الأحد، 13 أبريل 2014

(8) خواطر التناصح والإصلاح: بالهمم العالية، والقلوب الصافية، سادَ الأشرافُ آل باعلوي!


عرف الناسُ والتاريخ السادة بني علوي، رجال علم وتعليم، وإصلاح وتربية، وجد واجتهاد، يعملون ولا يكلون، يؤثرون الغير ولا يستأثرون. كل المجتمعات البشرية التي عاشوا فيها، تشهد لهم ببلوغ القمم في شتى المجالات، علم، وأدب، ودعوة، وخدمة، وبذل جاه، وسياسة.
عماذا تريدونني أن أحدثكم؟
عن أي جانبٍ من الجوانب التي يفخر بها بنو البشر برز فيه بنو علوي؟
عن أي مكانة سامية، ومرتبة عالية تسنموا ظهرها؟



سلوا التاريخ المكي، والمدني، فضلا عن التاريخ اليمني بعمومه، والحضرمي بخصوصه. طالعوا تواريخ مصر، والشام، والهند، والسند، وشرق إفريقيا، وشرق آسيا .. إن لم تجدوا فيها أثراً مباشراً، فستسمعون أخباراً تروى عمن عرفهم وخالطهم.

يقول فيهم حسان مدحهم، الشيخ أحمد بن عمر باذيب، في عينيته الشهيرة، التي امتدح بها صديقه وأخاه في الله، السيد الشريف العارف بالله والدال عليه، الحبيب شيخ بن أحمد بن عبدالله بافقيه، دفين سورابايا، سنة 1289هـ، نفع الله بهم:
يا لا ئمي في حب آل محمد ** إني بهم ما عشْتُ صَبٌ والعُ
نفسِي لهم رقٌ بلا ثمَنٍ فإن ** يرضُوا بها مني فإني بائعُ
أرجو يداً بيضاء بها عند الذي ** يوم القيام هو الوجيه الشافعُ
وأنالَ لذّة أنت منا لا تخَفْ ** فمحبّنا في روضِ أمْنِ راتعُ
وأرَى النجاةَ بها إذا زفرَتْ لظَى ** وبدَتْ لأهوالِ النشور فجائعُ
حَسْبي محبته ووُدّي آله ** فهم الأمان إذا قرعن قوارعُ

هذه الأبيات الجميلة الرائعة، استشهد بها كبار العلويين في كتبهم، وأوردها حجة السادة بني علوي، السيد الإمام علوي بن طاهر الحداد في كتابه العظيم (القول الفصل فيما لبني هاشم وقريش والعرب من الفضل)، وغيره.



إن هذا العنصر الكريم، والأصل الفاخر العظيم، يعز على من انتسب إليه، أو تشرف بالتقرب منه والدخول إلى حماه، أن ينال عالي بناه، أو يتطاول عليه من لا يطول مطاله.
* * *
وفي الانتصار لشرف هذا البيت الشامخ، ومنهجه العظيم السامق الراسخ، بذلت المهج، وأراق المحبون مياه وجوههم، بل ودماءهم، وبذلوها في سبيل الحفاظ على سلامة المنهج، والإبقاء على روح الطريق. سواء من أبناء البيت الصلبيين أو الروحيين. وهل منهج بني علوي ودعوتهم إلا روح الإسلام، وهل هم إلا ممثلون لطريق خير الأنام، عليه الصلاة والسلام.
بيت شريف سني، سليم الاعتقاد، وطريق سار فيها من الأئمة أطواد، وشادها الأبدال والأوتاد، وتنقل الشرف والفخر والعلم والفضل والدين، فيهم وفي أهل طريقهم، كابراً عن كابر، وأباً عن جد ..
أب يتلقى عن أبيه وهكذا ** فيالك من آباء كرامٍ وأجدادِ

وفي التشرف بخدمة منهجهم، والذب عن حماهم، يقول الشاعر الأديب، المقدم في طريقهم، والشارب من رحيقهم، شهاب الدين أحمد بن عمر باذيب، دفين سنغافورا، رحمه الله:

بني هاشمٍ أنتم مُرادي وبغيتي ** وحبكمُ في مهجتي صار ثَاويا
وجَدِّكم المبعوثِ من خير عنصُرٍ ** لحبكمُ أضحى بقلبي راسيا
وإني عليكُمْ مشفقٌ متودّدٌ ** إليكم بصدْقِ النصح لستُ محابيا
وأنتم رؤوسُ الناسِ والناسُ لم تزلْ ** لكم إن صلحْتُم أو فسدْتُم تواليا
أترضَون أن تبلى طريقة جَدّكمْ ** وتدرسَ ، أو أن يصبح الظلمُ فاشيا
وأنتمْ على وجْه البسيطة رتّعٌ ** تباهون بالدّنيا وتعلوا المبانيا!
إذا ما نأيتم عن طريقَة جَدكُم ** فلا عجَبٌ أن يصبح الغيرُ نائيا
لأنكمُ أولى به من سِواكمُ ** وأنتم له نعْمَ الولي المواليا
بكمْ يُقتدَى إذ أنتمُ مظهر الهدى ** ومطلعُ نورٍ صَار في الأرض باديا
 ألا عزْمةٌ سبطيةٌ هاشميةٌ ** ليصبحَ منها عاطل الدين حاليا
ويبيضَّ وجْهُ الدين بعْد اسْودادِه ** فأيامه بالجهْلِ صرْنَ لياليا
وإني لأخشى إنْ تمادى سكوتكُمْ ** عن الدّينِ أن يضحي له الجهل نافيا
ويضْحي البرايا حائرينَ يسُوسهمْ ** هواهُم، وإبليسٌ يقود النواصيا
إلى النارِ! لا يدرونَ بالدين جملةً ** وما أحدٌ بالدين منهم مباليا
ألا فانتضُوا سيفَ العزيمة وافلقوا
** به رأسَ إبليس الذي كان غاويا
دراكِ بني الزّهراء من قبل أن يُرى ** بنا ذلك المخشيُّ أو أن يوافيا
دراكِ بني الزهراء إن ثمّ مدْركٌ ** وإن ذائدٌ عن بيضَة الدين حاميا
فأنتمْ مفاتيحُ الفلاح وإنّما ** بكُمْ جاوز الدينُ الثريا تعاليا
وإن صلُحَتْ نياتكم وتحسّنتْ ** كفتكم سيوفَ الهندوان العواليا
ألا فاقبلوا نصْحي وإن كنتُ قاصرا ** ضعيفاً حقيراً خاملَ الذكر خاطيا
فإنّي ومن أوصَى كمَن طاح في الردى ** فحذَّر مشّاءً إليه وآتيا
فدونكمُ القولَ المنمّقَ فاعملوا ** عليه وخَلّوني وقبحَ فعاليا
على أنكُم لا تهمِلُوني فإنني ** لعَمْرُ أبيكم للعظيم المساويا
ولا تحرِمُوني دعوةً من دُعائكم ** لعلي بها فضلاً أنال الأمانيا
وأدركَ عفو الله عني وأنثني ** من الأجر بالحظ الموفّر راضيا
فلي حُسْن ظنٍّ في إلهي، ومَن أتى ** إليه بحسن الظن أصبحَ ناجيا

بهذه الأبيات، والإشارات البينات، والكلمات الغاليات، أصِلُ مع أحبتي وإخوتي في المنهج، ومن هم أحبُّ إلى قلبي من نفسي وأهلي، إلى نهاية مطافٍ قدر لي ولهم أن نعيشه، وأن نتواصى فيه بالحق، ومن تأذى مني، أو استثقل كلامي، فإني أعتذر إليه، وأبادر بطلب العفو والصفح منه، فوالله إن الحق مر، وكلي ذنوب وأخطاء، وجزى الله خيراً من استمع إلى هذه الكليمات التي كتبتها، والسطور التي سطرتها، فما قصدت بها إلا وجه الله، وإلا الذب عن شرعه وعن حمى أهل الله، وأوصي نفسي ومن أحب بالتشمم إلى القمم، وليخزأ وليخسأ من ظن أني بما كتبت ونشرت أعرض بأحد، أو أعين الحاسدين على إخوتي.

لا والله! ولساعةٌ من عمل داعية إلى الله، يهدي به الله قلباً إلى طريق الحق، وتدمع فيها عين مسلم موحد، أو يدخل فيها الإسلام على يدي أحد هؤلاء الدعاة الذين بذلوا أعمارهم وأنفسهم ونفيسهم في سبيل الدعوة، خير من ملء الأرض من مثلي وأضعاف ذلك.

أيها الإخوة الدعاة إلى الله، سيروا إلى الله عرجاً ومكاسير، ولا يضركم من خالفكم، ومن خذل عن طريقكم، فأنتم على ثغور عظيمة، وأنتم أكرم وأجل وأرفع من أن تتأثروا أو تنكِصُوا على أعقابكم لمجرد سماع صوتٍ أرادَ صاحبه أن ينبهكم إلى ما ينبغي سلوكه، وما يجب الحذر منه، فأنتم شاماتنا، وبكم نستروح عبق الأشياخ المرشدين. ولا نريدكم إلا أن تكونوا في مقام الكمال، ما دمتم رغبتم في سلوك سبيل الكمّل من الرجال. فاستغفروا لنا الله في قيامكم وتهجدكم، وادعوا لإخوانكم المقصرين عن بلوغ شأوكم، فما أسهل الكلام، وما أصعب العمل. سيروا على بركة الله، ونحن معكم، ولن تروا منّا إلا كل مودة ومناصرة، وسيعلم المتشفّون لمن عقبى الدار.
اللهم اغفر لي ولإخوتي، ولكل من نصحني سراً، ولكل من أسدى إلي معروفاً، ولكل من نبهني على خطأي، وأخذ على يدي، واغفر لمن أسأت إليه، أو تأذى مني ظاهراً أو باطناً، فما قصدت إلا النصح والتواصي بالحق، فإن كنت وفقت في ذلك فلك الحمد، وإن كنت أسأت فأستغفرك يا غفور يا رحيم.

سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

كتبه/ محمد أبوبكر باذيب

سحر الاثنين 13 جمادى الأولى سنة 1435هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق