الثلاثاء، 26 مارس 2019

نبذة في نسب آل باذيب سكان شبام حضرموت



بعد حمدالله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ..
فقد انتشرت نبذة تعرف بأسرة آل باذيب، لا يعرف كاتبها، وفيها حيف على علم التاريخ وعلم الأنساب، وسبب الوقوع في تلك الأخطاء وذلك الحيف، هو قلة اطلاع بعض الناس على المصادر، وقلة خبرتهم بالتعامل مع المراجع المنتشرة التي كثر تداولها من غير تمحيص لما فيها.
فنقول وبالله التوفيق:
القول الأول، وهو أصح الأقوال وأقواها وأشهرها:
قال الإمام العلامة الحبيب أحمد بن حسن العطاس (ت 1334هـ) في «سفينته» في الأنساب : «ذكر الفقيه عمر بن عبد الله باجمال الشبامي (916هـ): أن المشايخ من آل ابن أبي ذئب خرجوا من البصرة إلى حضرموت في عصر الحجاج بن يوسف، ولهم بالبصرة حافة عظيمة وكان يقال لها حافة الأسد، وهم قبيلة من الأزد ، لأنهم أهل شدة وبأس وذكاء وفهم. ولما وصلوا إلى حضرموت آواهم أمير شبام وأجلّهم ، وأجازهم الجائزة العظيمة ، وكان منهم قضاة الدين ، وقضاة الدولة ببلدة شبام ، واجتمع من المشايخ آل باذيب في عصر واحد: سبعة مفتين وقاضيان ، قاض شافعي وقاض حنفي»(1).
وقال مفتي حضرموت السيد العلامة عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف (ت 1375هـ)، عند حديثه عن قدم بناء المسجد الجامع في شبام: (ومما يدل على تقدمه: ما نقله الشيخ العلامة عبد الله بلحاج (ت 918هـ) عن العلامة الشيخ محمد بن سعد باشكيل (ت 761هـ): أن آل باذيب من الأزد ، وأصلهم من البصرة ثم استوطنوا شباما . وذكر الفقيه عمر بن عبد الله باجمال الشبامي (916هـ): أن آل باذيب خرجوا من البصرة إلى حضرموت في أيام الحجاج ، وبقيت طائفة منهم بالبصرة ، ولهم حافة عظيمة بالبصرة، يقال لها (حافة الأُسْد) بالسين، لغةٌ في الأُزْدِ، بالزاي. ولما وصلوا حضرموت آواهم أمير شبام وأجلهم ، وكان فيهم قضاة الدين وقضاة الدولة بشبام ، وقد اجتمع منهم في زمان واحد سبعةٌ مفتون ، وقاضيان شافعي وحنفي، انتهى . وهذه فائدة نفيسة ونقل عزيز يحتاج إليها في كثير من المواضع)(2).
هذا هو القول الصواب في نسب آل باذيب، وقد تداول النص المتقدم كبار العلماء وثقات مؤرخي حضرموت، مما يجعل أي قول يخالفه لا يرقى الى قوته وشهرته. وهناك قولان آخران: أحدهما ورد على ألسنة بعض كبار علماء هذه الأسرة، والآخر على لسان بعض علماء تهامة اليمن.
وإليكم ذكر مصدر ذينك القولين:
القول الثاني في نسب آل باذيب
أنهم ينسبون الى صاحب رسول الله وخليله سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهذا القول تكرر في بعض قصائد الشيخ العلامة الفقيه أحمد بن عمر باذيب، دفين سنغافورا رحمه الله، المتوفى سنة 1268هـ، تقريباً، وقيل: بعد سنة 1280هـ. وذلك قوله في قصيدته العينية، التي امتدح بها صديقه السيد العلامة شيخ بن أحمد بافقيه (ت 1289هـ)، ومطلعها:
لمعتْ لعَينِكَ في الظَّلامِ لوامعُ ** منْهَا على خدَّيكَ سِلْنَ مَدامعُ
فقال فيها بلسان الفخر والحماسة:
وأُريهِ أني منْ بقيَّةِ مَعْشَرٍ ** المجْدُ تيجانٌ لهمْ وبَراقعُ
تَيمُ بْنُ مرَّةَ جَدُّهمْ، ولهمْ إلَى ** قَحْطَانَ أقْيالٌ نَمَوا وتتابَعُوا
فخْراً بِصدِّيقِ النَّبيِّ وخَيْرِ مَنْ ** لبَّاهُ حينَ دعَا وقَامَ يبايعُ
هُوَ أسَّسَ الحبَّ الذِي للمُصْطَفَى ** ولآلهِ بقُلوبِنَا يتطَالعُ
يَا لا ئِمي في حُبِّ آل محمَّدٍ ** إني بهمْ مَا عِشْتُ صَبٌ وَالعُ
إلى آخرها. وله قصيدة أخرى، نظمها في مدينة مدراس الهندية، الواقعة حاليا في ولاية تاميل نادو، وكان قد أقام فيها مدة، ونظم قصيدته بها في سنة 1251هـ، قال فيها:
أولئِكَ أحْبَابي الذيْنَ أحِبُّهم ** وهُمْ لي كَما أنِّي لهم وهمُ ذخْرِي
بِرُؤْيَتهِمْ أنْسِي يزيدُ،  وَوَحْشَتِي ** تبيدُ ويُسْقَى من مَواهبِهمْ مَيْري
وأمَّا سِواهُمْ من ذوي الرُّتَبِ العُلا ** بمَدْرَاسَ من أهْلِ الرِّياسَة والكبْرِ
فَإنهمُ عندي بمَنزِلَة الحصَى **  وأنفَعُ عندِي منهمُ الزَّبدُ البَحْري
لقَدْ نظَرُوني بالحقَارةِ وازْدَرَوا ** وقَدْ رفَضُوا عَهْدي وقد جَهِلُوا قَدْري
ولم أجْنِ مِنْ ذنْبٍ عليهمْ ولا أذًى ** سِوَى أنني من رَهْطِ آل أبي بكْرِ
لئنْ بَغضُوا أصْلي لخبْثِ أصُولهمْ  ** فقَدْ أبغَض الجُعْلانُ قَارورةَ العِطْرِ
كما أن الشيخ عبدالله بن عمر باذيب، المتوفى بجزيرة سيلان سنة 1309هـ، مشهور عندهم بالصديقي البكري، وهو من تلامذة الشيخ الإمام إبراهيم الباجوري، شيخ الأزهر الشريف، وهو فقيه وعالم مشهور في الجزيرة. وله مصنفات، كما كتب بعض تلامذته مناقب له تقرأ في حوليته كل سنة، وفيها إثبات هذه النسبة.
ولم أقف على تفصيل شيء من ذلك النسب البكري، ولكن أفاد السيد سالم ابن جندان (ت 1389هـ) في بعض مؤلفاته بما نصه، كما نقلته من خطِّه:
«وقد زعمَ بعض آل باذيب أنهم من ولد أبي بكر الصديق، فيرجع أصله في قريش إلى بني تيم بن مرة، ولكن لم يسند بدليل علمٍ، سوى الاعتماد على قصيدة قالها الأديب الشيخ [أحمد بن] عمر باذيب، يذكر فيها أبابكر الصديق من آبائه، فالظاهرُ غير بعيدٍ، لاحتمالِ نسَب الأم. لأن عباد بن أبي ذئب جدَّ آل باذيب كانَ تزوج إحدى بنات محمد بن طلحة بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديقي التيمي، كما وجدتُ ذكرها بخط بعض المشايخ ، ذكر ذلك العلامة سالم بن محمد باصهي مكتوبا بخط يده بتاريخ سنة 821 هجرية. والحقُّ الذي عليه خطوط مشَايخِ حضرموت: أن آل باذيب من بني الأزد، كما حققه الإمام أحمد بن الحسن العطاس من طريق العلم المنقول، عن أهل النسب، المحفوظ عند المحققين من علمائهم، والله أعلم».
انتهى كلام ابن جندان، نقلته عن خطه، من الجزء الخامس، من كتابه «الدر والياقوت»، ص 152.
التعليق:
1) النص الذي ادعى نقله عن الشيخ باصهي، الذي ذكره، فيه نظر، فهذه الشخصية التي عزا إليها غير معروفة، ولم يذكر أين اطلع على هذه العبارة، أو عند من رآها.
2) لاوجود لمن سماه: محمد بن طلحة بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق. لأن عبدالرحمن بن الصديق لم يعقب سوى محمد، وهو لم يعقب سوى ابنه: عبدالله بن محمد، المعروف بابن أبي عتيق، صاحب النوادر والفكاهة. هذا ما ذكره النسابون القدامى، كالزبيري في «نسب قريش»، والبلاذري في «أنساب الأشراف»، وغيرهما.
3) نعم؛ يوجد اسم طلحة في الذرية البكرية الصديقية، وهم ذرية طلحة بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق، وهؤلاء في الحجاز على يمين طريق مكة، كما ذكر مصعب الزبيري في «نسب قريش»: ص 279، ثم دخلوا بلاد مصر، وشمال أفريقيا، ويقال لهم: آل عبدالله، فلطلحة بنون، منهم محمد، وشعيب، وأبوبكر. ذكرهم ابن حزم في «جمهرة أنساب العرب»، كما ذكرهم من المتأخرين: القلقشندي في «نهاية الأرب»، والمقريزي في «البيان والإعراب عمن حل بمصر من الأعراب»: ص 46، وكحالة في «معجم قبائل العرب».
وفي هذا مقنع عن الإفاضة والإطالة.
4) ومع وجود الذرية الطلحية البكرية الصديقية، والتعرف عليها في كتب الأنساب، فإننا لا نعرف من هو عباد بن أبي ذئب، الذي ذكره ابن جندان، وما هو مصدره في نقله.
5) ثم قول ابن جندان تعقيبا على ما ورد في شعر الشيخ أحمد بن عمر باذيب: «لاحتمال نسب الأم»، قول جيد. ولو أنه اكتفى به، لكان أفضل، من إتيانه بما بعده من التأكيد الذي يناقض الاحتمال، فإما احتمال، وإما تأكيد، والتأكيد لا يتأتى بطريقة واسلوب ابن جندان، فيبقى الاحتمال قائما، حتى تأتي شواهد التاريخ وقوائم الأنساب فتؤكده.
فالخلاصة؛ أن كلام ابن جندان يظل قائماً حتى يؤكده شاهد عدل، ويكفينا ما تفوه به الشيخ أحمد بن عمر باذيب، وما اشتهر عن نسبة الشيخ عبدالله بن عمر باذيب، واستفاض عنهما من الانتساب الى الذرية البكرية، وعليه فالقول بأن هناك نسبة بكرية صديقية، قول صحيح إن شاء الله، ولكن لم نطلع على تفاصيلها، والعلم عند الله.
القول الثالث، في نسبة آل باذيب: أنهم عامريون قرشيون، من ذرية المحدث محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب العامري القرشي، شيخ الإمام مالك بن أنس، المتوفى بالمدينة سنة 159هـ. قال بهذا: العلامة الفقيه السيد محمد بن عبدالله الزواك القديمي، المتوفى بتهامة اليمن، في بلدة الزيدية، سنة 1311هـ، وذلك في أبيات امتدح بها تلميذه العلامة الفقيه الشيخ محمد بن أبي بكر بن محمد بن عبود باذيب، المتوفى بشبام سنة 1324هـ، بقوله:
لهم في قريش نسبة عامرية ** الى ابن أبي ذئب المحدث ترجعُ

وهذا البيت من قصيدةٍ له، توجد بتمامها في كتابي «المحاسن المجتمعة»، هذا ما تيسر جمعه، والله أعلم.


المصادر:
(1) نقلته من خط شقيقي الشيخ الوالد عمر بن أبي بكر باذيب، وهو نقله من خط السيد المنصب علي بن أحمد بن حسن العطاس بحريضة، في 19 صفر 1405 هـــ. ويوجد النص هذا في النبذة في الأنساب التي نشرها حمد الجاسر في مجلة العرب، والنبذة هذه مأخوذة من السفينة الكبرى. ونقل هذا النص أيضاً السيد المؤرخ محمد بن علي الحييد بن الشيخ أبي بكر بن سالم في (مجموعته التاريخية)، مخطوط.
(2) السقاف، إدام القوت أو معجم بلدان حضرموت، طبعة دار المنهاج، جدة: ص 524.
التعليق:
أقول: أنت ترى أن الكلام واحد ومصدره الشيخ عمر بن عبد الله باجمال ، وهو متوفى بشبام عام 916هـ، عالم محقق فقيه ضليع، أخذ عن فقيه زمانه الشيخ الإمام عبد الله بن أحمد بامخرمه العدني (ت 903هـ)، والإمام الفقيه محمد بن أحمد بافضل العدني (ت 903هـ)، والشيخ الفقيه محمد باجرفيل الدوعني ثم العدني . وبلغ من شأنه أن مفتي عصره الشيخ عبدالرحمن بامزروع الشبامي (ت 913هـ)، كان لايفتي في مشكلة إلا بعد أن يعرضها عليه . من مصنفاته : تحفة الزاهد وغنية العابد ، في الحديث والرقائق ، والجامع في أحاديث النبي الشافع، ورسالة في أنساب بعض القبائل. [ترجمة منقولة عن مجلة الرابطة، جاكرتا، ج4 ، مجلد 1 لسنة 1346].
وأما باشكيل : فهو العلامة الكبير الفقيه النحرير محمد بن سعد باشكيل الأنصاري العدني الذي شرح كتاب الوسيط للإمام أبي حامد الغزالي في فقه الشافعية وهو متوفى في القرن الثامن. وأما عبد الله بلحاج فهو الفقيه الإمام عبد الله بن عبدالرحمن صاحب كتاب المقدمة الحضرمية المتن المشهور في فقه الشافعية ، المتوفى بالشحر سنة 914هـ . وترجمته شهيرة. واما العطاس وابن عبيدالله فهما معروفان. فكلهم علماء ثقات عدول مستأمنون على ما يكتبون وينقلون.
ملاحظة:
قد يورد علينا البعض ما ورد عن السيد ابن جندان، وما ذكره معلوم ولكنه غير صحيح من نواحي كثيرة، ويمكن الاستئناس به فقط، لكن لا يعتمد عليه جملة وتفصيلا. والله الموفق.

هناك 4 تعليقات:

  1. تفصيل علمي محكم ...جزاك الله خيرا دكتور محمد ونفع بك

    ردحذف
  2. جزاك الله خيرا الدكتور محمد ابوبكر

    ردحذف
  3. جزاك الله خير يا دكتور محمد ابو بكر ويعطيك العافيه على مجهوداتك
    عبدالرحمن عمر باذيب (شبوة_نصاب)

    ردحذف