إلىٰ مكة المكرمة، ودفن في مقبرة المعلاة، رحمه الله.
(2) المصدر: الشيخ الصواف، رحلاتي إلىٰ الديار الإسلامية، القسم الأول أفريقيا المسلمة، (جدة، الدار السعودية للنشر والتوزيع، 1395هـ/1975م): ص 436-437.